الإحتجاز التعسفي في سبع إشكاليات: التقاعس المنظم، والإنتهاك المعتاد لحقوق الإنسان


2016-04-25    |   

الإحتجاز التعسفي في سبع إشكاليات: التقاعس المنظم، والإنتهاك المعتاد لحقوق الإنسان

سنة وخمسة أشهر هي المدة التي قضاها كمال (الأسماء الواردة كلها مستعارة) في السجن، قبل أن تعلن براءته. ليس حظاً عاثراً ما واجهه كمال. فقد تم توقيفه تعسفياً طيلة هذه المدة بسبب خطأ إجرائي تتحمله النيابة العامة. والأخيرة كانت استبقت ملفه لديها ما يقارب السنة قبل أن ترسله الى محكمة الجنايات، كونها كانت في صدد تبليغ متهم آخر في نفس الملف مضبطة الاتهام (أي الاتهام الموجه اليه). وقد تبين أخيراً أن الآخر مدعى عليه بجنحة وليس بجناية، وأنه لا داعٍ إذا لإبلاغه المضبطة الإتهامية. هذه القصة لا تشكل إستثناء. إنها واحدة من 1522 مراجعة تابعتها جمعية "عدل ورحمة" بالنسبة لحالات إحتجاز تعسفي. بلغت نسبة الموقوفين غير المحكومين لهذه السنة 55.1%، فيما لم تتمّ دعوة 159 سجيناً منذ سنة الى جلسة محاكمة. 

يذكر مدير مديرية السجون في وزارة العدل القاضي رجا أبي نادر الرقمين الأخيرين خلال مداخلة له أثناء ورشة عمل نظمتها جمعية "عدل ورحمة" تحت عنوان "الاشكاليات المتعلقة بالعدالة الجزائية: بطء المحاكمات والإحتجاز التعسفي" في 22 نيسان 2016 في أوتيل بادوفا – سن الفيل. وقد تمت خلالها مناقشة الأخطاء التي تقترفها السلطات المعنية وتؤدي الى حرمان أشخاص من حريتهم بشكل تعسفي من خلال 7 إشكاليات بنتها الجمعية على ضوء 1522 مراجعة تابعتها. والجدير بالذكر أن تصحيح أوضاع الضحايا لم يكن عفوياً من السلطات المختصة بل بناءً على متابعة لملفاتهم من قبل جمعية "عدل ورحمة"، التي عرضت أمثلة عنها خلال ورشة العمل.

ليس خطأً… بل تقصير

إذن، كما أشرنا أعلاه، كثر يبقون قيد الإحتجاز لفترات طويلة بسبب "تعثر وصول خلاصة الحكم الى مكان الإحتجاز" (الإشكالية رقم 1). ينتج هذا التعثر عن أسباب عديدة، مثلاً عدم تحرير خلاصة الحكم، أو التأخر في تحرير الخلاصة بشكل غير مبرر، إرسال خلاصة الحكم الى المكان الخطأ، وضياع الخلاصة لأسباب عدة. وقد أدت هذه الأخطاء الى توقيف عامر، لـ 7 أشهر إضافية عن محكوميته التي كان يفترض بها أن تكون شهراً واحداً. أما أحمد، فضاع حقه بالطعن بالحكم الصادر بحقه بعد انقضاء المهلة، ذلك بسبب عدم تحرير خلاصة الحكم على الرغم من مرور شهر و20 يوماً على صدوره. كما أدى إرسال خلاصة حكم الى الأمن العام بدلاً من السجن، الى النتيجة الأخيرة نفسها.

على خط موازٍ، تتمحور الإشكالية الثانية حول التباين في آليات تنفيذ الأحكام الجزائية الصادرة عن القضاة المنفردين، بالإضافة الى التباين بخصوص الجهة التي يتم ارسال خلاصة الحكم اليها. فهل هي المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي- فرع السجون، أم المديرية العامة للأمن العام، أم الفصائل الأمنية (المخافر)، أم السجون، أم يتم ارسالها باليد أم بالبريد؟

مثلاً، تمّ توقيف سليم لـ 9 أشهر إضافية بعد صدور حكم عن القاضي المنفرد الجزائي بالإكتفاء بمدة توقيفه. وقد تمّ تسليم الحكم الصادر بحقه الى محامٍ صودف وجوده في قلم المحكمة عند تحرير الخلاصة. مع العلم أن المحامي لا يرتبط مع سليم بأي صلة، قانونية أو شخصية. ما يضاعف فداحة هذا الخطأ أن إجراء إرسال الخلاصة مع المحامي لم يدوّن في المحضر حتى. كذلك الأمر، أدى ارسال خلاصة الحكم الى مخفر برج حمود في حين أن الموقوف موجود في سجن القبة، الى بقاء رامي في السجن بشكل تعسفي 16 ضعف الفترة المحكوم بها. أي 8 أشهر بدلا من 15 يوم.

الى ذلك، أدت "أخطاء مادية وإجرائية فادحة في الأقلام" (الإشكالية الثالثة)، كالأخطاء في تدوين الأسماء، أو الأرقام، أو إغفال تدوين عبارة موقوف على الملف، أو تدوين عبارة مخلى سبيله على الرغم من عدم ارسال الاشعار باخلاء السبيل الى مكان التوقيف (…) الى إحتجاز حرية كثيرين من دون وجه حق. عمر موقوف بموجب مذكرة توقيف غيابية صادرة عام 2000 بجنحة الإحتيال، علماً أن آخر إجراء ثابت في القضية بحسب دفتر الأساس لدى النيابة العامة يعود الى عام 2002، وبالتالي الدعوى بحقه سقطت بمرور الزمن. في إطار الأخطاء الإجرائية أيضاً، أدى تمزق سجلات النيابة العامة الى عدم معرفة سامر بصدور قرار منع المحاكمة عنه منذ 21/4/2014. ليعود ويتم تركه بموجب قرار جديد صادر عن رئيس الهيئة الاتهامية في 8/10/2015.

يجد القاضي أبي نادر أن هذه الأخطاء، وتكرارها يعني أن "هناك أشخاصا لا يقومون بعملهم ويجب أن يذهبوا الى منازلهم". والمطلوب لهذه الناحية المحاسبة ومتابعة عمل الموظفين في السجون بشكل دقيق. والمحاسبة تعني كل الأجهزة المتخصصة بدءاً بالتفتيش القضائي الذي ترسل اليه لوائح بأسماء الأشخاص الذين لم تتم دعوتهم الى المحكمة منذ سنة وأكثر، ولا تنتهي عند الضحايا المطالبين برفع الدعاوى ضد كل من يتعدى على حقوقهم. ويمكن للشخص، وفقاً لرئيسة محكمة الجزاء في طرابلس نازك الخطيب رفع دعوى جزائية ضد من يقوم باحتجاز الشخص تعسفاً، فهذا الفعل جريمة يعاقب عليها القانون. يمكن أيضاً اللجوء الى دعوى التعويض المدني أو دعوى مسؤولية القضاة. ولكن الدعوى الأخيرة مكلفة لا يمكن لأي شخص رفعها. لهذه الناحية يلتقي الحاضرون عند أهمية وجود شكاوى وصدور قرارات بصددها، فمجرد شعور المعنيين أنهم تحت الرقابة والمحاسبة سيدفعهم الى الحذر. غير أن هذا التوجه في الحل لا يبدو ملامساً لواقع أغلب الموجودين في مثل هذه الحالات. يتساءل أمين عام "عدل ورحمة" المحامي زياد عاشور عن مدى "صعوبة إقناع شخص وقع عليه هذا الظلم أن يعود ليلجأ إلى المحاسبة القانونية، لا سيما أن الأشخاص الذين تتم زيارتهم في السجون ليس لديهم القدرة على تعيين محامين".

تباطؤ في الهيئة الإتهامية

أن "تحتفظ الهيئة الإتهامية بملف المتهم وترد كافة طلباته، أو أن تتحفظ على البت بالطلب المقدم من قبل وتتوسع بالتحقيق" هي ممارسات تؤدي الى بقاء أشخاص قيد الاحتجاز التعسفي لأشهر وحتى لما يزيد عن سنة. ذلك أن "التأخير في بت الطلبات وإصدار القرارات الظنية ومضابط الإتهام" بحد ذاتها اشكالية. كذلك الأمر بالنسبة لـ “إطالة أمد الإحتجاز والتوقيف" في المخافر ومفارز القوى الأمنية بما يتجاوز المهل القانونية (…).في سياق مشابه، يبقى كثر قيد الإحتجاز بسبب "تعثر إخلاء سبيلهم ما بين النيابة العامة وقضاء التحقيق والهيئة الاتهامية ومحكمة الجنايات واختلاف تطبيقها (أي إخلاءات السبيل) بين محكمة وأخرى". فقد تتأخر الهيئة الإتهامية بالبت بطلب إخلاء سبيل لما يزيد عن 3 أشهر. كما قد يبقى موقوف بتهمة تعاطي مخدرات موقوفاً 9 أشهر، 5 منها عبارة عن تأخر النيابة العامة بإتمام التبليغات اللازمة لوصوله الى محكمة الجنايات.

هذه المسألة، بالنسبة للقاضي فادي العريضي يجب أن تناقش من زاوية "العقوبة الرادعة" بالتالي في حلول لتسريع المحاكمات، لا سيما في الجنايات، بدلاً من الذهاب الى العمل على اخلاءات سبيل الموقوفين بغض النظر عن الحالة والجريمة المرتكبة. هذه المشكلة، تعكسها الإشكالية الأخيرة التي طرحتها "عدل ورحمة": "غياب الإنسجام والرؤية في إعادة النظر بالعقوبة". وهي تتعلق بمسألتين: غياب النص وتخبط الإجتهاد بالنسبة لإدغام العقوبات، هذا من جهة، وتنفيذ العقوبات من جهة أخرى.

تلاشي قوة العقوبات الرادعة في إدغامها

يعترض أبي نادر على لجوء القضاء الواسع الى إدغام العقوبات، حتى بات أخطر المجرمين يستفيدون من سنوات سجن قليلة بعد ادغام عقوباتهم. ويلفت في هذا الإطار إلى ضرورة تجنب تصنيف الجرائم بين ما هو فعال وما هو غير فعال، "فاليوم في لبنان لم يعد هناك أي جرم فعال". يضيف أبي نادر "صار حقنا سكين".

التعامل مع مشكلة السجون لا يتم أبداً من خلال التوسع في منح الإدغام لمرتكبي الجرائم. بل على العكس من ذلك، يكون من خلال سياسة عقابية تؤهل المحكوم عليهم. تعتبر رئيسة محكمة الجزاء في طرابلس القاضية نازك الخطيب أن مسألة إدغام العقوبات نفسها لا يمكن مناقشتها الا في إطار سياسة عقابية متكاملة، وتحديد أطر السلطة الاستنسابية التي يتمتع بها القاضي بالنسبة لقرار ادغام العقوبات.

تروي الخطيب تجربتها الشخصية بعد أن زارت سجن القبة في طرابلس: "مشاهدتي لظروف حياة المساجين بات يدفعني للتساهل". والمقصود بالتساهل، تبني التوجه العام في الإجتهاد لناحية ادغام العقوبات من دون الذهاب لتفصيل كل حالة على حدة.  وتبرر الخطيب هذا التوجه بكونها "انسان وأنا أتعاطف معهم". بالتالي، تجد الخطيب أن السلطة الاستنسابية الواسعة في موضوع ادغام العقوبات، في ظل ظروف السجون غير الإنسانية يدفع القاضي للتعاطف ويعبر عن ذلك من خلال تقصير الفترة التي يقضيها السجين في مثل هذه الظروف. بالمقابل تعتبر أن وضع معايير واضحة تحد من الاستنسابية تمنع هذا التعاطف، الا أن  ذلك لا يمكن أن يتم الا "في إطار سياسة عقابية يتمتع السجين في اطارها بحقوقه".

تفعيل عمل لجنة تنفيذ العقوبات، من المسائل المهمة التي طرحت على صعيد تفعيل سياسة عقابية تساعد على التأهيل. وتنظر هذه اللجنة بتخفيض عقوبات المساجين حسني السلوك والسيرة على ضوء دراسة مفصلة لحالتهم الصحية والنفسية والاجتماعية. ووفقاً لأبي نادر أصدرت اللجنة 80 قرار تخفيض عقوبة. الا أن غياب الرؤية الموحدة بالنسبة لإعادة النظر بالعقوبة، وفقاً لما تبينه الحالات التي عرضتها "عدل ورحمة"، تؤدي الى تباين بين قرارات محكمة الاستئناف وقرارات اللجنة التي تدرس واقع السجين نفسها.
 
أرقام وزارة العدل

يشارك أبي نادر مع الحاضرين مجموعة من الأرقام التي تعبر عن واقع السجون في لبنان، وتتطرق لأعداد المساجين من الجنسية السورية بشكل خاص، ذلك أن ورشة العمل تأتي في إطار "تنفيذ مشروع تقديم الدعم القانوني للاجئين السوريين في لبنان". يتمّ احتجاز 6338 سجيناً في 23 سجناً يتسع لـ 3000 شخصاً، لا تشملهم سجون وزارة الدفاع ولا نظارات الأمن العام. وقد زاد هذا الرقم عن عام 2011، 1170 سجيناً أي ما يعادل 22%. في السجون الـ 23 يوجد 21% من السجناء أجانب، ويوجد 1367 شخص من الجنسية السورية، من بينهم 13 فقط تم توقيفهم بجرم الدخول خلسة حصراً. أما الآخرون فهم موقوفون بموجب جرم آخر أيضاً. أما بالنسبة للأحداث، نسبة من هم تحت الـ18 من السوريين هي 40%.

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية