الفلسطينيون القادمون من سوريا… معايير الصمود غير متاحة في لبنان!


2017-05-27    |   

الفلسطينيون القادمون من سوريا… معايير الصمود غير متاحة في لبنان!

تشير معطيات ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى UNRWA أن هناك حوالي الـ 32.000 لاجئ فلسطيني في لبنان قدموا من سوريا[1]. بالرغم من أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR، تتكلف بتأمين الخدمات للقادمين من سوريا، إلا أنها لا تدخل الفلسطينيين منهم إلى سجلاتها على أساس أنهم يدخلون ضمن صلاحيات وكالة أخرى هي وكالة الأونروا. الأمر الذي شكل جدلاً واسعاً على تحديد الجهة المعنية بتأمين الخدمات لهم، لا سيما وأن وكالة الأونروا غير قادرة على ملء الفراغ بسبب شح التمويل من قبل الدول المانحة. هذا الجدل، يقابله الجدل السياسي حول حسم القرار لناحية الأزمة في سوريا، الذي يدفع ثمنه لاجئون فلسطينيون عانوا النزوح القسري من مخيماتهم لمرات عديدة قبل وصولهم الى لبنان، حيث وقفوا أمام خيارين: إما البقاء في لبنان والرضوخ لقيود أمنية واجتماعية صعبة، أو العودة إلى سوريا والعيش تحت رحمة آلة الحرب. أي باختصار، إما الذل أو الموت.

هذه الطروحات هي بعض مما يمكن استخلاصه من مؤتمر "اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا: مآس مضاعفة"، والذي انعقد في معهد عصام فارس للسياسات والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت بتاريخ 23 أيار 2017، بحضور مدير المعهد د. طارق متري. وذلك بالتعاون مع جمعية النجدة الاجتماعية، ومنظمة المعونة المسيحية ولجنة خدمة الأصدقاء الأميركيين، وبمشاركة رئيس لجنة الحوار الفلسطيني اللبناني الوزير السابق حسن منينمة، والوزير السابق وائل أبو فاعور، ونخبة من الباحثين والمستشارين وممثلي المنظمات الدولية غير الحكومية. وقد هدف المؤتمر إلى مناقشة عدة مواضيع أبرزها: سياسيات وإجراءات الأمن الإنساني ضمن إطار القوانين والإتفاقات الدولية، وأهمية الصمود في قضية النزوح المطول. بالإضافة إلى الحديث عن مسؤولية الفرقاء المعنيين الدوليين والإقليميين والوطنيين والمحليين في ضمان الأمن الإنساني للاجئين الفلسطينيين.

هناك حدود للصمود

تشرح الباحثة والمستشارة في مسألة الصمود ربيكا روبرتس عن العناصر التي تؤثر على صمود اللاجئين وذلك "من ناحية العقبات القانونية المرتبطة بالعمل في لبنان، وحرية التنقل والقيود المترتبة على السفر". وتعلل الأسباب بـ "فقدانهم لأوراقهم الثبوتية وعدم قدرتهم على تحمل الأعباء المالية التي تفرضها الحكومة لتجديد إقاماتهم، ما يجعلهم سجناء في المخيمات التي تشكل مخبأهم الحالي مخافة أن يتعرضوا للملاحقة". تقول روبرتس أنهم يعانون من عدة اضطرابات، أبرزها: "التوتر بينهم وبين الفلسطينيين في لبنان، عند مقارنة أوضاعهم الإجتماعية في سوريا مع أوضاع الفلسطينيين في لبنان". فالسلطات السورية كانت تتيح لهؤلاء الإندماج الاجتماعي مع مواطنيها من ناحية الخدمات التربوية والصحية وحق العمل والحماية القانونية والأمنية. وهي تلفت النظر إلى أنهم " يعانون اضطرابات في التكيف مع المجتمع، واضطرابات نفسية بسبب تشتتهم وافتراقهم عن عائلاتهم وأصدقائهم". كذا ويتعرض اللاجئون لشتى أنواع الإنتهاكات بحسب روبرتس، لا سيما من ناحية "عمالة الأطفال، واستخدامهم في الدعارة وبيع الأعضاء".  

 

الحماية والأمان: من المسؤول؟

على ضفة موازية، يشير المسؤول عن الحماية الميدانية في الأونروا ماثيو بناتي أن "89 بالمئة من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا يعانون من الفقر، و93 بالمئة منهم يعتمدون على مساعدات الأونروا كمصدر أساسي للدخل"، هذا بالإضافة الى "تخلف أكثر من 30 بالمئة منهم عن المدارس فضلاً عن معاناة 85 بالمئة من أمراض عقلية نتيجة الحرب". يشرح بناتي أن "الأونروا بالأساس أنشئت لتأمين العمل وتوفير الخدمات الأساسية للاجئين"، نافياً أن تكون الحماية من مسؤولية المنظمة. إنما وفي السنوات الأخيرة "أصبح في الأونروا دائرة حماية، وقد قامت بتنظيم بعض الأنشطة عن العنف الإجتماعي". كذا ويشدد بناتي على أنه "ليس هناك هيكلية أو رؤية واضحة لمسألة الحماية حتى الآن، إذ أن الحماية هي مهمة الدولة المضيفة".

من جهتها، تلفت المستشارة في مجال الأبحاث وسياسات الحماية من منظمة أوكسفام نور شواف إلى دراسة أجرتها المنظمة شارك فيها 1100 لاجئ، تهدف إلى إنتاج حلول منبثقة من آراء اللاجئين[2]. تقول شواف: "أن اللاجئون دائماً ما يتحدثون عن حياتهم السابقة في سوريا، ويتساءلون عن قدرة الفلسطينيين في لبنان على الصمود في وضعهم الحالي. كذا ويتحدثون عن الأمان والسلامة كأولوية، ويشعرون أنهم معتقلون في لبنان غير قادرين على التنقل لفقدانهم لأوراقهم الثبوتية، ولا يشعرون بالأمان في المخيمات بسبب انتشار الأسلحة والمخدرات، ويشعرون بأنهم خسروا كرامتهم بمواجهتهم للرفض الإجتماعي. كما أنهم قلقون إذ يرون أنه لا نهاية قريبة للأزمة وعودتهم الى سوريا غير آمنة".

في هذا السياق، تكلم كبير المستشارين حول الشرق الأوسط في منظمة المعونات المسيحية في المملكة المتحدة وإيرلندا وليام بيل عن جانبين أساسيين للقضية: الحماية القانونية والحماية السياسية وارتباطهما بشكل أساسي في برامج الإغاثة. يقول بيل: أنه "لا يوجد وكالة دولية خاصة لها الصلاحية المباشرة لمساعدة هذا المجتمع في مواجهة ما يعانيه من هشاشة"، معللاً ذلك بأن " وكالة الأونروا غير قادرة على ملء الفراغ وحدها". يشدد بيل على "أهمية الحماية القانونية في ظل النزاع السوري، خصوصاً في ظل عدم وجود أي حلّ مستدام للأزمة في فلسطين، إذ أن ذلك يمنع تأمين الحماية الشاملة للاجئين الفلسطينيين لا سيما وأن من المفترض أن تكون الحماية جزءاً من برنامج الإغاثة". ويشير بيل إلى أن "الفلسطينيين في سوريا يدفعون ثمن غياب الحل السياسي، فهم رهينة غياب التواصل بين العرب بالإضافة إلى تخلي المجتمع الدولي عن وضعهم على سلم أولوياته". وعليه رأى أن الحل الأنسب هو "إيجاد الحل السياسي للأزمة، فضلاً عن ضرورة التعاون بين وكالتي الأمم المتحدة UNRWA وUNHCR".

 

جيل جديد من مكتومي القيد

في سياق متصل، أكد رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني الوزير السابق حسن منينمة على أن اللجنة قاربت المسألة مع الجهات المعنية (سفارة فلسطين، ممثلي منظمات المجتمع المدني للاجئين القادمين من سوريا)، وتم التوصل الى أن اللاجئين الفلسطينيين من سوريا "لا يعاملون معاملة اللاجئين السوريين لجهة الحماية والأمن والإجراءات الواجبة في هذا المجال. وهو أمر فتح البحث مع الطرفين المعنيين وهما الدولة اللبنانية ووكالة الأونروا، باعتبار الأخيرة هي الجهة الأممية المسؤولة عنهم ويدخلون ضمن تفويضها في سوريا كدولة مضيفة، لا سيما وأن هؤلاء اللاجئين ما زالوا ضمن ولايتها والتي أرغمتهم الظروف على التحول من ساحة لجوء أولى إلى ساحة لجوء ثانية، وقد شددنا على حقهم في الحصول على الخدمات التي كانت تقدمها الوكالة لهم، أسوة بما يحصل عليه إخوانهم من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في منطقة عملها في لبنان". أما من ناحية الدولة اللبنانية، فقد اصطدمت اللجنة بمعرقلات جراء ما تعانيه إدارات الدولة من تعقيدات، بحسب منينمة، لافتاً النظر إلى أن "وزارة الداخلية ما تزال ترفض تسجيل الولادات والزيجات للاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا في سجلات خاصة بهم"، مع الإشارة الى أن "وزير الداخلية قد وافق على التعاميم التي تم الاتفاق عليها في لجنة الحوار، إلا أن إحدى الموظفات في وزارة الداخلية ما تزال ترفض التسجيل". الأمر الذي سيؤدي إلى "ولادة جيل جديد من فاقدي الأوراق الثبوتية جراء عدم تسجيلهم في سجلات الدولة اللبنانية". يسأل منينمة: "كيف تسمح الدولة اللبنانية بالوصول إلى هذا الوضع، وكيف سيتم اصطحابهم مع ذويهم إلى سوريا إذا ما قرروا ذلك، هل تخطط لبقائهم في لبنان من دون الإعتراف بوجودهم أم ماذا؟".

يطرح منينمة عدة إشكاليات مشيراً إلى غياب "الرؤية السياسية الموحدة للنظر في آليات التعاطي مع هذه الفئة"، وغياب القدرة على صياغة رؤية موحدة وخطاب جامع". ويعزو السبب إلى الخلافات السياسية الداخلية ولا سيما فيما يخص الموضوع الصراع السوري. يرى منينمة أن "استجابة المجتمع الدول للتحديات والأعباء التي يعانيها اللاجئون أولاً والدول المضيفة ثانياً، متواضعة ومحدودة الفاعلية"، مشيراً إلى أن لبنان "يتلقى العبء الأكبر من الآثار، مترافقة مع أشكال من الضغط السياسي أو المالي وحتى الدبلوماسي أو من خلال التقتير على موازنة الأونروا كمؤسسة دولية مسؤولة عن تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، حيث أن تقليص مساهمات هذه الدول في موازنتها يعد خير دليل".

بدوره، حذر الوزير السابق وائل أبو فاعور من مشكلة مكتومي القيد معتبراً أن "وزارة الداخلية امتنعت عن تسجيل الزيجات نظراً لهواجس الديمغرافية عند اللبنانيين"، سائلاً: "هل الحرص على الديمغرافية اللبنانية يعني أن ينشأ جيل فلسطيني مكتوم القيد؟، حيث سيأتي يوم ويطالب هؤلاء بالجنسية اللبنانية". وقد عزز أبو فاعور موقفه المناهض للهواجس الديمغرافية مشيراً إلى أن "السوريين في لبنان تحملوا جزءاً من العنصرية اللبنانية التي تجلت نتيجة الهواجس في عقول اللبنانيين تجاه الفلسطينيين"، أي أن الصدام نتيجة هذه الهواجس قد يتحول إلى "صدام بين اللبنانيين والسوريين على خلفيات اقتصادية، كما حصل الصدام في السابق بين اللبناني والفلسطيني إنما على خلفيات سياسية". يرى أبو فاعور أنه "لا حل سياسي قريب للأزمة السورية، وأن الحسم العسكري غير متوفر"، معتبراً أن "ليس جميع السوريين أو الفلسطينيين سيعودون إلى سوريا باعتبار أن ما يجري على الحدود السورية العراقية يشير إلى أن القضية ليست قضية شعب إنما القضية هي موقع سوريا". كذا ويشير الى أن "السوري الذي سيعود لن يجد سجلاته في الدوائر العقارية، بسبب تعرض السجل العقاري للحرق في حمص".

 

الأوضاع القانونية

يشير تقرير أعدته منظمة "دياكونيا السويدية" بالتعاون مع جمعية "النجدة الاجتماعية" في لبنان[3]، أنه "في العام 2014 وضعت وزارة الداخلية معايير جديدة لتنظيم دخول اللاجئين الفلسطينيين من سوريا الى لبنان[4]. فتم منع دخول الفلسطينيين إلا في حالات محددة مثل "وجود كفيل لبناني، حيازة تأشيرات وتذاكر سفر تثبت التوجه إلى بلد ثالث، وجود سبب وجيه مثل موعد مع سفارة (سمة مرور لمدة 24 ساعة)". واللافت أنه تم توقيف منح تأشيرة الدخول للفلسطينيين على الحدود حتى لو كان بحوزتهم إذن عودة، عدا عن توقف تمديد التأشيرة التلقائية الممنوحة والممددة سابقاً. وبحسب التقرير، فقد واجه اللاجئون صعوبات في تجديد إقاماتهم نظراً للرسوم المالية الباهظة (300 ألف ليرة لبنانية)[5].

المعايير التي تتبعها المديرية العامة للأمن العام لتسوية أوضاع اللاجئين تختلف من فترة إلى أخرى، إذ أنه في العام 2015 دعت المديرية اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا كي يتقدموا من مراكز الأمن العام لتسوية أوضاعهم مجاناً. أما في العام 2016، صدر قرار يلزم المتقدمين بتجديد إقاماتهم بدفع مبلغ 300 ألف ليرة لبنانية، دون الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الإقتصادية المتردية. عدا عن رفض الأمن تجديد الإقامات لمن دخلوا الى لبنان بعد العام 2016، والتجديد فقط لمن دخلوا الأراضي اللبنانية بين العامين 2012 و2014. أما من دخلوا خلسة، فقد كان وما زال يصدر الأمر بالترحيل دون أن ينفذ، وقد صدر عام 2016 قرار قضى بتسوية أوضاعهم ولكن بشرط دفع مبلغ 600 ألف ليرة لبنانية ومغادرة الأراضي اللبنانية خلال خمسة أيام.

يوضح التقرير "أن إجراءات الأمن العام انعكست سلباً على حياة اللاجئين الفلسطينيين. فتمثلت النتائج بوقوع آلاف الأشخاص تحت الملاحقة القانونية، واستحالة تسجيل عقود الزواج والولادات والطلاق وتثبيت الوفيات نظراً لعدم قدرتهم على تجديد إقاماتهم. هذا وقد واجهوا تفاوتاً بالمعاملة بين مركز وآخر من مراكز الأمن العام، إن لجهة الوثائق المطلوبة أو لجهة الرسوم ومدة تجديد الإقامة، ما دفع العديد من اللاجئين إلى الهروب خلسة من لبنان عبر البحر وتعريض حياتهم للخطر. فضلا عن تشتت العائلات بين لبنان وسوريا، إذ علق الكثير في سوريا ولم يتمكنوا من الإلتحاق بذويهم بسبب منع الدخول إلا بشروط صعبة".

 


[1]  اللاجئون الفلسطينيون من سوريا الى لبنان، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى UNRWA، https://goo.gl/3c56Gp.

[2]  We are not there yet, voices of refugees from Syria in Lebanon, سيتم نشر هذه الدراسة في 30 أيار 2017، منظمة أوكسفام، https://goo.gl/gjXg95.

[3]  اللاجئون الفلسطينيون من سوريا الى لبنان… حماية مفقودة الوضع القانوني، ضمن مشروع “تعزيز استراتيجيات حماية اللاجئين الفلسطينيين من سوريا الى لبنان"، منظمة دياكونيا السويدية – جمعية النجدة الاجتماعية في لبنان.

[4]  تصريح وزير الداخلية والبلديات، موقع النشرة، 8-5-2014.

[5]  تشير الأرقام الى أن 76.3 بالمئة من الفلسطينيين الذين قدموا من سوريا الى لبنان غير قادرين على دفع رسوم تجديد الإقامة، دياكونيا – النجدة الاجتماعية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية