الاقتراع على الأفراد: الأولوية للزبائنية والعروشيّة

الاقتراع على الأفراد: الأولوية للزبائنية والعروشيّة

أصدرت المفكرة القانونية في شهر جويلية المنقضي ورقة بحثيّة حول مشروع البناء القاعدي بعنوان “الرئيس يريد: تناقضات نظام البناء القاعدي ومخاطره”، في شكل كتيّب متوفّر بنسخة مطبوعة ونسخة إلكترونية. وقد رأينا من المفيد أن ننشر على موقعنا الأقسام الرئيسية التي تتألّف منها هذه الدراسة تباعا تسهيلا للبحث على شبكة الإنترنت.

ننشر هنا الجزء الثاني من الباب الثاني من الدراسة، المتعلّق بنظام الاقتراع، والذي ناقشنا فيه أبرز مخاطره، في مجتمعات لم تبن بعد منظومة وتقاليد سياسيّة راسخة، وهي إضعاف البعد السياسي للعمليّة الانتخابيّة لصالح العلاقات الزبائنيّة والعائليّة والعشائريّة، وإفساد الحياة السياسيّة باسم تطهيرها.

 يجدر لفت انتباه القارئ إلى أنّ كتابة الدراسة انتهت في الفترة الفاصلة بين نشر مشروع الدستور، في 30 جوان 2022، ونشر نسخة معدّلة عنه في 8 جويلية. وعلى الرغم من تراجع سعيّد في النسخة الثانية عن حذف شرط الانتخاب المباشر لمجلس نواب الشعب، فإنّ ذلك لم يمنعه من تنزيل أفكار مشروع البناء القاعدي تدريجيّا. وقد حصل ذلك ليس فقط عبر إنشاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم (الذي سينتخب بشكل غير مباشر) واعتماد سحب الوكالة من النواب، ولكن أيضا عبر اعتماد نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى وإلغاء دور الأحزاب السياسيّة في انتخابات مجلس نواب الشعب واشتراط التزكيات. وكلها أمور تم تكريسها في القانون الانتخابي كما في كيفية تطبيقه من قبل هيئة الانتخابات، على الرغم من بعض التنازلات كما في تقسيم الدوائر أو تعديل بعض تفاصيل شرط التزكيات (المحرّر).

منذ أن طُرحت فكرة الاقتراع على الأفراد في ربيع 2011، كانت الحجّة الأبرز لدى معارضيها هي خطر إذكاء النعرات العروشيّة والرّوابط الزبائنية والرّشاوى الانتخابيّة، الذي يكبر كلّما كانت الدوائر صغيرة، وكلّما انحصرت المنافسة بين أفراد. فالاقتراع على الأفراد يُخرج إلى المنافسة السياسيّة أسوأ ما في المجتمع التونسي[1]، في حين أنّنا في حاجة إلى التأسيس لعادات انتخابية وسياسية مدنيّة مبنيّة على القناعات. كانت إجابة الخبير قيس سعيّد حينها، أنّ النزعات القبلية حاضرة لا محالة مهما كان نظام الاقتراع، وأنّ الدوائر الصغرى تكون مراقبتها أسهل، بشكل يمكّن من فضح الرشاوي الانتخابيّة والفساد.

فلنبدأ أوّلا بالمسألة العروشيّة. لسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ الانتماء القبلي لا يزال مؤثرا في بعض المناطق في تونس، وأنّ دولة الاستقلال، رغم مجهوداتها في مجال كسر الروابط القبليّة[2]، لم تنجز المهمّة بشكل كامل. وقد حصلت في السنوات الأخيرة أكثر من حادثة اقتتال بين عروش متخاصمة، سقط فيها ضحايا[3]. لا شكّ أنّ الانتماء العروشي قد لعب دورا في بعض الدوائر الانتخابيّة[4]، وأنّ مرشحين قد استفادوا منه، لكنّ المقارنة لا تجوز مع الاقتراع على الأفراد في دورتين. فالقائمات الحزبيّة عادة تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى، فتشمل مرشحين من عائلات وعروشات مختلفة، وهو ما لا يتوفّر في الترشحات الفرديّة. كما أنّ المنافسة تكون أساسا بين يافطات حزبيّة، فيكون اسم الحزب في معظم الدوائر محدّدا أكثر من اسم رئيس القائمة. ولعلّ الخطر الأكبر في الاقتراع على الأفراد في دورتين، هو فرضية دور ثان يجمع مرشحين من عرشين مختلفين، قد يكون بينهما إشكال عقاري أو عائلي. مثل هذه المنافسة قد تتحول بسهولة إلى صراع مسلّح في عدد من الدوائر وتشكّل خطرا أمنيا. في الأردن، حيث حصلت تغييرات متكررة في نظام الاقتراع، أدّى حصر حقّ الناخب في التصويت لمرشّح واحد إلى “تعزيز العصبيّة القبليّة وتحوّل المنافسة في الانتخابات من منافسة سياسيّة إلى منافسة عشائرية أو مناطقيّة”، وهو ما أدّى في كثير من الأحيان إلى أحداث عنف سواء في الحملة الانتخابيّة أو عند إعلان النتائج، وصلت إلى حدّ إطلاق النار[5].

ولئن كانت النزعات العروشيّة لا تقلق كثيرا أصحاب مشروع البناء القاعدي، إذ تندرج ضمن “المجتمع الأهلي” الذي يفضّلونه على المجتمع المدني، فإنّ خطر الزبائنيّة في الاقتراع على الأفراد هو أكثر الحجج التي تُزعجهم. علميّا، أجريتْ دراسات عديدة حول علاقة نظم الاقتراع والفساد، اعتمادا على نماذج رياضيّة ومؤشرات رقميّة حول عدد من الديمقراطيات، ولم تكن نتائجها دائما متناسقة[6]. فنظام الاقتراع يشمل عوامل عديدة لا تكون آثارها بالضرورة منسجمة، وهي حجم الدائرة الانتخابيّة، ومدى إمكانية اختيار الأشخاص وترتيبهم، وطريقة توزيع المقاعد، الخ. على سبيل المثال، جاء في دراسة شملت 80 دولة في التسعينات أنّ النسبيّة، بما تفترضه من قائمات مغلقة، تضعف قدرة الناخبين على معاقبة السياسيّين الفاسدين[7]. لكنّ الدراسة ذاتها اعتبرتْ أنّ الدوائر الفرديّة الصغيرة تضعف حظوظ السياسيّين النزهاء. فرضيّة العلاقة المتلازمة بين ضيق الدوائر والفساد السياسي أثبتتها أيضا دراسة أخرى شملت 50 ديمقراطيّة في التسعينات، واستنتجت على عكس الأولى أنّ الاقتراع النسبي أقلّ تشجيعا على الفساد من الأنظمة الأغلبيّة[8].

فالافتراض الذي يستند إليه المدافعون على الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى، بأنّ المعرفة الشخصيّة بالمرشحين تؤدّي إلى انتخاب الأكثر كفاءة ونزاهة، يعكس محدوديّة إلمامهم بالمعطى السوسيولوجي وبالتجارب المقارنة. فالروابط الأولية، أي العائلة والعشيرة، والمصالح المادّية الآنيّة المبنية على العلاقات الزبائنية، يكون دورها محدّدا كلما ضاقت الدائرة الجغرافيّة وكلّما ضعُف البُعد السياسي للعمليّة. لا يتعلّق الأمر بالضرورة بشراء أصوات، بالمعنى الضيّق للكلمة، وإنما بقدرة المال والنفوذ الشخصي على شراء الولاء وزيادة الحظوظ الانتخابية، سواء عبر تقديم الخدمات أو التدخّل لدى الإدارات أو إغداق المساعدات أو حتى الاستثمار في البنية التحتية والمرافق العامّة. فالمال الانتخابي بمعناه الواسع يصبح أكثر نجاعة عندما يتركّز في منطقة جغرافيّة ضيّقة، وحين تكون المنافسة الانتخابيّة ذات طابع محلّي.

باستطاعتنا أن نأخذ مثالا من الاستحقاقات الانتخابيّة الأخيرة يوضّح ذلك. في تشريعيات 2019، في دائرة صفاقس 1، ترشّح إثنان من أبرز رجال الأعمال في البلاد، بسّام لوكيل وماهر شعبان، على رأس قائمتين، واحدة مستقلّة والأخرى حزبيّة (نداء تونس). كان المرشحان، حسب معظم المتابعين، أكثر من أنفق انتخابيّا في هذه الدائرة. لكنّهما لم يحصّلا سوى 2،2 و1،4% من الأصوات تباعا، ففشلا في الفوز بأحد المقاعد السبعة للدائرة، التي ذهبت إلى أحزاب النهضة وقلب تونس والتيار الديمقراطي والدستوري الحرّ وحركة الشعب. فالواضح هنا أنّ الرهان السياسي من جهة، وحجم الدائرة الانتخابيّة، أضعفا قدرة المال على التأثير. بعد أقلّ من سنتين، في جوان 2021، أجريت انتخابات بلديّة جزئيّة في ساقية الدائر، إحدى بلديات صفاقس1. استثمر رجل الأعمال فتحي النيفر في الأشهر السابقة للانتخابات، فاكتسحتْ القائمة المستقلّة التي شكّلها النتائج في أحد أبرز المعاقل التاريخيّة لحركة النهضة. صحيح أنّ الانتخابات البلدية تجرى حسب الاقتراع النسبي على القائمات، لكن الذي يهمّنا هنا هو تأثير حجم الدائرة في نجاعة الإنفاق الانتخابي.

حتّى مثال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي يستند لها أنصار سعيّد لإثبات أنّ الانتخاب على الأفراد في دورتين يؤدي إلى فوز الأكثر نزاهة، فبالامكان قراءته بشكل مختلف. لا ننفي طبعا دور البعد الشخصي، وسمعة المرشحيْن بخاصّة مع دخول نبيل القروي السجن في الفترة الانتخابيّة، في تصوير الدور الثاني في شكل استفتاء بين النزاهة والفساد. لكن ما ساهم في فوز قيس سعيّد بتلك النتيجة الساحقة دون إمكانيات مادّية، على نبيل القروي صاحب الماكينة الإعلامية والماليّة، هو حجم الدائرة الانتخابيّة (تونس كدائرة واحدة)، والبُعد السياسي والوطني بامتياز للانتخابات الرئاسية. لو تنافس سعيّد والقروي في انتخابات محلّية لنيابة عمادة أو معتمدية، ربما لكانت حظوظ القروي في الفوز أكبر. كلّما وسّعنا الدائرة الانتخابية، طغى الرهان الوطني ومعه البُعد السياسي، وكلّما ضيقناها، خاصّة في ظلّ ضعف المنظومة الحزبيّة والتقاليد السياسيّة، طغى البُعد المحلّي والروابط الشخصيّة، سواء كانت عروشيّة[9]، زبائنيّة، أو غيرها.

لقد كانت السوسيولوجيا الانتخابيّة في تونس شبه منعدمة قبل الثورة. إذ لم تكن الانتخابات، مع استثناءات نادرة جدّا في بعض البلديات، تشهد تنافسا يذكر. لكنّ دولا أخرى قريبة نسبيا عرفت انتخابات تنافسيّة قبل 2011، يمكن أن نستخلص الكثير من تجاربها. في مصر، ساهم الانتقال إلى نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر ضيّقة في أواسط الثمانينات، في سياق اجتماعي واقتصادي صعب، في طغيان الروابط الزبائنيّة. فكان نموذج النائب هو صاحب الأعمال المنتصب في منطقة معيّنة، أو الإقطاعي مالك الأراضي، الذي يغدق الأموال والخدمات والاستثمارات في أماكن العبادة والمدارس قبل الانتخابات كي يضمن مقعده[10]. وقد برزت قبل ثورة يناير ظاهرة “مستقلي الحزب الوطني”، الذين لم ينجحوا في نيل ترشيح الحزب الحاكم فترشحوا ضدّه وفازوا عليه بفضل سلطتهم الاقتصادية المحلّية، حتّى أنّهم حازوا في انتخابات 2005 على أكثريّة مقاعد مجلس الشعب. بعد الثورة، اتفقت معظم القوى السياسيّة على اعتماد نظام الاقتراع النسبي، سعيا منهم للحدّ من الظاهرة الزبائنية. في الأردن، ساهم التصويت على الأشخاص أيضا في تكريس الطابع الزبائني للعمليّة الانتخابيّة، حتى أنّ أكثر من ثلث الناخبين أشاروا في استطلاع للرأي أنّ صوتهم يذهب للمرشح الأقدر على توفير خدمات[11].

إنّ الانتقال إلى الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى لن يزيد فقط من عدد المنتصبين لحسابهم الخاصّ والمعوّلين على نفوذهم الاقتصادي في المجالس المنتخبة. وإنّما سيدفع الأحزاب أكثر فأكثر إلى ترشيحهم لتحسين شروط فوزها. لا شكّ أن مجلسيْ 2014 و2019 اشتملا على نواب من هذا النوع. لكنّ تغيير نظام الاقتراع بهذا الشكل قد يضاعف عددهم بشكل كبير، سواء كمستقلّين، أو حتى كنواب عن أحزاب. إضعاف الأحزاب في هذا النظام قد يكون مضاعفا، من جهة عبر تصعيد عدد كبير من المستقلّين إلى البرلمان، ومن جهة أخرى، عبر إجبارها على اللجوء إلى وجاهات محلّية وأصحاب نفوذ مالي وعلاقات زبائنية، بدل ترشيح مناضليها. في نظام اقتراع على الأفراد، يكون المرشح أقوى من الحزب، وهذا، على عكس ما يعتقد أنصار البناء القاعدي، من شأنه أن يزيد الفساد الانتخابي[12]. أمّا اعتماد القرعة للتصعيد، فلن يحدّ من الطموح السياسي لأصحاب المال والنفوذ كما يتوهّم أصحاب مشروع البناء القاعدي، وإنّما على العكس، سيشكّل عاملا إضافيا لمزيد إضعاف البُعد السياسي للانتخابات، القائم على الصراع بين مشاريع متقابلة والحسم الديمقراطي. فهو إضعاف للديمقراطية الانتخابيّة من دون أيّ معالجة لما يعاب عليها من نزعة أوليغارشيّة، بما أنّ استعمال القرعة في البناء القاعدي مخالف تماما لفلسفتها كآلية بديلة للتعبير عن الإرادة العامّة.

القرعة للتصعيد: “استلاب” المقاربات الجديدة من دون فهمها

إذا كان مبدأ “التصعيد” مستوحى، على الأرجح، من نظام اقتراع المجلس الكبير بعد سنة 1945، ولا يشذّ عن صنف الانتخابات غير المباشرة المعمول بها عادة في بعض الغرف التشريعية العليا (مجالس الشيوخ)، فإنّ الآليّة المعتمدة للتصعيد هي التي قد تبدو، لوهلة أولى، مبتكرة. لقد أصبحت فكرة القرعة في الفترة الأخيرة تلاقي اهتماما فكريا وعمليا متزايدا، كأحد الحلول الممكنة لأزمة المشروعيّة الديمقراطية. فهي تنطلق من نقد لما آلت إليه الديمقراطية من صعود لنوع من الأوليغارشية التمثيلية التي يصبح النفاذ إليها أكثر فأكثر حكرا على فئات معيّنة كأصحاب التكوين الجامعي والمكانة الاجتماعية المرموقة، ومحترفي السياسة الذين يتحول الالتزام السياسي لديهم إلى مسار مهني. هذا الانحراف تعبّر عنه جيّدا عبارة “طبقة سياسية” (عوض نُخب سياسيّة)، التي تحيل إلى وجود مصالح مادّية مشتركة قد تعلو على المنافسة والقناعات السياسية، وإلى وجود عزلة بين هذه الطبقة والمواطنين.

من الواضح أنّ منظّري البناء القاعدي قد تأثّروا بهذا النقد الموجّه للديمقراطيّة التمثيليّة. هذه الأخيرة تنتج بالضرورة، حسب خليل عباس، طبقة سياسيّة، تقوم على “استراتيجيات باقية رغم تغيّر ممثليها”[13]، تحول دون ممارسة الشعب سلطته. لذلك ليس مفاجئا أن يستعيروا إحدى الأفكار الأكثر رواجا لدى ناقدي الديمقراطية التمثيلية والباحثين عن “ديمقراطية حقيقيّة”، وهي القرعة. لكنّ الاستعارة كانت أقرب إلى “ثقافة الاستلاب” التي ما انفكّ سعيّد ينتقدها[14]، والمتمثّلة في استيراد مفاهيم وآليات من الخارج “لاستعمالها دون أن نكلّف أنفسنا النظر في محتواها” وإسقاطها من دون استبطان فلسفتها.

فالقرعة هي حسب منظريها طريقة بديلة عن الانتخاب، تسمح بتمثليّة حقيقيّة، تقوم لا على الاختيار من بين عروض سياسيّة، وإنّما على الاعتباطية. هكذا، يصبح “أيّ كان” ممثلا للإرادة الشعبية، طالما تمّ اختياره عبر القرعة القائمة على الاعتباطيّة. وهي عودة إلى الأصل الأغريقي للديمقراطية، حيث كانت القرعة آلية ديمقراطية أساسية لاختيار معظم المسيّرين، إلى جانب الانتخاب الذي يمثّل حسب أرسطو آلية أوليغارشية، والمجلس الذي يلتئم فيه كامل الجسم السياسي وتمارس فيه الديمقراطية المباشرة. تاريخيا، استخدمت القرعة أيضا لاختيار الحاكمين في بعض الجمهوريات الإيطالية في القرون الوسطى وعصر النهضة، لكنّها زالت تقريبا مع الجمهوريات الحديثة بعد الثورتين الأمريكية والفرنسيّة، ليقتصر استعمالها على مجال العدالة الجزائية، عبر هيئات المحلّفين[15].

بدأت آلية القرعة تعود إلى المجال السياسي في العقود الأخيرة، خصوصا في المسائل المحلّية، كما في التجربة البرلينية، أو الانتخابيّة كما في تجربة المقاطعة الكندية “كولومبيا البريطانية”، حيث تشكّل سنة 2004 مجلس مواطني بالقرعة لاقتراح نظام اقتراع جديد، بدل الاقتراع على الأفراد في دورة واحدة. لكنّ التطور الأبرز جاء سنة 2010، حين اعتمد الايسلنديون، الذين سخطوا على الطبقة الحاكمة بعد الأزمة المالية، على القرعة لتشكيل مجلس مواطني لتحديد المحاور الكبرى للإصلاح الدستوري[16].

إنّ القاسم المشترك بين هذه التجارب، يكمُن في اعتمادها القرعة لإنتاج تعبير عن الإرادة الشعبيّة لا يمرّ عبر الاقتراع. طبعا، لا يعني ذلك في أيّ منها تخليا عن الانتخاب أو عن الديمقراطية التمثيلية، ولكنها نافذة إضافية، تأخذ عادة طابعا محلّيا أو استثنائيّا، وتكمن ميزتها في أنّها تقوم على مواطنين عاديّين، من دون أن يكون لديهم تنظّم أو طموح.

أمّا في البناء القاعدي، فالقرعة تأتي بعد الانتخاب، لاختيار واحد من بين نواب العمادات، ممثلا جهويا أو وطنيا. أي أنّها تشترط أوّلا الترشح إلى الانتخابات، وهو ما يفترض الطموح السياسي، لكي تفرز من بين المنتخبين عبر لعبة الحظّ، نائبا وطنيا (أو جهويا). هي إذًا مناقضة لفكرة “حُكم أيّ كان” التي تقوم عليها فلسفة القرعة[17]. قُرعة البناء القاعدي تنتج تشويها للتمثيل الانتخابي، بما أنّها تلغي الاستحقاق الديمقراطي الذي قد يفرز أغلبية وأقلّية من بين المنتخبين أنفسهم، من دون تعويضه بتمثيل من نوع آخر. فالقرعة كآلية اختيار من درجة ثانية بعد الانتخاب في درجة أولى، تُفقد المنافسة السياسيّة معناها، إذ يمكن لمن حاز مقعدا واحدا أن يكون هو النائب في البرلمان الوطني، على حساب الحزب الذي فاز بأغلبية المقاعد داخل المجلس المحلي. وهي متناسقة إلى حدّ ما مع مثال ديمقراطية من دون أحزاب الذي يحمله أصحاب المشروع. لكنّها أيضا تعبير أعمق على مقاربة للسياسة، تلغي تماما جوهر الصراع بين مشاريع متقابلة، وتختزلها في علاقة الثقة الشخصيّة بين الناخب والمنتخب. فلا معنى لحسابات الأغلبية والأقليّة لأن المشروعية الديمقراطية لنائب عمادة، تساوي مشروعية بقية نظرائه مجتمعين. ولا فرق بين المشاريع المتصارعة، لأنّ جميع المنتخبين نالوا ثقة ناخبيهم. فإذا كانت القرعة تحيل، حسب المفكّر الفرنسي بيير روسانفالون، على مقاربة للمساواة ك “لا تمايز” أو “لا فرق”[18]، فإنّ استعمالها داخل مجلس منتخب يُفقد الانتخاب معناه كآلية حسم ديمقراطي، من دون تعويضه بآلية اختيار وتمثيل بديلة. فهي استلاب “لمقاربة جديدة” مع إفراغها من بداعتها وفائدتها.

يتكرّر منطق الاستلاب أيضا في مشروع البناء القاعدي، تحديدا في مجال التزكيات، حيث تستعمل فكرتا التناصف والحصّة (quota) في غير محلّهما. سعيّد انتقد التناصف منذ 2011، حين وقع نقاشه داخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، واعتبره “مسّا من كرامة المرأة”[19]. ولئن كان حديث سعيّد حول التناصف يعكس أحيانا خلطا بين التناصف و”الكوتا”، كما تفطّن لذلك المولدي القسومي[20]، فإن استعمالهما في مجال التزكيات يكشف عدم إدراك المغزى منها. إذ يشترط مشروع البناء القاعدي على أيّ مرشح أن يأتي بقائمة تزكيات[21]، مناصفة بين النساء والرجال، على أن يكون نصف المزكين من الشباب الذين يقلّ عمرهم عن 30 سنة، وربعهم من أصحاب الشهائد العليا[22]. فإذا كان التناصف والحصّة يهدفان إلى تشجيع أو ضمان تمثيلية فئات معيّنة في المجالس المنتخبة، سواء عبر القواعد المنظمة للترشح (التناصف) أو في توزيع المقاعد (الحصّة)، فإنّ اعتمادها في التزكيات لا يخدم بالمرّة هذا الهدف. إذ يمكن أن يكون جميع المرشحين رجالا ومتقدّمين في السنّ، دون أن يمنعهم ذلك من الحصول على تزكيات من نساء وشباب. فاشتراط تزكية النساء والشباب وأصحاب الشهائد العليا لا يضمن لهذه الفئات، بغضّ النظر عن جدوى تخصيصها، أيّ تمثيلية. ولكنّه يعقّد العمليّة الانتخابيّة بشكل كبير، ويعسّر مهمّة الهيئة المشرفة عليها، التي سيكون عليها التثبّت من آلاف (وربما عشرات آلاف) قائمات التزكيات. هنا أيضا، تستعار أفكار جديدة لتعقيد وتشويه العملية الانتخابية، من دون تحقيق أيّ فائدة.

إذا كانت مثل هذه التفاصيل تكشف التهافت الداخلي لمشروع البناء القاعدي، فإنّها لا يجب أن تنسي الخطورة الأصلية التي يكتسيها الاقتراع على الأفراد في دوائر ضيّقة، في مجتمع لم تنضج تقاليده السياسيّة بعد، ولم تستقرّ لديه منظومة حزبيّة. اعتماد الاقتراع على الأفراد في العمادات أو المعتمديات من شأنه أن يضرب لا فقط المساواة الديمقراطية في الاقتراع، وإنما جوهر العمليّة السياسيّة، بوصفها صراعا بين مشاريع تعبّر عن انقسامات المجتمع والمصالح المتناقضة لمختلف فئاته. فبدل أن يكون البرلمان تعبيرا عن هذه التناقضات وفضاءً للصراع الديمقراطي، يصبح أكثر فأكثر مكانا للمشاريع الفرديّة وإسداء الخدمات الزبائنيّة، قبالة رئيس جمهورية يحتكر المشروعيّة الشعبيّة المباشرة، والسلطة التنفيذيّة.


[1] Eric Gobe, “Système électoral et Révolution : la voie tunisienne”, Pouvoirs N°156, Seuil, 2016, p. 73.

[2] Walid Achouri, “L’évolution du maillage administratif du centre-ouest tunisien”, in, Maillages territoriaux, Démocratie et élections, Actes du Colloque, Monastir, 2016, p. 19.

[3] في ديسمبر 2020 على سبيل المثال، اندلع اقتتال بين عرش الحوايا (بني خداش) والمرازيق (دوز) حول ملكية أرض “العين السخنة”، سقط فيه قتلى وجرحى.

[4] عبد اللطيف الحناشي، التعبئة الانتخابية وموقع الولاءات التحتية، الفصل الثالث في مجموعة مؤلفين، التعبئة الانتخابية في تونس: دراسة حالة الانتخابات التشريعية لسنة 2014، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2016، ص. 115.

[5] محمد الحسيني، الأثر الاجتماعي للنظام الانتخابي الأردني، ورقة سياسات، مؤسسة فريدريش ابرت، عمّان، 2014، ص. 8.

[6] Umberto G. Mignozzetti, Electoral systems, competition, and incentives for corruption, http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.2415060, 2014.

[7] T. Persson, G. Tabellini and F. Trebbi, “Electoral rules and corruption”, Journal of the European economic association 1(4), pp. 958-989.

[8] V. Verardi, “Electoral systems and corruption”, Revista Latinoamericana de Desarrollo Económico, La Paz, 2004, pp.117-150.

[9] هذا لا ينفي طبعا أنّ العامل العروشي، أو على الأقلّ الجهوي، يلعب في الانتخابات الرئاسيّة، حيث عادة ما يحرز المرشحون على نسب قياسيّة في موطن ولادتهم. في الدور الأول من انتخابات 2019، حاز الصافي سعيد على نصف الأصوات في قفصة، في حين حاز لطفي المرايحي على 46% في القصرين.

[10] Tewfic Albert Aclimandos, “Comment les législatives se négocient : quelques réflexions sur les élections égyptiennes”, in Confluences méditerranéennes, 2012/3, N°82, p. 73.

[11] محمد الحسيني، سبق ذكره، ص. 8.

[12] D. Lederman, N. Loayza, R. Reis Soares, “Accountability and corruption. Political institutions matter”, Policy research working paper, The World Bank, 2001, p. 7.

[13] خليل عباس، سبق ذكره، ص. 84.

[14] سمنار حول حوار الباجي قايد السبسي في سبتمبر 2017 بمشاركة كلّ من قيس سعيّد وأحمد بن مصطفى ونوفل سلامة بتاريخ 23 سبتمبر 2017، ورد في عبد الجليل التميمي (إشراف)، مرصد الثورة التونسية، المجلد الثامن، ص. 18.

[15] Yves Sintomer, Petite histoire de l’expérimentation démocratique. Tirage au sort et politique d’Athènes à nos jours, La Découverte, 2011.

[16] Ibid. p. 183.

[17] Pierre Rosanvallon, Le siècle du populisme. Histoire, théorie, critique, Éditions du Seuil, 2020, p. 248.

[18] المصدر ذاته. يميّز روسانفالون بين المساواة كفرديّة (égalité-singularité) والمساواة كقدرة على اللاتمايز (égalité-capacité d’indifférence)، والكلمة هنا لا تعني “اللامبالاة”. المقاربة الأولى للمساواة هي التي تبرّر سياسات إعادة توزيع الثروة والتمييز الإيجابي، في حين تحيل الثانية على تجانس الجسم السياسي.

[19] جريدة الفجر (الناطقة باسم حركة النهضة)، حوار مع قيس سعيّد، 5 أوت 2011، ص. 11.

[20] المولدي القسومي، سبق ذكره، ص. 214.

[21] حدّد المرسوم عدد 55 لسنة 2022 المنقح للقانون الانتخابي، الصادر بعد نشر هذه الدراسة، عدد التزكيات ب400 في كلّ دائرة انتخابيّة، وعدّل قليلا في تفاصيلها بالمقارنة مع وثائق مشروع البناء القاعدي. حيث تخلّى المرسوم على فئة أصحاب الشهائد العليا واشترط أن يكون الربع (وليس النصف) من الشباب دون 35 سنة، وأبقى على التناصف بين النساء والرجال فيها. وقد أدّى هذا الشرط ليس فقط إلى غياب مرشحين في عدد من الدوائر وفوز مرشحين مباشرة في دوائر أخرى لغياب منافسين، وإنما أيضا لفساد انتخابي وبيع وشراء أقرّ بها سعيّد نفسه حين أعلن نيّته تنقيح القانون قبل أن يتراجع عن ذلك. لمزيد من التفاصيل حول حصيلة تطبيق التزكيات، نحيلكم على هذا المقال الصادر في موقع المفكرة القانونيّة.

[22] آمنة المرناقي، البناء الديمقراطي القاعدي : ماهو مشروع قيس سعيد للدولة؟، نشر على موقع انكفاضة، 6 أكتوبر 2021.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، دستور وانتخابات ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية