“الأنصار والمهاجرون الجدد وأهل البيت” في سياسة الحكم بتونس اليوم


2023-09-05    |   

“الأنصار والمهاجرون الجدد وأهل البيت” في سياسة الحكم بتونس اليوم
رسم عثمان سلمي

هل يمكن تحديد تاريخ بدأ فيه تدخل عائلة الحاكم في شؤون الحكم؟ وتاريخ آخر لشروع أنصار الحكم في الصراع مع عائلته، أو فيما بينهم، بين الأنصار الأوائل والقادمين إلى دائرة التأثير لاحقا؟ هذه ظاهرة أنثروبولوجية في الحقيقة، نملك شواهد على وجودها، ولكننا لا نستطيع تحديد نشوئها على وجه الدقة، حيث تكاد ترتبط بجوهر ممارسة الحكم بالمطلق. لم تنقطع هذه الظاهرة بخروج أنظمة الحكم من الطابع الملكي أو السلطاني، حيث نجدها ضمن ظواهر أخرى ورثتها الأنظمة الجمهورية عن تلك التي سبقتها. ما حصل في الغالب، هو أن العائلة التي كانت تجد نفسها ضمن دائرة الحكم بصفة طبيعية، أصبحت في النظام السياسي الجمهوري تحتال من أجل أن يبدو ظهورها وتأثيرها أمرا متناسقا مع شكل الحكم الجمهوري، بما يعنيه ذلك من التأثير من خلال مؤسساته نفسها. لا يشذ النموذج التونسي في الفترة المعاصرة عن هذه الاعتبارات العامة، حيث استطاعت العائلة في معظم الحالات الاحتفاظ بتأثير كبير على توجهات الحكم، والتلاؤم مع الضرورات التي تفرضها الشرعية غير القبْلية في النظام الجمهوري. لقد وقع هذا التلاؤم بأشكال مختلفة، متخذا أنساق سرعة متباينة بحسب عُمر الحكم وتناقضاته الداخلية. لم يحصل ذلك في الحقيقة إلا على حساب دوائر تأثير أخرى، وخاصة دائرة الأنصار الذين رفعوا الحاكم لدفة الحكم، وحققوا له الشوكة المطلوبة لاستقرار حكمه.

الأنصار: عصبية الحكم السائلة

يظل الأنصار محيطين بالزعيم طالما احتاج الزعيم ذلك، أي خلال مسيرة التمكين للحكم. إن أصعب المراحل هي تلك التي تبدأ عندما تندب مجموعة من الأشخاص نفسها لإنشاء حكم جديد يحدث نوعا من القطيعة مع الذي سبقه. في التاريخ التونسي المعاصر وقع ذلك مع تجربة الحركة الوطنية بداية من منتصف الثلاثينات خصوصا. لقد استغرق بناء عصبية جديدة حوالي العشرين عاما، حيث وقع امتحان الأنصار ليس في “وطنيتهم” فحسب، بل في ولائهم للزعيم أيضا. ستكون الدولة غنيمة الناجحين في هذا الامتحان، وخصوصا أولئك الذين استطاعوا الاقتناع بأن الولاء للزعيم مكون أساسي في الشعور الوطني.

داخل دائرة الأنصار، وبعد إقرار فرنسا بالتوجه نحو منح تونس استقلالها الداخلي (خطاب منداس فرانس في قرطاج بتاريخ 31 جويلية 1954)، ولكن خاصة بعد ترؤس الحبيب بورقيبة لأول حكومة بعد انتخابات المجلس التأسيسي ثم إعلانه الجمهورية وترؤسها، سيكون هناك تبرّم شديد بجحافل الملتحقين الجدد بالحزب، ما سيؤدي إلى خلق تراتبية معقدة داخله تهدف إلى حفظ حقوق الأقدمين، أنصار زمن العُسْرة.

من جهة نظام الحكم، فإنّ الانتقال من مرحلة المعارضة إلى مرحلة الحكم كان يقتضي تحوّلا في العلاقة بالأنصار الأوائل. لقد كانت هناك حاجة إلى جماعة متحدة صلبة حول الزعيم في فترة الكفاح من أجل الوصول للسلطة، لكن تسيير دولة كان يقتضي توسيع قاعدة الحكم وتقديم الترضيات وتأليف القلوب، ما كان يعني دائما زحف جحافل جديدة إلى دائرة الحكم، وبالتالي زعزعة مكانة الأنصار الأوائل. فيما عدا ذلك، فإن الزعيم يحكم على نفسه بالانعزال عن أوسع الفئات في المجتمع، ويوسِمُ حكمه بهشاشة هيكلية. هذه حاجة صميمة للدولة لا يمكن أن تتجاهلها أبدا. مأسسة الحكم تقتضي توسيع العصبية، وبالتالي تسييلها. كذلك، فإنّ حاجات الحكم تقتضي نوعا من الابتعاد التدريجي عن الأفكار المؤسسة للجماعة الأولى، أو فلنقل تسييلا لها في قوالب أوسع تتطابق مع الحاجة لتوسيع قاعدة الحكم.

يخرج الأنصار الأوائل خاسرين باستمرار من هذا التحدي، حيث يجدون أنفسهم في دوائر أبعد فأبعد عن مركز الحكم، بل وعن الأفكار الرئيسية التي كوّنت الجماعة حول الزعيم في مرحلة ما قبل التمكين. إنّ ما يسميه الأنصار “هجوم الانتهازيين” على حقل السلطة، يسمّيه الزعيم ضرورات حكم، ومنطق دولة تحتاج هؤلاء الذين يبدون انتهازيين، سواء كانوا تكنوقراط أو عارضي خدمات. أما ما يسمّيه الأنصار وفاء “للمشروع الأول” فيسمّيه الحاكم “انغلاقا” يمكن أن يهدد المشروع في أسسه.

يعيش أنصار قيس سعيد وتنسيقياته اليوم نفس ما عاشه أنصار بورقيبة بدءا من منتصف خمسينات القرن الماضي. بل إنّ افتقاد هؤلاء لتنظيم عمودي وهيكلة صارمة تجعلهم عاجزين عن مجاراة منطق تسييل العصبية الذي يحصل اليوم بغضّ النظر عن إرادة قيس سعيد، لأنه منطق أساسي لكلّ حكم. يقع إرضاء الأنصار أحيانا ببعض المواقع، ويُوحى إليهم بأن آراءهم السياسية هامة، وأن الزعيم لا يزال وفيّا لها، ما يعني تواصل احترامه للالتزام الأخلاقي القديم. فعليّا، فإنّ الشكل التنظيمي الأفقي لأنصار الرئيس يساهم في مزيد تسييل العصبية التي حملته للحكم، بل إن النّواتات التنظيمية المتعددة والمتوازية تسمح له بحرية تصرف واسعة تمنحه القدرة حتى على تسييل ذلك الالتزام الأخلاقي وتمييع الرابطة التنظيمية إلى الحد الأقصى.

يحصل ذلك اليوم عبر تضاؤل مساحة الاستشارة التي يمنحها قيس سعيد لأنصاره وتنسيقياته، وسيطرة الأجهزة على اختياراته الرئيسية والثانوية، وترسيخ واقع جديد تصبح معه الأجهزة الصلبة للدولة عصبية النظام الجديدة، ما يحكم على دور الأنصار الأوائل بمزيد من الهامشية. لقد فشل الأنصار في امتحانات عديدة منذ تصعيدهم قيس سعيد للرئاسة قبل أربع سنوات، وربما كان ذلك مبرّرا للتوقف عن أخذهم مأخذ الجد: نسبة ضعيفة من المشاركين في استفتاء الدستور الجديد، نسبة أضعف من الضعف في انتخابات مجلس النواب، وقدرة توازي الصفر على التعبئة والتحشيد حتى عندما كان الرئيس يلحّ في حاجته لذلك في مواجهة خصومه.

تتضاعف حظوظ نجاح الزعيم في الانعتاق من ربقة أنصاره في السياق الشعبوي، حيث تقدم الشعبوية نفسها ما يكفي من المبررات لتحقيق هذا التحرر. الزعيم الشعبوي بمنطق أنصاره أنفسهم هوروح الشعب، والمعبّر الأوحد عن إرادته. يصبح لهذا العنصر تاليًا قوة أخلاقية أضخم من تلك التي تقتضي ولاء الزعيم لتنسيقيات أنصاره والأفكار التي انصهر فيها معهم. هو إذا “روح الشعب” بغض النظر عن أيّ فئة بعينها. يحصل الانعتاق إذًا بطريقة حتمية، وتزيد في ترسيخها رابطة التحالف مع القوى الحقيقية التي تحكم الدولة في منطق تسييرها العام: القوى الصلبة وأجهزتها والإدارة، وكل الانتهازيين المستعدّين لتقديم ما يستطيعونه من خدمات بفعل “التجربة”.

من دون أي تعاطف حقيقي من جانب الزعيم روح الشعب، يجد الأنصار الأوائل أنفسهم في مواجهة الجميع: الزعيم نفسه فعليا عبر سياساته الانعتاقية بحكم الواقعية وأخلاقية “الالتزام بالشعب”، وأجهزة الدولة التي تعمل على حماية سلطاتها القديمة وعلى تقديم ضمانات البقاء في السلطة للزعيم وحمايته من منافسيه وخصومه، والعائلة التي تحيط بالزعيم وتقوم فعليا بالتأثير على التحكيم الذي يقوم به الزعيم بين هذه القوى. عندما تكتشف العائلة ميزان القوى الحقيقي على الأرض بعيدا عن أيّ بروباغندا، فإنّ تحالفها مع الأجهزة تحت غطاء “منطق الدولة” يصبح قرارا عقلانيا مبرّرا يزيد في ابتعاد الزعيم عن أنصاره. لقد خرج هؤلاء باستمرار خاسرين في مواجهة موازين قوى مماثلة.

المهاجرون: التهام الفراغ

إنّ تغيير أيّ نظام حكم هي فرصة لدوائر واسعة من أجل ولوج حقل السلطة أخيرا، وتحدّ أمام قوى قديمة مستقرة في الدولة لتقديم الأدلة على حاجة السلطة الجديدة إليها. لكن هناك في خضم ذلك كله عملية تصفية لابدّ من حصولها تجاه النواتات الرئيسية للحكم السابق المنهار. تفسح عملية التصفية تلك المجال للحكم الجديد ليس فقط للتمكين، وإنما لإعلان شغورات عديدة، وللقول بأنّ الأبواب أصبحت مُشرّعة للأنصار حتى يأخذوا نصيبهم من الدولة. في هذا السباق نحو الأبواب المُشرعة، يقع تجاوز الأنصار بسرعة من قبل الأكثر تجربة، والأكثر انتهازية.

سمح الانقلاب الطبي الذي أنجزه زين العابدين بن علي بتجديد نظام الحكم، وحصوله على شرعية مزدوجة متأتّية من قوة الأمر الواقع ومن تجديد هياكل الحكم، وبالأخصّ الحزب الحاكم. سيعلن الجميع داخل الحزب الذي تغلّب عليه الانتهازيون والباحثون عن المواقع وريع السلطة منذ منتصف السبعينات، الولاء لرئيس النظام الجديد. سيتوجب على بن علي تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية تجعل حكمه مكتمل الشرعية، قبل أن يقع الانزياح الكبير نحو نظام يتقاسم التأثير فيه البيرقراطيون وأجهزة الدولة الصلبة.

لم يعدْ الحزب مصدرا لشرعيّة الحكم، بل واصل تطورّه نحو أن يصبح مجرد هيكل لتأطير الجمهور ومراقبته، مثل بقية المؤسسات الأخرى في الدولة وبخاصة المؤسسة الأمنية. تقنيا، سيُعوّل بن علي طيلة حكمه على البيرقراطيين والتكنوقراط لإدارة المؤسسات الظاهرة من حكومة ودواوين ومؤسسات عمومية، محدثا ازدواجية في التسيير الإداري للدولة جسمها وجود حكومة ظلّ في القصر تتألف من مستشارين كانوا أصحاب القرار الحقيقي في الدولة.

لقد جاء بن علي من المؤسسة الأمنية بالذات، مع صفة عسكرية أكيدة. كان ذلك قد حدّد في جانب كبير طبيعة القوى التي اعتقد أنّها أكثر فائدة له من غيرها في ترسيخ حكمه. كانت القوى الصلبة للدولة التي مكّنت نظام بورقيبة من الاستمرار منذ منتصف السبعينات بالخصوص أوّلَ المهاجرين لحمى النظام الجديد وقد تمّ ذلك بيُسر وسلاسة كبيرتيْن. ثم كان هناك التكنوقراط، وقد مثّل إحلال هؤلاء في مواقع الحكم الرسمية جزءا رئيسيا من عقلانية النظام الجديد بما بدا قطعا مع الإرتجال الذي وسم التعيينات الوزارية في السنوات الأخيرة من حكم بورقيبة. حصل ذلك بالموازاة مع عملية تصفية في الدائرة التي صنعت نجاح انقلاب بن علي، حيث تخلص في ظرف أقل من سنتين من العقل السياسي للإنقلاب، الهادي البكوش، ثم ألقى ببقية الشركاء الأوائل في مواقع هامشية قلصت من سلطاتهم ليستفرد بصفة شخصية بالقرار.

لكن هجرة أخرى كانت قد وقعت، حيث التحقت بالنظام الجديد عناصر ذات خلفية إيديولوجية يساريّة اعتقدت ليس فقط أنّ النظام يحتاج إليها، بل أن بإمكانها أيضا الحصول على مساحات قرار معتبرة من خلال المواقع التي فتحت أمامها في الدولة، عبر الحزب الذي ظلّ حاكما وإن إسميّا، وعبر الإدارة. واصل ذلك مسيرة تهميش الحزب الحاكم (أصبح في الأثناء يسمّى “دستوريّا ديمقراطيا”) الذي وجد نفسه مُزاحَما من قبل أحزاب جديدة اصطنعها النظام، فبدا حقل السلطة متشظّيا في الظاهر أمام الأنصار، ولكن شديد التمركز حول زعيم الإنقلاب في الواقع. حوّلت الطبيعة الأمنية للنظام ونوع القوى التي اعتمد عليها لترسيخ حكمه الحزب الحاكم إلى مجرد جهاز من المُخبرين يعتقد منتسبوه أنهم في الحكم. كان ذلك كل ما بقي من سليل حركة التحرر التي انطلقت في ثلاثينات القرن المنقضي.

هذا مما يفسر الانهيار الفجائي والمتسارع لنظام بن علي في منتصف جانفي 2011: إن طبيعة القوى التي وقفت خلفه قد وقع تهميشها ولم تمنح من السلطات إلا ما كان يسمح للنظام بالاستمرار، في حين أفلت الريع منها تماما ليستقرّ بين أيدي العائلة والأصهار. لكنّ ذلك التحوّل سيفتح أمام هذه القوى عهدا من التّيه الذي تواصل عشر سنوات. إن أكثر ما يرهق الأجهزة الصلبة هو وقوفها على أرض رخوة، وعدم قدرتها على توقع ما سيحصل، وتاليًا العجز عن استباق ما سيحدث واختيار الجانب الذي ستقف فيه. لقد سمحت لها الديمقراطية بجعل هذا الانتظار نوعا من التمرين ومنحها وقتا ثمينا أتقنت فيه التلاؤم مع ما كان غير متوقع، الديمقراطية.

تستقرّ الأجهزة الصلبة اليوم تماما في الحكم، وتستعيد (مع فوضى ظاهرية ولكن محدودة) سطوتها القديمة. إن إحدى ميزات هذه الأجهزة في تونس مقارنة بغيرها من البلاد المشابهة أنها لم تكن من يطلق صافرة نهاية اللعبة، ولكن أنّها كانت باستمرار خلف من يملك الصافرة ويطلقها في منعرج معين، عندما تحين اللحظة. تعرف هذه الأجهزة كل شيء تقريبا، وخصوصا موازين القوى على الأرض، وتدفع الحاكم الجديد في كل مرة للاقتناع بأنها القوة الوحيدة القادرة على استبقائه، بغض النظر عما يتهيّأ للجميع وخصوصا للأنصار.

تعرف هذه الأجهزة اليوم بخبرتها الراسخة أنّ المجال فُتح أمامها كليا عندما أُطلقت الصافرة قبل عاميْن مُنهية الحكم الديمقراطي، وأن الأنصار وأصحاب الأفكار والتهيؤات والتهويمات والخطابات ليسوا في المحصلة سوى بهارات للبروباغندا الضرورية حتى يشعر زعيم النظام “بالعمق الفلسفي” المطلوب لعهده السعيد. تلتقي السلطوية الكامنة في منطق الأجهزة بسلطوية فلسفية وأخلاقية تحملها أفكار العهد الجديد، وتتمعش من ريع الضجر لدى الجمهور من الديمقراطية الليبرالية الفاشلة، فتترسخ سلطوية مضاعفة التركيز تستفيد من الواقع الجديد لإعادة الأمور لنصابها القديم، قبل “كارثة الثورة”. يتم ذلك كله بجُرعة ضرورية من الفولكلور السياسي توهم بأن المؤسسات التمثيلية القديمة أصبحت فعلا غير ذات جدوى لأن “الشعب” قرر ذلك، أو بأن الأمر يتعلق بمجرد الانصياع لدستور “خطه الشعب على الجدران”، فمن يدري ماذا يحصل غدا؟

أهل البيت: “كربلاء” الحُكم

كانت العائلة الحقيقية لبورقيبة حرمه وسيلة، أو الماجدة كما أصبحت تسميتها الرسمية منذ زواجه منها. كُتب عن تأثير الماجدة على الزعيم بورقيبة الكثير، حيث بدت باتّساع نفوذها وتعاظمه إلى منتصف الثمانينات وكأنها المحدد الأساسي في السياسة التونسية، داخليا وخارجيا. أسقطت الماجدة حكومات، وأقامت أخرى، وخفّفت توترات إقليمية ودولية عديدة، مكرّرة بشكل أكثر جدوى وتأثيرا ما كانت تقوم به “للاّ قمر”، في بلاط الحسينيين طيلة عقود من حكمهم تحت الحماية.

لم يكن للماجدة أيّ منصب رسمي، لكنها كانت الأكثر تأثيرا بعد بورقيبة، بل وقبله في آخر سنوات حكمه. ستبقى الأمور مستقرة نسبيا إلى حين دخول عناصر عائلية أخرى دائرة القصر متمثلة في ابنتي شقيقتي بورقيبة. أدى صراع القصور إلى طلاق بورقيبة من الماجدة أشهرا قبل الإطاحة به، وحلول ابنة شقيقته سعيدة ساسي مكانها، وهو ما فتح الباب لممارسات دمرت كل الرصيد الأخلاقي للحكم البورقيبي وستؤدي به إلى السقوط بعد ذلك بسبب انقلاب طبي قاده رئيس حكومته زين العابدين بن علي، حليف ابنة الشقيقة والرجل القوي الصاعد منذ أحداث ثورة الخبز في 1984. لم تكن العائلة حتما سبب التعفّن الوحيد في نظام بورقيبة، بل التقاء تدخلها مع حالة الشيخوخة والعجز التي أصابت الرئيس، وظهور مراكز قوى استفادت من الفوضى المحيطة بمركز الحكم، وحصّنت مواقعها داخل الأجهزة الصلبة للدولة بما مكنها من إخضاع الجميع لمشيئتها في النهاية.

إن من عناصر استقرار الحكم هي قدرة العائلة، عندما يتعلّق الأمر بمنظومة غير ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، على القيام بوظيفة التحكيم بين القوى المتصارعة داخل حقل السلطة أو على تخومها. يهدف التحكيم في الغالب إلى المحافظة على ميزان القوى مستقرا، بما يمنح الحكم قدرة على التمكين والبقاء. لذلك فإن اختلال العائلة وانقسامها وتفجر الصراعات داخلها، يكون في الأغلب مؤشرا على ضياع دور التحكيم، وفقدان السلطة توازنها وقدرتها على التحكم في النزاعات التي تنشأ بين القوى المساندة لحكمها. يحصل هذا الاختلال عندما لا تكتفي العائلة بالريع السياسي للحكم، وتلقي بنفسها في الصراع على المصالح في مجال الريع الاقتصادي. يطلق على ذلك عادة اسم “انخراط العائلة في الفساد”، حيث تترأس شبكة المنافع، وتُمسي غير قادرة على القيام بالدور الأول، التحكيم. هذا هو الفارق الحقيقي والكبير بين الماجدة وليلى بن علي، ففي حين كانت الأولى تشكل درع حماية لبورقيبة من أخطاء القيادة المحتملة، ترضي الغاضبين وتبعد الطامعين المتعجّلين، فإن ليلى بن علي غير الممتلكة لأي تجربة أو كاريزما، قد سقطت بسرعة متناهية في فخ المال السهل الذي تتيحه أي سلطة مستبدة فيبدأ بذلك تحولها إلى سلطة مستبدة وفاسدة.

ما هو دور الشيخوخة وبقية العوامل النفسية التي تخترق الحاكم والتي تجعل من العائلة ملجأه الأخير؟ دور كبير بلا شك. إن المقارنة بين تجربتي بورقيبة وقايد السبسي هنا بليغة جدا. كيف استطاعت ابنة أخت بورقيبة استبعاد “عقل الحكم” الذي مثلته بصورة ما الماجدة، وأحلت محله كل تلك الفوضى لو لم تكن الشيخوخة وأحكامها؟ وكيف استطاعت عائلة قايد السبسي دفعه إلى العزلة القاتلة التي أنهى فيها أيامه الأخيرة لو لم تكن أيضا الشيخوخة وعدم القدرة على التمييز بين دواعي القلب وما يفرضه عقل الدولة الراجح؟ بل كيف استطاعت ليلى بن علي ابتزاز زوجها القوي بابنهما الوحيد فأسرته إلى النهاية في المستنقع الذي كان فيه غرقه؟ وأكثر من ذلك، كيف يتعامل الأصهار اليوم مع أزمة الحكم الواضحة وإن ظلت غير معلنة؟ وكيف ستكون تداعيات سلوكهم على مستقبل النظام نفسه؟

هناك في العائلة ذلك المكون الأصلي الذي تمثله الزوجة، حيث يكون التأثير في الأصل بهدف حماية الزعيم من أكثر المخاطر قربا من كرسيّه وفراشه، مثلما يحتاج المقاتل للدرع تماما. إن وجود خرق واسع في هذا الدرع يعني أن السهام ستكون أكثر قدرة على الاختراق والقتل، وهو ما حصل مع ليلى بن علي. أما المكون الثاني، فهم الأصهار. يأتي هؤلاء في الغالب للتمعّش من القرابة، ويسلطون على العائلة الأولى ضغوطا يصعب عليها جدا أن تصُدّها. إن أقرب طريق يحمل السلطة إلى حتفها هم الأصهار. وفي حين تعرف الزوجة والأبناء أن مصيرهم قد ارتبط نهائيا برئيس السلطة، فإن الأصهار يعتقدون أن تأثيرهم من داخل مساحات الظل، وعدم تحملهم مسؤوليات رسمية، يجعلهم ينجون دوما حتى عندما يسقط النظام. كان أشقاء ليلى أول الفارين أو من حاول الفرار إلى الخارج عشية 14 جانفي 2011. هذا هو السلوك الكلاسيكي للأصهار في الغالب عندما يسقط حكم مستبد أو فاسد، أو مستبد وفاسد.

كيف استطاع قايد السبسي إلقاء حلفائه على قارعة الطريق عند أول فرصة، بل وتدمير حزبه الذي فاز في 2014 بكل الانتخابات، من أجل عينيْ إبنه؟ كيف ألقى بالأنصار جميعا من النافذة عندما بدا له إمكان توريث نجْله المجد الذي بناه بعد كل تلك السنوات الصعبة؟ وقبل قايد السبسي، كيف سقطت في لحظة واحدة وبالجهد الأدنى نسبيا منظومة بمثل قوة منظومة ابن علي، لو لم يكن التعفن الشديد الذي أحدثه الأصهار الجشعُون؟ إن للقلب في السياسة مكانة طاغية عندما يخف عقل الدولة، فتسير إلى كربلائها المحتومة، بعد أن يكون الأنصار قد فقدوا أملهم وحماسهم، وضاعت البيعة التي كانت للحكم في أعناقهم، فينهار كل شيء ويصبح رأس السلطة مجرّد لعبة يلهو بها “المهاجرون” المتربّصون بأصنافهم، وينكؤونها عندما تأتي اللحظة برماحهم المتخفية بإحكام تحت جُبة السمع والطاعة .

انشر المقال

متوفر من خلال:

لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية