الإعلام يؤكد: السياسة معيار التشكيلات


2017-10-13    |   

الإعلام يؤكد: السياسة معيار التشكيلات

لعلها المرة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني بعد الحرب التي يتمّ الحديث فيها بهذه الصراحة عن تدخلات سياسية واسعة في التشكيلات القضائية. فقد جرت العادة أن تتطرق وسائل الاعلام إلى إصرار جهة سياسية على تسمية قاضٍ معيّن، أو إلى تعطيل مشروع التشكيلات لأسباب مماثلة. لكنها لم تتناول يوماً بهذا الوضوح التوجهات السياسية للقضاة وتدخل كلّ طرف في كلّ إسم لضمان تحقيق الممكن من المكاسب. فبات الرأي العام بعد صدور التشكيلات على بينة على انتماءات عدد كبير من القضاة السياسية والطائفية. نتناول في هذا المقال التغطية الإعلامية التي رافقت وضع التشكيلات وإصدارها.

السياسة والطائفية: ركيزة التشكيلات

عاملان أساسيان شكّلا ركيزة التعيينات: السياسة والطائفية. استحدثت غرف جديدة لإرضاء الطوائف واحتدمت المفاوضات بغية وصول القضاة المحسوبين على الجهات الحاكمة اليوم.

ركزت "ال.بي.سي" و"الجديد" على التدخلات السياسية وعلى منطق المحاصصة في التشكيلات، فيما رأت الـ أو.تي.في. (المحطة التابعة للتيار الوطني الحر) أن ما حصل يشكل "إنجازاً" إضافياً لعهد رئيس الجمهورية ميشال عون. ضخمّت الـ أو.تي.في "الانجاز" إلى حدّ اعتبار هذه التشكيلات في مقدمة نشرة أخبارها المسائية "الأولى من نوعها في تاريخ القضاء اللبناني[1]". كما أنها اعتبرت أنّ هذه التشكيلات "ألغت شواذ الجزر القضائية والمحميات العدلية والاقطاعيات والمقاطعات فوق أقواس الحق وأدخلت دماً جديداً إلى آليات المقاضاة وإحقاق العدل[2]". تجاهلت المحطة تماماً المعلومات المتداولة عن تدخل رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل شخصياً لتعيين بعض القضاة ومنع وصول آخرين. كما أنها لم تعتبر أن منطق المحاصصة الذي ساد عملية التعيينات يوازي "الشواذ" التي ادعت التخلص منه. فتبنّت المحطة خطاب العهد وممثله في وزارة العدل الوزير سليم جريصاتي.

هذا الأخير الذي أطلّ في تقرير ضمن نشرة أخبار محطة "المنار" تحدث هو أيضاً عن إزالة "التكلس والمحميات والإمارات غير المتوّجة بفعل السنين المتراكمة على المواقع والأسماء ذاتها[3]". رفض جريصاتي أي حديث عن تدخلات أو توافق على محاصصة سياسية أفضت إلى إبصار التشكيلات النور قبل موعد تقاعد عضو مجلس القضاء الأعلى القاضي طنوس مشلب. فالـ "سياسة لم تراعَ إلا يسراً[4]" على حدّ قوله. لكن فات الوزير أن العوامل السياسية، والمقصود هنا طلبات الأحزاب والمرجعيات السياسية، تراعى عادةً بشكل كامل وفق القواعد التي أرساها النظام السياسي في لبنان بعد انتهاء الحرب. وتغنّى جريصاتي بكونه وزير العدل الأول الذي لن يناقش التشكيلات كما وصلته من مجلس القضاء الأعلى ووصف الأمر بالـ "سابقة[5]". ولعلّه لم يدرك أن تأكيده عدم مناقشته لأسماء القضاة دليل إضافي على إطلاعه ومشاركته في وضع لائحة الأسماء بغية تمريرها لاحقاً أمام المعنيين دون مواجهة عوائق.

واللافت أن ما نكره جريصاتي أكدّه رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد في حديث نقلته عنه ال ـ"ال.بي.سي" في نشرتها الإخبارية. رأى فهد أن من حق وزير العدل مناقشة التشكيلات وأن هذا الأمر لا يشكل تدخلاً من السلطة السياسية في القضاء، ما يثبت أنّ جريصاتي كان على إطلاع على التشكيلات كاملة قبل صدورها. وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً. وكشف فهد أن المجلس راعى بشكل كامل "التوازن الطائفي والواقع الديمغرافي" وأن "تواصلاً حصل مع الجهات السياسية بغية تذليل[6]" العقبات التي مرّت بها التشكيلات. لكن المجلس حرص على "اعتماد معيار الانتاجية، والأقدمية والكفاءة والجيل الجديد على الرغم من إصرار بعض القوى السياسية على هذا المركز أو ذاك[7]". واحترام المعايير الطائفية والديمغرافية التي اعتمدتها أساساً السلطة السياسية للتدخل في عمل القضاء يسقط مقولة أن السلطة القضائية وضعت التشكيلات بمعزل عن تدخلات السياسيين.

وكانت "ال.بي.سي." كشفت في تقرير آخر أن الخلاف بين القوى السياسية تركز بشكل خاص على توّلي القاضي بيتر جرمانوس منصب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بدل القاضي صقر صقر، المقرّب جداً من الرئيس الحريري. وقد توّلى باسيل ومستشار رئيس الحكومة نادر الحريري حلّ هذه الاشكالية[8]، ما أفضى إلى صدور التشكيلات في موعدها. كما كان واضحاً خلاف التيار الوطني الحر والقوات على أسماء القضاة. فإلى جانب تناول الصحف هذا الموضوع، نقلت المحطة معلومات عن أنّ القوات كانت "أعدّت لائحة بأسماء قضاة كفوءين ولكن تمّ استبدالهم بأسماء محسوبة على الوزير جبران باسيل[9]". ما دفع النائب عن القوات فادي كرم إلى الاعتراف بأن "التعيينات راعت المحسوبيات والتبعية السياسية"[10].

أما أبرز التعليقات عن جسامة التدخل السياسي في التشكيلات فجاءت في مقدمة نشرة "الجديد". رأت المحطة أن التشكيلات لم تبصر النور إلا بعد موافقة جميع القوى السياسية عليها. فعلّقت معتبرة أن " دفتر الشروط هنا يجب أن يطابق معايير قرْب القاضي من الزعيم أما الكفاءة فهي تفصيل يأتي في مرحلة ثانوية[11]". وأكدّت "الجديد" أن الأسماء سرّبت إلى الإعلام من قبل الجهات التي أشرفت على التشكيلات وعدم اعتراض أحد من المعنيين عليها إثبات إضافي على أنها نالت موافقة جميع المرجعيات دون أيّ استثناء. تحدثت "الجديد" عن تعيين قضاة شيعة مقرّبين من الرئيس بري، وعن غرف استحدثت لإرضاء النائب وليد جنبلاط في حين توّلى التيار الوطني الحر تسمية حصة المسيحيين من المناصب. وأكدّت المحطة أن التشكيلات صدرت إثر توافق فريقي المستقبل والتيار الوطني الحر على الأسماء، ما أثنى عليه أيضاً نقيب المحامين السابق أنطوان قليموس الذي رأى أن "كل المسائل في هذا البلد تمرّ بقناة المحاصصة الطائفية والمذهبية[12]". 

لم تختلف تغطية الصحف عن المحطات التلفزيونية. فهي أيضاً ركزت على التدخلات السياسية والمحاصصة الطائفية بشكل أساسي. ففي حين كان رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد ووزير العدل سليم جريصاتي يجزمان في حديثهما للإعلام باعتماد المجلس على مبدأ المداورة والكفاءة، مخففين من وطأة التدخلات السياسية في التشكيلات، كانت جريدة "المدن" مثلاً تكشف أن المحامي العام في جبل لبنان القاضي وليد المعلم بقيَ في المركز الذي يشغله منذ أكثر من عشر سنوات بفعل علاقته الوطيدة بأمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري. كما لم تخفِ الصحيفة أن التعيينات ما كانت لتصدر لولا مفاوضات الساعات الأخيرة بين تيار المستقبل ووزير العدل، المكلف من باسيل. والعقبة الأساسية كانت بإجماع جميع وسائل الاعلام تعيين القاضي بيتر جرمانوس مفوضاً للحكومة لدى المحكمة العسكرية خلفاً للقاضي صقر صقر. وكان لافتاً أيضاً تطرّق "المدن" إلى الدوافع الانتخابية التي جعلت رئيس الجمهورية ميشال عون يركز على الأسماء في منطقة بعبدا، فيما صبّ الحريري جهوده على منطقة الشمال والرئيس نبيه بري على الجنوب.

 كما تحدثت "المدن" و"الأخبار" عن استحداث عشرة مراكز جديدة للطائفة الشيعية في بيروت وجبل لبنان، بعدما أصرّ كل من حزب الله وحركة أمل على "تحقيق المناصفة ومراعاة التوازن الطائفي[13]" لتمرير التشكيلات. والطائفية كانت أيضاً السبب وراء "استحداث منصب رئاسة محكمة استئناف للكاثوليك في البقاع تولتها القاضية جلنار سماحة مقابل التخلي للروم عن رئاسة غرفة في جبل لبنان[14]"، حسب ما جاء في "الأخبار".

وفيما أصرّ جريصاتي على أنه لم يتدخل في التعيينات كما سبق وأشرنا، كشفت مجلة "محكمة" أنه كان وراء تسريب أسماء القضاة الموارنة الذي سمّاهم شخصياً لتوّلي مناصب مهمة في القضاء إلى الاعلام[15]. فيما اعتبر النائب بطرس حرب أن "دور وزير العدل سليم جريصاتي في فرض أسماء قضاة في التشكيلات كان أكبر لا بل أهمّ وأفعل من دور مجلس القضاء الأعلى[16]". واللافت أن جريصاتي الذي قال للـ"المنار" بعد صدور التشكيلات أنه لم يتدخل ولن يناقش في الأسماء، ذكر للـ "النهار" قبل صدورها "بأن السياسة في هذا المجال إن دخلت لم تُفسد. كنت أنتظر أن أصادَم. وفي الوقت نفسه ثمة أسماء سأناقش فيها عندما أتسلم المشروع[17]".

أجمعت وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة على تدخل السلطة السياسية الفاضح في تشكيلات 2017. وفيما جهد مجلس القضاء الأعلى ومعه وزير العدل لإنكار حصول هذه التدخلات، كان واضحاً أن ثلاثي التيار الوطني الحر – تيار المستقبل – حركة أمل كان له الكلمة النهائية في هذه التعيينات. فلولا مفاوضات الساعات الأخيرة بين الأطراف الثلاثة وتمرير أسماء على حساب أسماء أخرى، كما كان واضحاً في عرضنا هذا، لما كانت هذه التشكيلات أبصرت النور. ما يدعو لطرح مسألة استقلالية القضاء مجدداً. إذ حان الوقت للحديث جدياً عن وضع قوانين تحدّ من استباحة السلطة السياسية لعمل السلطة القضائية.

 


[1]  مقدمة نشرة أخبار الـ "او تي في"، الوكالة الوطنية للاعلام، 4 تشرين الأول 2017
[2]  المرجع المذكور أعلاه.
[3]  وزير العدل يؤكد للمنار: التشكيلات القضائية: دم جديد بعيد عن السياسة. المنار، 5 تشرين الأول 2017
[4]  المرجع المذكور أعلاه.
[5]  المرجع المذكور أعلاه.
[6]  ريمي درباس. القاضي جان فهد يردّ على انتقادت التشكيلات القضائية. ال.بي.سي.، 5 تشرين الأول 2017
[7]  المرجع المذكور أعلاه.
[8]  بسام أبو زيد. التشكيلات القضائية أبصرت النور.تريث في التعليقات ورابحون ومتنازلون. ال.بي.سي.، 4 تشرين الأول 2017
[9]  مارون ناصيف. تفاهم معراب ليس بخير…هل يصمد اتفاق اوعا خيك؟ ال.بي.سي، 7 تشرين الأول 2017
[10]  مارون ناصيف. ماذا يقول طرفا تفاهم معراب عن الخلافات بين القوات والتيار؟ ال.بي.سي.، 7 تشرين الأول 2017
[11]  فهود السياسة في القضاء – مقدمة النشرة المسائية، الجديد، 04 تشرين الأول 2017
[12]  رواند ابو خزام. التوافق السياسي يخرج التشكيلات القضائية. الجديد، 4 تشرين الأول 2017
[13]  باسكال بطرس. أسرار التشكيلات القضائية: الولاء للزعيم والحسابات الانتخابية. جريدة المدن، 6 تشرين الأول 2017
[14]  جديد التشكيلات القضائية… حصة لعون. جريدة الأخبار، 4 تشرين الأول 2017
[15]  علي الموسوي. "محكمة" تنشر أسماء إضافية في التشكيلات القضائية قبل صدور المرسوم رسمياً. مجلة محكمة، 6 تشرين الأول 2017
[16]  التعيينات تدفع بـ"تفاهم معراب" إلى الشفير. جريدة النهار، 6 تشرين الأول 2017
[17]  كلوديت سركيس. ماذا قال جريصاتي لـ"النهار" عن التشكيلات القضائية؟ جريدة النهار، 3 تشرين الأول 2017

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية