الغرافيتي أمام محكمة قابس: غزوة فنية مستحبة أم طغيان للشعارات السياسية؟


2013-04-26    |   

الغرافيتي أمام محكمة قابس: غزوة فنية مستحبة أم طغيان للشعارات السياسية؟

المحاكمة الجزائية لشابين تونسيين أمام المحكمة الابتدائية بقابس – احدى مدن الجنوب الشرقي التونسي- على خلفية تهم تستند لكتابات جدارية نسبت اليهما طرحت السؤال حول مدى قانونية "الغرافيتي" وأبعاده الاجتماعية.
استعمل الناشطون السياسيون التونسيون الكتابات الجدارية في نضالاتهم ضد السلطة الاستبدادية فكانوا في إطار إثباتهم لقدرتهم على التحرك الميداني يتولون رفع شعاراتهم السياسية بكتابات على واجهات المحلات العامة ليلا لتبادر السلطة صباحا الى إعادة طلاء ما كتبوا بشكل متسرع يسمح بملاحظتها لاحقا. واثر الثورة، عرفت "الغرافيتي" في تونس طفرة نوعية فبرزت الصور الحائطية التي تجمع بين الجمالية الفنية والتعبيرة السياسية والاجتماعية. وساهمت أعمال فناني الشوارع الذين كانوا في غالبيتهم من الشباب الطلابي في تزيين الجسور بمفترقات الطرق وسط المدن الكبرى لتجعل منها لوحات فنية تذكر كل من يشاهدها أنه في بلد يعرف حراكا ثوريا يؤطره حس اجتماعي ذو بعد حضاري. 
أثرت السياسة سريعا على جمالية الصورة في إطار العلاقة بين فن الشارع وشارع الثورة اذ برزت الكتابات التي لا تحمل أي بعد جمالي وتكتفي برفع شعارات حزبية وسياسية. وبموازة ذلك، استعادت مؤسسات الدولة عافيتها سنتين بعد الثورة فأبدت تبرمها ازاء "الغرافيتي" بحجة أنه يفسد عمل مؤسساتها في الحفاظ على جمالية البناءات العامة.
الأزمة الصامتة ترجمتها السلطة فعليا يوم بادرت بإعادة طلاء جدران ساحة الحكومة بالقصبة لتخلصها من كتابات ولوحات معتصمي القصبة 1- و2 رغم أن تلك الكتابات وتلك الاعتصامات كانت من الصفحات الرئيسية للثورة التونسية وجمال الطلاء الأبيض الجديد لا يوازي بأي شكل من الأشكال أهميتها كصفحة من صفحات تاريخ الثورة التونسية. فقدت محاولة إقصاء الغرافيتي من المشهد الجمالي للشارع يوم 03-11-2012 طابعها الصامت بعدما تولت قوات الأمن بقابس القبض على شابين كانا بصدد الكتابة على الجدران واحالتهما للنيابة العامة التي ادعت عليهما أمام المحكمة الجزائية.
أعادت جلسات المحاكمة التي استمرت لغاية يوم 10-4-2013 السؤال حول علاقة "الغرافتي" بالسياسة والقانون فقد كانت لائحة الاتهام التي نسبت للشابين تهمة نشر أخبار زائفة من شأنها أن تضر بالصفو العام المحرك الأساسي لإثارة السؤال حول جواز محاكمة فناني الغرافيتي من أجل آرائهم فيما كانت تهمة الأضرار بملك الغير ومفادها أن الكتابات الجدارية تضر بحقوق مالكي الجدران، مدعاة لطرح السؤال حول علاقة هذه التعبيرات الفنية بمجال الممنوع.
يبدو ارتباط "الغرافيتي" بالسياسي بديهيا على اعتبار أن فناني الغرافتي يسعون الى الشارع أي الى مجال الاهتمام بالشأن العام دون أن تكون لهم أي غاية ربحية، الا أن حجم الخطاب السياسي المباشر يشهد كؤخرا تقدما ملحوظا في هذه الجداريات بعدما سعت الأحزاب السياسية الى استثمار هذا الفن في التعريف بنفسها واثبات تواجدها الفعلي في الساحة العامة. ومن هذا المنطلق، يدفع سعي السياسي الى الاستحواذ بشكل فذ على المساحات الجدارية الى بروز مغالطة مفهومية بين الظاهرة الفنية والدعاية الحزبية بحيث يتراجع مجال الابداع بما هو بحث فني هادف والتزام بقيم الصورة لصالح الكتابات التي تبدو أقل التزاما بالجمالي وأكثر التزاما بالشعار السياسي.
والواقع أن الاستغلال السياسي للغرافيتي يؤدي في حال توصل الى نزع طابعه الفني الى خلق ضجر عام من فن الشوارع على اعتبار أن القيمة الجمالية كانت في المنطلق من أسباب الترحيب العام بالظاهرة فيما أن الاستعمال الفوضوي للكتابات الجدارية في الدعاية الحزبية يشكل خرقا صارخا لقواعد اللعبة الديموقراطية خصوصا في فترات الحملات الانتخابية.
انتهت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بقابس في حكمها الصادر في 10-4-2013 للتصريح بعدم سماع الدعوى في حق المتهمين في تهمة نشر أخبار زائفة بعما تبين لها أن عملهما كان يهدف بالأساس للتعبير بشكل فني عن شاغل اجتماعي وسياسي دون أن يكون مندرجا في اطار التجاذب السياسي ذي البعد الدعائي.
وانتصار القضاء لحرية التعبير الفني الابداعي مع الاقرار بحق فنان الغرافيتي بالتعبير الحر عن تصوره للشأن العام يعد تكريسا قضائيا لحرية التعبير، غير أن ذلك لا يجب أن يؤدي الى اعتبار كل كتابة جدارية سياسية دعائية تندرج ضمن هذه الخانة حماية لفن الغرافيتي ولقواعد الصراع السياسي الديموقراطي.
ويتعين على الجهات التشريعية اليوم التدخل لتنظيم أشكال الانحراف التي تعرفها الدعاية الحزبية والسياسية بشكل يحقق المزاوجة بين حرية الابداع الفني وحماية مجال هذا الابداع المكاني من التدخل الطفيلي للدعاية السياسية. الا أن هذا التدخل يبدو مستعصيا على اعتبار أن الرسم الجداري لا يزال يحتل فضاء الممنوع بما قد لا يسمح بالتشريع ضمنه.
احتلال الغرافيتي للفضاء المحرم بعدما كان ولد في عالم المقدس أكدته محكمة قابس بعدما قضت بادانة فناني الغرافتي بخطية مالية من أجل الاضرار عمدا بملك الغير. اعتبرت المحكمة أن تعمد المتهمين استغلال جدران مباني الغير ولو كان الغير الدولة في أعمالهما الفنية اعتداء على حق المالكين واضرار بمتاعهم. ويبدو الموقف مؤسسا قانونا على اعتبار أن حماية القانون لتفرد المالك باستغلال ملكه غير أن الجمالية الابداعية لأعمال الغرافيتي وعمق التاثيرات الاجتماعية لهذا الفن الذي يلتحم في منطلقه ومنتهاه بالمجتمع يستدعي من السلط العامة وخصوصا من تلك التي ترعى المسائل الثقافية البحث عن بدائل تسمح بنقل هذا الفن من مجال الممنوع الى فضاء الاحتفالية العامة بالثقافة. وقد يكون في فتح الفضاءات العامة لفناني الغرافيتي وتشجيع ممارستهم للرسوم الجدارية بــأماكن تخصص لهم ويتم حثهم على المساهمة في تأثيثها في اطارات تظاهرات فنية تتميز بالاستمرارية من السبل التي يجب اتباعها لتحقيق المصالحة بين فن الشارع والشارع. يصعب تصور هيكلة شاملة تنهي الممنوع في الغرافيتي لكون عشاق هذا الفن يستهويهم عادة سلوك الطرق الممنوعة ويثورون على الجمود غير أن ايجاد فضاءات حرة تسمح بالابداع الحر ولو كان ممنوعا رسالة هامة في اتجاه حرية التعبير. تلك الحرية التي تناسب روح مجتمع حرم منها طويلا قبل أن ينالها ويخشى الآن الردة عنها.
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، حراكات اجتماعية ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية