الشريعة الإسلامية ودستور ليبيا المُرتقب


2013-11-07    |   

الشريعة الإسلامية ودستور ليبيا المُرتقب

تؤكد استطلاعات الرأي العلمية[1] وقوف الغالبية الساحقة من الليبيين مع دسترة الشريعة الإسلامية في العقد الاجتماعي المُنتظر إبرامه وفق الجدول الزمني المعتمد في خارطة الطريق، وهم يركزون -في مجملهم -على عبارة "الإسلام دين الدولة"[2] بدون تفاصيل أخرى، علما أن هذه العبارة لا تكفي لتحديد علاقة الدين بالدولة. ومن المتفق عليه في فقه القانون الدستوري أن للدساتير مدلولات وظيفية (تسوية الصراعات) وقانونية (بيان السلطات الحاكمة) وأيدولوجية أو فقهية (يسير عليه النظام السياسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي في الدولة)، ويجب أن تعبّر هذه الأيديولوجية أو هذا الفقه عن الإرادة العامة للشعب، على نحو يضمن وحدته، ويحقق طموحاته وحاجاته، ويحدد أهداف العمل السياسي والقانوني وغيره. ولذلك، فإن العبارة السابقة (الإسلام دين الدولة) لا تؤدي هذا الغرض؛ فهي لا تحدد -بشكل واضح- علاقة الدين بالنظام السياسي أو القانوني أو الاقتصادي، مما يؤدي إلى حصر الدين عمليا في النظام الاجتماعي. وخير شاهد على ذلك أن الشريعة الإسلامية لم تكن مصدرا وحيدا للتشريع، بل ولا مصدرا رئيسا له زمن المملكة الليبية على الرغم من اعتماد دستورها لهذه العبارة، وكان من نتائج ذلك أن المشرع الليبي آنذاك سن قوانين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، مثل إباحة التعامل بالربا بين الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين.

إلا أن ثمة موضوعا بالغ الأهمية يطرح نفسه في هذا الصدد، ويحتاج للتوضيح، وهو ذو شقين: الأول يتمثل في عدم وضوح الرؤية العامة لليبيين بشأن العبارات التي ينبغي أن تستخدم في الدستور لتحديد علاقة الشريعة الإسلامية بالمصادر الأخرى، وأيّها هو الأصلح للمجتمع الليبي؛ فهل الأصلح استخدام عبارة "الشريعة الإسلامية مصدر وحيد للتشريع؟"، أم عبارة "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع؟" أم عبارة "الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع" (بدون أداة التعريف أل)؟ والشق الثاني هو الإجابة على تساؤلات البعض حول مدى إمكانية مواكبة الشريعة الإسلامية لمتطلبات الحياة العصرية[3]؛ ويكون ذلك ببيان الفرق بين كون الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع وبين كونها مصدرا للأحكام.

الإجابة على كل هذه التساؤلات وغيرها هي موضوع الإشكالية القانونية التي تعالجها هذه الورقة, وسيكون الحديث على النحو التالي:

أولا/ تحديد مفهوم العبارات المستخدمة لتحديد العلاقة بين المصادر:
لكون هذا الموضوع بالغ الأهمية، فإن الأمر يقتضي (قدر الإمكان) استخدام أسلوب مبسط ليكون فهمه متاحا للجميع، وبناء على ذلك وجب التمييز – بداية – بين مصطلح "وحيد" من جهة، وبين مصطلحي "الرئيس" و "رئيس" من جهة أخرى.

وعلى ذلك، ففي حالة استخدام عبارة "الشريعة الإسلامية مصدر وحيد للتشريع واعتبار ما يخالفها باطلا" فإن العلاقة بين الشريعة الإسلامية وغيرها من المصادر الأخرى كالقانون المقارن[4] أو الأعراف أو مبادئ القانون الطبيعي أو قواعد العدالة هي علاقة غير متوازية أو غير متساوية. فاعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع يعني أنها المصدر الأول والأخير، ولا يتساوى معها أي مصدر من أي نوع كان. لكن هذا لا يعني منع المشرع من الاستعانة بمصادر أخرى عند معالجته لمسائل (عصرية) لا وجود لحكم لها في الكتاب أو السنة أو في الإجماع؛ إذ القيد الوحيد المُلزم للمشرع – لو وقعت مثل هذه الحالة – هو مراعاة روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها عند سن التشريعات, وفق ما تمليه أحكام الشرع الحنيف، ثم المصلحة العامة وضرورات الحياة المعاصرة, على نحو ما سيتم بيانه لاحقا، عند التعرض لبيان الفرق بين كون الشريعة مصدرا للتشريع  وبين كونها مصدرا للأحكام.

أما في حالة استخدام عبارة مشتملة على أحد المصطلحين الآخرين: "رئيس" أو "الرئيس" فمقتضى ذلك – بشكل عام – أن علاقة الشريعة الإسلامية بالمصادر الأخرى هي علاقة متوازية إن لم نقل متساوية, والنتيجة القانونية المترتبة على هذا القول هي: أن التشريعات الوضعية التي يضعها المشرع كما تكون مستمدة من الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون مستمدة أيضا من المصادر الأخرى كالقانون المقارن والأعراف وغيرها، ولو خالفت أحكام هذه المصادر أحكام الشريعة الاسلامية. وهذا الأمر ينطبق على استخدام أي من المصطلحين، غاية ما هنالك أن مصطلح "الرئيس" يجعل من الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع الذي يعلو المصادر الأخرى، وبالتالي يجعل ما عداها مصدرا ثانويا بالضرورة[5]؛ لكنه – في الوقت ذاته – لا يستغرقها بالكلية ولو كانت متعارضة معه. ومقتضى هذا, أن المشرع – إن لم يجد حكما في الشريعة الإسلامية لمسألة (عصرية) ما – يمكنه الرجوع إلى المصادر الثانوية الأخرى دون مراعاة القيد المشار إليه أعلاه (عند الحديث عن مصطلح الشريعة مصدرا وحيدا)، المتمثل في مراعاة روح الشريعة ومقاصدها؛ فاعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع لا يستغرق – كما سلف ذكره – المصادر الأخرى, ولكنه يجعل من الشريعة الإسلامية تتقدم هذه المصادر وتعلو عليها فقط. وعلى الرغم من ذلك يعلل من يفضلون استعمال هذا المصطلح اختيارهم له بالقول بأن الحاجة ومتطلبات الحياة العصرية قد تدعو للأخذ بمصادر أخرى ولو كانت مخالفة لأحكام الشرع الحنيف، كالقوانين الغربية أو القوانين الدولية أو الأعراف أو غيرها.

أما استخدام مصطلح "رئيس بدون أداة التعريف أل" فيقضي بأن الشريعة الإسلامية هي أحد المصادر من بين مصادر رئيسية أخرى للتشريع, وهو ما يفيد عدم التزام المشرع الوضعي بالتقيّد بمصدر بذاته, بل تطلق يداه في سن ما يراه ملائما من تشريعات في ضوء الظروف المحيطة؛ فالشريعة الإسلامية لا تتقدم المصادر الأخرى ولا تعلو عليها, وكل عالم باللغة يدرك الفرق بين الحاق أداة التعريف بالمصطلح من عدمها.

ثانيا/ الفرق بين كون الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع وكونها مصدرا للأحكام:
يتحدد الفرق بين العبارتين التاليتين: "الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع" و"الشريعة الإسلامية مصدر للأحكام" في كون أن الخطاب في الأولى موّجه إلى المشرع في حين أنه في الثانية موّجه للقاضي. ولذلك غالبا ما يأتي ذكر الأولى في الدساتير بينما يكون ذكر الثانية في القوانين العادية كما هو حال المادة الأولى من القانون المدني الليبي التي حددت الشريعة الإسلامية كمصدر ثانٍ للقانون الواجب التطبيق أمام القاضي الليبي للحكم في القضايا المعروضة أمامه، وهو ما أكدته صراحة المحكمة العليا الليبية[6] في الطعن المدني رقم 3/36 بتاريخ 2/12/1990 لحل التعارض الذي حصل بين نص المادة الأولى من القانون المدني المشار إليها، وبين ما ورد في وثيقة 2 مارس 1977 بشأن اعتبار القرآن الكريم شريعة المجتمع الليبي.

وعلى ذلك، فإن النص على كون الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع يكون في الدساتير، ويكون الخطاب عندئذ موجها للمشرع وليس للقاضي أو لرجل الشرطة أو للوزير, بمعنى أن تطبيق هذا النص ينحصر فقط في الحاجة إلى سن تشريع جديد؛ إذ يجب على السلطة التشريعية حينئذ أن تستمد أحكام التشريع من الشريعة الإسلامية مباشرة, وليس المقصود من الخطاب أن القاضي وغيره – ممن ذكر أعلاه – سيلجأ مباشرة إلى تطبيق الأحكام الثابتة بنصوص الكتاب والسنة أو الثابتة بالإجماع, فهؤلاء يقتصر دورهم فقط على تطبيق وتنفيذ التشريعات بعد صدروها من المشرع مطابقة لأحكام الشرع الحنيف.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مسألة النص على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع في الدساتير، سواء أكانت مصدرا وحيدا أو رئيسا يثير مسألة تفسير المصطلح، فهل المقصود بالشريعة الإسلامية المبادئ أو الأحكام أو الاثنان معا؟ وهل يشمل المبادئ والأحكام الواردة في جميع المذاهب؟ أم هي وقف على مذهب معين بذاته؟ هذه التساؤلات وغيرها دفعت بالمصريين[7] إلى وضع مادة مُفسرة في الدستور الجديد (دستور 2012  قبل تعليق العمل به) هي المادة 219 لتفسير ما جاء في المادة 2 القاضية بأن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع"؛ فقد ورد في المادة 219 ما يلي: ""الشريعة الاسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة"، ومرد وضع هذه المادة المفسرة هو رفض البعض اجتهاد المحكمة الدستورية المصرية العليا[8] بتفسير مبادئ الشريعة الاسلامية على أنها الأحكام القطعية في الثبوت والدلالة فقط، وهو ما يعني استبعاد معظم أحكام الشريعة، وأن باب الاجتهاد مقفول أمام المشرع الوضعي في هذه الأحكام فقط، أما فيما عدا ذلك فهو مفتوح على مصراعيه،الأمر الذي سيسمح باستقاء الأحكام الشرعية لسن التشريعات من أي مذهب ولو كان مخالفا لما عليه أهل السنة والجماعة، وبمعنى آخر إن باب الاجتهاد للمشرع فيما عدا الأحكام القطعية في الثبوت والدلالة مفتوح بدون تفضيل لرأي فقه أو مذهب عن أخر[9].

لا شك أن تفسير المحكمة الدستورية المصرية السابق من شأنه أن يسمح بسن تشريعات تستند إلى آراء فقهية خلافية، بل يساعد على الأخذ بأضعف الآراء الفقهية؛ بحجة ملاءمتها للأوضاع المعاصرة المتغيرة، ولو كانت مخالفة لأقوال فقهية أخرى قوية، واستقر العمل بها زمنا طويلا. ولتأكيد هذا القول نجد أن المشرع المصري قد سن العديد من الأحكام ذات الصلة بالأحوال الشخصية وفقا للمذهب الجعفري، ولآراء فقهية غير مذهبية، كما هو الحال بالنسبة للوصية الواجبة والخلع[10].

والحال نفسه نجده في اليمن؛ حيث كان دستورها قبل الثورة على الرئيس على صالح يقضي بأن "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع" دون وضع مادة مُفسّرة لمصطلح الشريعة الإسلامية, الأمر الذي حدا بالمشرع اليمني إلى سلك الطريق الذي اعتمدته المحكمة الدستورية المصرية في تفسير مصطلح الشريعة الإسلامية؛ ويتضح ذلك جليا في النص الذي اعتُمِد عند سن المادة 48 من قانون العقوبات اليمني، فقد استند المشرع اليمني على حكم فقهي مأخوذ من اجتهادات المذهب الزيدي حول إسقاط الحدود[11]؛ إذ تنص هذه المادة على الآتي: "لرئيس الجمهورية أن يأمر بتأخير إقامة الحد، كما له أن يأمر بإسقاطه متى اقتضت المصلحة ذلك، وذلك فيما لا يتعلق بحق الآدمي"[12]. وتبعا لذلك يرى البعض ضرورة اضافة مادة مفسرة لمصطلح الشريعة الإسلامية، لتقيد المشرع باختيار المرجع الأنسب عند سن التشريع، بحيث يتسنى له -حال عدم توفر حكم لمسألة عصرية ما في الكتاب أو السنة الصحيحة المتواترة – أن يقتبس الأحكام من المصادر الأخرى في إطار مراعاة روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها، ووفق المصلحة العامة وضرورات الحياة المعاصرة. الأمر الذي لا يمنع من اقتباس قانون للمرور مثلا أو للجراحة الطبية أو متعلق باستخدام الفضاء من قوانين دول غربية في إطار روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

وأما كون الشريعة الإسلامية مصدرا للأحكام[13] وهو نص المادة 1 من القانون المدني الليبي الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 1951، القاضية بأن: "1- تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو فحواها. 2- فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية[14]، فإن لم توجد فبمقتضى العرف, فإن لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة". فإن مقتضى ذلك هو أن الشريعة الإسلامية مصدر احتياطي بالنسبة للأحكام؛ فالقاضي الليبي (وغيره من رجال الهيئات القضائية والتنفيذية) عند نظره لقضية ما لن يلجأ إلى الكتاب والسنة والإجماع وغيرها من المصادر, إلا بعد خلو المصدر الرئيس للأحكام والمتمثل في التشريع من أي نص للمسألة, هذا المصدر الذي يُفترض (مُسبقاً) مطابقة أحكامه لأحكام الشريعة الإسلامية؛ على اعتبار أن الدستور يقضي باعتبارها مصدرا للتشريع, وإذا كان البعض يعترض على ذلك بالقول: بأن السماح للقاضي باللجوء إلى الشريعة كمصدر لحكمه يترتب عليه اختلاف الحكم من قاض الى آخر على حسب فهمه وتفسيره للشريعة الإسلامية أو لاختياره لمذهب دون آخر[15], فإنه يمكن الرد بأن المشرع الليبي حسم المسألة بالقانون رقم 51 لسنة 1976؛ فقد قضت المادة 159 من هذا القانون بما يلي: "مع مراعاة ما تنص عليه القوانين من أحكام شرعية خاصة وإلى أن يصدر قانون الأحوال الشخصية تطبق المحاكم الشريعة الإسلامية طبقا للمشهور من مذهب الإمام مالك في مسائل الأحوال الشخصية والمسائل المتعلقة بأصل الوقف". وبصدور القانون رقم 10 لسنة 1984 قضت المادة 72 منه أنه: "إذا لم يوجد نص يمكن تطبيقه فيحكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون"،وعليه فإنه فيما عدا ما يتعلق بالزواج والطلاق وآثارهما، مثل المواريث والوقف يستمر حكم المادة 159 من القانون رقم 51 لسنة 1976.

الخلاصة هي: إن نص الدساتير على اعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا للتشريع (مصدرا وحيدا كان أم رئيسا بأداة التعريف أو بدونها – مع مراعاة الفرق بين كلٍ منها) ليس واجب الإعمال بذاته، إنما هى دعوة للسلطة التشريعية كى تتخذ الشريعة الاسلامية مصدرا عند سن التشريعات، بحيث يعد باطلا وغير دستوري كل تشريع مخالف لها، ومن ثم فإن أحكام الشريعة الإسلامية لا تكون واجبة التطبيق مباشرة من قبل السلطة القضائية أو التنفيذية إلا بعد أن تقوم السلطة التشريعية بتفريغ أحكامها في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها الى مجال العمل والتنفيذ.



[1]من ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – النتائج الاحصائية للاستبيان عن بعض الخيارات الدستورية لدولة ليبيا الحرة، الذي قامت به هيئة الدعم والمشورة في الأعوام 2011 و2012 و2013, ويوجد له عدة إصدارات منشورة, وكذلك الاستبيان الذي أجرته جامعة بنغازي.
[2]وهو نص المادة 5 من دستور ليبيا 1951م.
[3]يقول البعض بأنه مع تطبيق الشريعة الإسلامية إلا أنه يرى بأن هناك مسائل عصرية لا حكم لها في الشريعة مثل قانون المرور, علاوة على أن إقرار الشريعة كمصدر للتشريع, يتطلب  – بنظرهم – من رجال القضاء والنيابة ورجال الشرطة اللجوء إلى القرآن والسنة وغيرها من مصادر الشريعة لتطبيق الحكم, وهي مسألة فقهية فنية دقيقة لا تتوفر بالنسبة لغالبيتهم. وعليه, فإن الرد على هؤلاء يتطلب بيان الفرق بين كون الشريعة مصدر للتشريع وبين كونها مصدر للأحكام.
[4]يقصد بالقانون المقارن، القانون الدولي أو القوانين الداخلية للدول الأخرى غربية كانت أم شرقية.
[5]المصادر الثانوية ستكون في هذه الحالة القوانين المقارنة والأعراف السائدة ومبادئ العدالة والإنصاف واجتهادات فقهاء القانون وأحكام القضاء, وهذه المصادر على اختلافها تتفق فيما بينها في أنها تزود المشرع الوضعي بجزء كبير من المادة التي يصوغ منها في قواعده الوضعية عند سن التشريعات. والأصل أن المصادر الثانوية إذا تزاحمت وتعارضت, فإنها لا تفاضل فيما بينها, فهي في مجموعها سواء من حيث أنها تقدم للمشرع فروضا لما ينبغي أن يكون عليه الحكم, ومناط التفضيل بينها هو إرادة المشرع وحدها, فهو الذي يقدم مصدرا من المصادر الثانوية ويؤخر أخر, وهذا عادة ما لا يجري بنفس الوثيرة, بل يقدم المشرع ويؤخر حسب ما تقضيه المصلحة العامة وظروف كل حالة على حده.
[6]انظر حكم المحكمة العليا في الطعن المدني 3/36 بتاريخ 2/12/1990م, مجلة المحكمة, السنة 25, عدد 2, ص 139.
[7]أدخلت الشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع المصري لأول مرة في دستور عام 1971، وذلك بحثا من الرئيس السادات عن شرعية تميزه عن شرعية نظام يوليو (عبد الناصر) وذلك من خلال اضفاء طابع ديني على الدولة، فنص الدستور أن " مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، ثم تم تعديل الدستور عام 1980 لتصبح "مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" وذلك لتمرير تعديل آخر هو تعديل المادة 77 من الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى
ولأول مرة في عام  2012 يدخل المشرع الدستوري مادة مفسرة لمبادئ الشريعة الاسلامية هى المادة 219 التي نصت "الشريعة الاسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة.
ونشير هنا أنه خلال صياغة الدستور، اختلف أعضاء الجمعية التأسيسية حول المادة الثانية. فقد طالب السلفيون بحذف كلمة مبادئ منها بحيث تصبح الشريعة الاسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع أو استبدالها بكلمة "أحكام، وهوما لاقى اعتراضا من الأحزاب المدنية وحزب الحرية والعدالة والكنائس المصرية. وبناء عليه، تم الاتفاق على إبقاء المادة كما كانت في دستور ما قبل الثورة مع اضافة مادة مفسرة لعبارة "مبادئ الشريعة الإسلامية."  ومرد تمسك الدعوة السلفية والأحزاب التي تمثلها بتعديل المادة الثانية من الدستور هو رفضهم لاجتهاد المحكمة الدستورية العليا بتفسير مبادئ الشريعة الاسلامية على أنها الأحكام القطعية في الثبوت والدلالة فقط، وهو ما يعني استبعاد معظم أحكام الشريعة. لمزيد التفصيل, أنظر, عمر, منه: مبادئ الشريعة في المادة 2 من الدستور المصري, صراع بشأن تفسيرها سعيا لإغلاق أبواب الاجتهاد, المفكرة القانونية بتاريخ 28 أغسطس 2013, على الموقع الإلكتروني
[8]عمدت المحكمة الدستورية الى تضييق تفسير المادة 2 من الدستور، فوضعت قواعد عامة منها الاعتماد فقط على الأحكام الشرعية في ثبوتها ودلالتها وتشجيع المشرع على الاجتهاد وعدم تقديس رأى فقه أو مذهب بعينه, انظر: حكم المحكمة الدستورية بتاريخ 15 مايو 1993, نقلا عن منه عمر, المرجع السابق.
[9]بل ذهبت المحكمة الدستورية في مصر إلى أبعد من ذلك بأن رفضت تطبيق المادة الثانية من الدستور على كل المنظومة التشريعية، برفض الطعون المقدمة على قوانين صدرت قبل عام 1971 بحجة تعارضها مع الشريعة الاسلامية واستقرت على أن المادة تطبق فقط على التشريعات التي صدرت بعد هذا التاريخ, لمزيد التفصيل, أنظر: حكم المحكمة الدستورية المصرية بتاريخ 8 مايو 1985, نقلا عن منه عمر, المرجع السابق.
[11]لمزيد التفصيل انظر، مجلي, حسن علي: نعم الشريعة الإسلامية (المصدر الرئيس), جريدة الوسط بتاريخ 30/7/ 2013.
[12]بناء على هذا النص كان على عبد الله صالح يلغي أي حكم قضائي بالرجم أو قطع الأيدي والأرجل ويعيده إلى المحكمة التي أصدرته لتحكم بالحبس بدلا من الحد. انظر، مجلي: المرجع السابق.
[13]لمزيد التفصيل، انظر، اعبودة, الكوني علي, أساسيات القانون الوضعي الليبي, المدخل إلى القانون, 1, المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية, الطبعة 2, 1992, ص 220 وما بعدها.
[14]قام المشرع الليبي بتقديم الشريعة الإسلامية على العرف بخلاف المشرع المصري الذي قدم العرف على الشريعة الإسلامية في المادة 2 من القانون المدني المصري الصادر بتاريخ 16 يوليو 1948م.
[15]Religions Constitutionalism in Egypts: A case study. Mohmad Abdelaal, نقلا عن منه عمر, المرجع السابق.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مجلة لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات ، ليبيا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية