اقتراح قانون للحدّ من الدّفوع الشّكلية “التعسفية”:4 ملاحظات حول المنهجية ومثلها في المضمون


2023-08-22    |   

اقتراح قانون للحدّ من الدّفوع الشّكلية “التعسفية”:4   ملاحظات حول المنهجية ومثلها في المضمون

أقرّت[1]  لجنة الإدارة والعدل في تاريخ 25/10/2022  اقتراح قانون يهدف إلى تعديل أصول تقديم دفوع شكلية[2]  في الدعاوى الجزائية، أي الدفوع التي يكون بإمكان المدعى عليه أن يقدمها قبل البدء باستجوابه (المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية). وكان الاقتراح تم تقديمه في تاريخ 21/6/2021 أي خلال الولاية السابقة من قبل تسعة نوّاب يمثلون كتلاً مختلفة هم ميشال موسى وحسن عزّ الدين وإبراهيم الموسوي ومحمد القرعاوي وإبراهيم عازار وسيمون أبي رميا وأسعد درغام ورولا الطبش وجورج عقيص.

يهدف هذا الاقتراح بحسب ما جاء في أسبابه الموجبة إلى الموازاة بين الحفاظ على مؤسسة الدفوع الشكلية لما لها من أهمية في احترام حقوق الدفاع من جهة، والتأكيد على حسن استعمال تلك الدفوع لتحسين سير العدالة أي منع استغلالها بهدف المماطلة وتأخير إجراءات التحقيق والمحاكمة في الجرائم.

ومن أهم ما تضمنه الاقتراح:

  1. الحدّ من طرق الطعن في القرارات المتصلة بالدفوع الشكلية، وتحديدا عدم قبول التمييز ضد القرار الاستئنافي بالبتّ بالدفوع الشكلية إلا في حالة الاختلاف بين المرجعين الابتدائي والاستئنافي حول قبول الدفوع أو ردها،
  2. الحدّ من مفاعيل الطعون المقدمة ضد هذه القرارات من خلال وضع أنّ الاستئناف والتمييز لا يوقفان سير التحقيق إلا إذا قرر المرجع القضائي الناظر فيهما خلاف ذلك. إلا أن اللجنة ألغت هذه الإضافة لتفرض بالمقابل على المحاكم المعنية بت الدفوع الشكلية خلال 10 أيام من تقديمها إليها، 
  3. التأكيد على وجوب البتّ بالدفع الشكلي قبل البحث في أساس النزاع، مما يؤدي إلى وقف قرارات ضمّ الدفوع الشكلية إلى الأساس، وهي ممارسة شائعة حالياً أمام العديد من المراجع القضائية.

وفيما نصّت الأسباب الموجبة على أنّ الاقتراح وضع “للتأكيد على عدم إمكانية التقدم بالدفوع إلا مرة واحدة أمام أيّ من المراجع الجزائية دون إمكانية الإدلاء بها في ما بعد أمام المراجع الأخرى منعًا للمماطلة، طالما لم يستجد أيّ أمر يبرر التقدم بدفوع شكلية جديدة”، إلّا أنّ هذا الأمر لم يظهر في متن الاقتراح.

وبعد إحالة الاقتراح إلى لجنة الإدارة والعدل التي درسته بحضور ممثلين عن وزارة العدل هما القاضيين أرليت تابت وإيلي الحلو اللذين أبديا عددًا من الملاحظات، تم إضافة تعديلات عدة أبرزها الآتية:

4. شطب “الدفع بكون الفعل المدعى به لا يشكل جرمًا معاقبًا عليه في القانون” من لائحة الدفوع الشكلية، واللافت أننا نجد الشطب في نص الاقتراح فيما أن اللجنة كانت أعلنت في تقريرها رفضها له،

5. استبدال الدفع الشكلي الوارد في البند 5 حيث بات ينصّ على “الدفع بسبق الملاحقة والحكم” بعد أن كان ينصّ على “الدفع بسبق الادّعاء أو بالتلازم”،

6. تمّ وضع مهل للجواب على الدفوع الشكلية وبتها، وهي على التوالي أسبوعين للمدعي الشخصي والنيابة العامة وأسبوعين لقاضي التحقيق من تاريخ إيداعه الملف من قبل النيابة العامة، تحت طائلة اعتباره مستنكفًا عن إحقاق الحق،

يستدعي هذا الاقتراح ملاحظات عدّة تتعلّق بمنهجيّة التشريع أوّلاً وبمضمونه ثانياً:

أولًا: ملاحظات بشأن منهجية التشريع المعتمدة:

  1. غياب التشاركية في مناقشة الاقتراح

بالرغم من المفاعيل القضائية والحقوقية الهامّة التي يتناولها هذا الاقتراح، إلّا أنّه خلا من أية مشاركة للهيئات الفاعلة والمعنية به، باستثناء ممثلي وزارة العدل، والتي كان يقتضي إشراكها في النقاش نظرًا لخبرتها العملية والمنظار المختلف الذي قد تعالج من خلاله الموضوع. ومن أبرز الهيئات المستبعدة، نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس ومجلس القضاء الأعلى الذين كان لهم دورٌ أساسيّ في نقاشات لجنة الإدارة والعدل المتّصلة بالقانون الأساسي الرقم 328/2001؛ بالإضافة إلى هيئات المجتمع المدني المعنية بالأمر.

كذلك، نلفت النظر إلى عدم نشر الملاحظات الخطية المقدمة من قبل ممثلي وزارة العدل، المشار إليها في تقرير لجنة الإدارة والعدل، ممّا يضفي الطابع السري على مداولات اللجان داخل مجلس النواب، وهو أمر يتعارض مع الحد الأدنى من شفافية العملية التشريعية.

2. التناقض بين الأسباب الموجبة للاقتراح ومضمونه

يتبين من الرجوع إلى الأسباب الموجبة التي وضعها مقدمو الاقتراح أنّ الهدف منه هو التأكيد على عدم إمكانية التقدم بالدفوع إلا مرة واحدة منعًا للمماطلة كما أشرنا أعلاه. إلا أنّه بمراجعة المادة المقترحة الأساسية وتلك المعدلة من قبل لجنة الإدارة والعدل نجدها خاليةً من أيّة إضافة أو إشارة صريحةٍ أو ضمنية إلى ذلك، الأمر الذي يدلّ على الاستسهال والتقصير في صياغة الاقتراح.

كما نلحظ أنّ لجنة الإدارة والعدل، بالرغم من تعديلها لمضمون المادة المقدمة بالاقتراح الأساسي وإضافة عدد من الفقرات إليها، إلّا أنّها استنسخت الأسباب الموجبة المقدّمة مع الاقتراح الأساسي نفسها، ولم تعمل على تعديلها تماشيًا مع النص الجديد المقترح من قبلها، ممّا جعل التناقض جليًّا بين الأسباب الموجبة والمادة المقترحة بصيغتها النهائية.

3. التناقض بين تقرير لجنة الإدارة والعدل ومضمون الاقتراح الصادر عنها

يشير تقرير لجنة الإدارة والعدل إلى أن اللجنة ناقشت البند 4 من لائحة الدفوع الشكلية، وبناء على ذلك قرّرت “تعليق شطب هذا البند من لائحة الدفوع الشكلية”، ولكن بمراجعة الاقتراح الصادر عن اللجنة بصيغته النهائية بعد التعديل، نجد أنّ البند المذكور قد حذف.

4. غياب المراجعة الشاملة لأصول المحاكمات الجزائية

بمراجعة قانون أصول المحاكمات الجزائية، نلحظ أنّ إقرار تعديل المادة 73 منه بالصيغة التي اعتمدتها لجنة الإدارة والعدل قد يخلق التباسًا في التطبيق، نظرًا لعدم تعديل بعض مواد القانون التي تتعارض مع التعديل المقترح. يعود ذلك إلى غياب المراجعة الشاملة للقانون والتي تعتبر مقدّمةً أساسيّةً في عملية التشريع السليم تفاديًا للوقوع في التناقض بين النصوص والالتباس حولها. فعلى سبيل المثال، إن المهلة الممنوحة للمدعي الشخصي والنيابة العامة للجواب على الدفوع الشكلية، والمحدّدة بأسبوعين في الاقتراح، تتناقض مع المادة 157 التي تحدد هذه المهلة بخمسة أيام أمام القاضي المنفرد الجزائي، مع العلم أن الفقرة الأخيرة من الاقتراح تنص على أن هذه المادة تطبق أمام كافة المراجع الجزائية التي يجوز تقديم الدفوع الشكلية أمامها.

ثانيًا: ملاحظات بشأن مضمون الاقتراح:

  1. إلغاء البند 4: تفسير خاطئ للقانون

جاء في تقرير لجنة الإدارة والعدل أنّ  الدفع على أساس البند 4 من لائحة الدفوع الشكلية والتي تجيز إمكانية تقديم “الدفع بكون الفعل المدعى به لا يشكل جرمًا معاقبًا عليه في القانون، يستلزم إجراء تحقيق من قبل قاضي التحقيق، مما يعني دخوله في الأساس، وبالتالي يخرج عن نطاق الدفوع الشكلية”. وقد أساءت اللجنة تفسير هذا البند باعتباره يتطلّب البحث في الأساس حكمًا، بدلاً من أن تفسّره بالمعنى الذي يحدث معه أثراً يكون متوافقاً مع الغرض منه ومؤمناً التناسق بينه وبين النصوص الأخرى.

وقد جاء تفسير اللجنة بتناقض تامّ مع اجتهاد محكمة التمييز المستقرّ باعتبار أن هذا الدفع لا يتعلّق بأساس الدعوى (أي بفقدان الركن المادي أو المعنوي للجريمة) بل ينحصر بعدم توفّر الركن القانوني للجريمة، حيث اعتبرت المحكمة أنه “يقصد به الأفعال التي لا نصّ جزائي يجرّمها ويعاقب عليها عملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أي تلك التي تكون مفتقدة للركن القانوني للجرم وليس تلك التي يدور بشأنها نزاع حول مدى توافر ركنيها المادي والمعنوي لأن البحث في هذين الركنين الأخيرين يستوجب التطرق الى أساس الدعوى وموضوعها”.[1] كذلك اعتبرت المحكمة  أنّ هذا الدفع “يمكن الأخذ به متى تبين للقاضي من ظاهر المستندات المبرزة في الملف والتي لا خلاف بين الفرقاء على مضمونها ومن دون أن يكون مضطراً لإجراء أي تحقيق لجهة أن الأفعال المدّعى بها لا ينطبق عليها وصف جرمي أو لا تتوافر فيها جميع عناصر الجرم الجزائي”.[2]

وقد قفزت اللجنة بتفسيرها هذا فوق العديد من القرارات القضائية التي وافقت على قبول الدفع على هذا الأساس، وتاليًا رد الدعوى قبل البحث في أساسها، نذكر منها القرار الصادر في 19/12/2013 عن محكمة الاستئناف الجزائية في بيروت في القضية المقامة من النيابة العامة ضد الناشطين علي فخري وخضر سلامة بتهمة “تخريب الساحات والطرق العامة وتعييبها” (المادة 750 من قانون العقوبات)، حيث قضى بقبول دفع المدعى عليهما الشكلي وردّ الدعوى لكون الأفعال المدعى بها لا تنطبق على نصّ المادة المدعى بها ولا تشكّل جرماً معاقباً عليه في القانون.

كما نشير إلى أنّ المادة 63 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، منحتْ قاضي التحقيق حق الامتناع عن السير بالدعوى العامة التي حركها ادّعاء النائب العام، في حال ثبت له أن الفعل المدعى به لا يشكل جرماً جزائياً. فلم يقيّد المشترع قاضي التحقيق بادعاء النيابة العامة والوصف الذي ارتأته للأفعال المعروضة أمامها؛ بل جعل له الصلاحية برفض السير بالدعوى العامة عفوًا، حتى قبل تقديم الدفوع الشكلية، فيكون – من باب أولى – له الصلاحية في ذلك إبان نظره في الدفوع المثارة من قبل المدّعى عليه. وعليه، يؤدّي الاقتراح، في حال إقراره، إلى حرمان المتقاضين من وسائل دفاع أساسية نظراً لمنعه من إثارة دفع يجوز للقاضي إثارته عفواً.

وهذا ما تطرّقت إليه محكمة التمييز الجزائية في قرارها الرقم 161 الصادر بتاريخ 16/5/2007 حيث اعتبرت أن “تفسير هذا الدفع بشكل مغاير واعتبار أن كل ادعاء بمواد قانونية نص عليها قانون العقوبات، سواء ورد من المدعي الشخصي أو من النيابة العامة، يجعل الفعل المنسوب الى المدعى عليه يقع تحت طائلة التجريم، من شأنه أن يعطل مفعول المادة 63 أ.م.ج ويلغي مضمون الفقرة 4 من المادة 73 أ.م.ج ويجعل قاضي التحقيق مقيداً بما يدعيه المدعي في شكواه والذي قد ينسب إلى المدعى عليه أفعالاً يلبسها الطابع الجزائي للنيل منه من دون وجه حق وإلزامه بحضور جلسات التحقيق وما يتبعها من إجراءات حتى صدور القرار الظني بينما تكون الأفعال المدعى بها خارجة عن نطاق التجريم”.

انطلاقًا من ذلك، نجد أنّ الأسباب التي ساقتها لجنة الإدارة والعدل لتبرير شطب البند 4 من لائحة الدفوع الشكلية لا تتوافق مع التفسير المنطقي والسليم له. بل إن من شأن الإبقاء على هذا البند توفير الكثير من الجهد والوقت على المتقاضين والقضاة على حدٍّ سواء، واختصار الإجراءات القضائية المرهقة، كما فيه الحفاظ على حرية الفرد والحؤول دون قيام الملاحقة الجزائية أو استمرارها على خلفية ادعاءات لا يعاقب عليها أي نصّ قانوني.

2.تعديل البند 5 من دون تبرير

اقترحت لجنة الإدارة والعدل تعديل البند 5 من لائحة الدفوع الشكلية حيث بات ينصّ على “الدفع بسبق الملاحقة والحكم” بعد أن كان ينصّ على “الدفع بسبق الإدعاء أو بالتلازم”، وذلك من دون تقديم أي تبرير لهذا التعديل بالرغم من مفاعيله القانونية الهامّة نظراً لاختلاف مفهوم “الملاحقة” عن مفهوم “الادعاء”.

بالفعل، إنّ النصّ الحالي يمنح القضاة صلاحية رد الدعوى في حال وجود ادّعاء سابق بالموضوع والأشخاص والسبب نفسهم، أو ضم دعويين إلى بعضهما البعض في حال وجود التلازم (أي وجود دعويين تشتملان على طلبات متلازمة عالقتين أمام محكمتين مختصتين مختلفتين).[3] أمّا الاقتراح باستبدال هذا الدفع بالدفع بسبق “الملاحقة” وهي مرحلة سابقة لمرحلة الادّعاء، فيؤدّي عمليًّا إلى منع محاكمة الأشخاص الذين تمّت ملاحقتهم من قبل النيابة العامّة حتى وإن لم تقترن هذه الملاحقة بالادّعاء، بل خلُصت بحفظ الملف. وعليه، يؤّدي هذا الاقتراح إلى منح قرار النيابة العامة بحفظ الدعوى قوة القضية المقضية، الأمر المخالف للمبادئ القانونية واجتهاد محكمة التمييز الذي يعتبر أن قرار الحفظ هو قرار مؤقت بطبيعته ويفتقر إلى الحجية ولا يحول دون رجوع النيابة عنه أو تقديم المتضرر شكوى مباشرة.[4]

وبذلك، قد يولّد هذا الاقتراح في حال إقراره واقعًا قانويًّا جديداً من شأنه أن يؤدّي إلى حرمان المتضرر من إمكانية تقديم شكوى مباشرة أمام قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد الجزائي، في حال كان قد تقدّم في السابق بشكوى أمام النيابة العامة وتم حفظها. وتتجلّى خطورة ذلك في ظلّ الممارسات الحالية لبعض قضاة النيابات العامة بحفظ بعض الشكاوى لدوافع غير قانونية كمحاباة النافذين والامتثال لرغباتهم، فتصبح، بموجب هذا الاقتراح في حال إقراره، قراراتهم تلك قرارات مبرمة لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة ولا تتيح للمتضرّر سلوك الطرق الأخرى التي أجاز له القانون سلوكها، حتى في حال ظهور أدلة جديدة تبرّر ملاحقة المشكو منه.

وأخيراً، نشير إلى أنّ إن إضافة عبارة الدفع بسبق “الحكم” هي لزوم ما لا يلزم، ما دام البند 6 من لائحة الدفوع الشكلية ينصّ على الدفع بقوّة القضية المقضيّة، وهو ما يعني صدور حكم مبرم في الدعوى.

3. تقييد القاضي بمهل قصيرة: التشريع من برج عاجي

يقيّد الاقتراح القاضي الناظر في الدفوع الشكلية وفي الطعون المتعلقة بها بمهل زمنية تعتبر قصيرة بالنظر إلى الواقع الذي تشهده قصور العدل منذ سنوات وحتى اليوم. فمهلتا الأسبوعين الممنوحة لقاضي التحقيق للبت بالدفوع، والأيام العشرة الممنوحة للمرجعين الاستئنافي والتمييزي للنظر بالطعن المقدم بشأنه، تعتبران مهلتين بالغتين في القصر في ظل العدد الكبير للملفات الملقاة على عاتق القضاة، والشغور الحاصل في العديد من المراكز القضائية لأسباب مختلفة منها الاستقالة والتقاعد المتزامنين مع عدم إقرار التشكيلات القضائية، وتراجع وتيرة العمل القضائي لصعوبة انتقال القضاة والمساعدين القضائيين إلى المحاكم بفعل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تشهدها البلاد.

كما يسجّل أن الاقتراح لم يميّز في وضعه هذه المهل بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة، علمًا أنّ طبيعة الإجراءات ومددها الزمنية ينبغي أن تختلف بين المرحلتين. ففي حين تتطلب التحقيقات سرعة في الإنجاز أمام قاضي التحقيق نظرًا لطبيعة المهام المنوطة به والصلاحيات الممنوحة له والقرارات ذات الطابع الظني التي يصدرها، لا يتطلّب الأمر السرعة نفسها لدى قضاء الحكم الذي ينبغي عليه الوصول إلى القناعة التامة واليقين الكامل قبل إصدار القرار النهائي أو القطعي أو المبرم في الدعوى التي ينظر بها، الأمر الذي قد يتطلّب مهلاً أطول، ولكن معقولة في آن معًا.

وعليه، إن التعامل مع مسألة المهل بهذه الطريقة الحازمة من قبل اللجنة، إنّما يدل على عدم إلمام أعضائها بالواقع الذي يعيشه القضاة والمساعدون القضائيون في المحاكم اليوم، أو إهمالهم لهذا الواقع وعدم اكتراثهم به، فباتوا كمن يشرّع من برجٍ عاجيّ منفصلٍ تمامًا عمّا هو واقعٌ في الأرض.

أما الإشكالية الأخرى التي تبرز بفعل التعديل المقترح، فهي مسألة اعتبار القاضي (أو المحكمة) مستنكفًا عن إحقاق الحق في حال عدم البت بالدفوع أو بالطعون المتعلقة بها خلال هذه المهل القصيرة، وهو ما يتيح للمتقاضين مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال هؤلاء القضاة (ما يُعرف بدعاوى المخاصمة). فهل يهدف التعديل المقترح إلى إعفاء المتقاضين من اتخاذ الإجراءات المسبقة الضرورية لرفع هذا النوع من الدعاوى، لا سيما موجب إنذار القاضي المنصوص عليه في المادة 742 من قانون أصول المحاكمات المدنية؟ وهل سيؤدّي هذا الاقتراح إلى تسهيل لجوء المتقاضين إلى دعاوى المخاصمة التي باتت من أبرز وسائل تعطيل العدالة، بفعل فقدان نصاب الهيئة العامّة لمحكمة التمييز وتعطيل التشكيلات القضائية؟

4. تغريم مقدّم الدفوع: عقوبة لممارسة حقوق الدفاع من دون إساءة

إن أكثر ما يثير الريبة في الاقتراح المقدّم، هو ما أضافته لجنة الإدارة والعدل في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 73: “يغرم المدعى عليه الذي يظهر غير محق في دفوعه بنصف الحد الأدنى الرسمي للأجور على الأقل وبعشرة أضعافه على الأكثر، وذلك على الرغم من تراجعه عن حقه قبل صدور القرار النهائي بالدفوع”. إن الغاية من هذا الاقتراح هي منع المماطلة في مرحلة الدفوع الشكلية التي قد تعيق قاضي التحقيق عن استكمال تحقيقه لسنوات، لأسباب قد يتبين في نهاية المسار القانوني أنّها غير محقّة. ولكن نجد أن اقتراح لجنة الإدارة والعدل ذهب أبعد من ذلك إلى حدّ المسّ بأساس حقوق الدفاع، إذ  يرتّب عقوبة على ممارسة حق أولاه القانون للمدعى عليه، دون أن تربط هذه العقوبة بشرط الإساءة أو التجاوز في استعمال هذا الحق كما هي الحال اليوم بموجب المادة 11 من أصول المحاكمات المدنية. واللافت أنّ الصيغة التي اعتمدها الاقتراح جاءت ملزمةً للمرجع القضائي الناظر في الدفوع الشكلية من دون منحه  صلاحية تقدير مدى وجوب تغريم المدّعى عليهم، بل ألزمه بها بصرف النظر عن مدى جدّيّة الدفوع المقدّمة أو نيّة مقدمّها.

فهل يستحق المدعى عليه الغرامة في حال عرض دفوعًا شكليّةً مبنية على حجج وأسباب قانونية جديّة، فرأى المرجع القضائي عدم صحتها بعد مناقشتها وتفنيدها، ودون أن يكون له إعفائه منها؟ وماذا لو صدر قراران مختلفان عن المرجعيْن الابتدائي والاستئنافي، ثم صدر قرار عن المرجع التمييزي برد الدفوع، كيف يستقيم عندئذٍ تعرّض المدعى عليه للغرامة في حين أنّ أحد المراجع القضائيّة قد استجاب إلى طلباته، الأمر الذي يدلّ على جدّيتها؟ وبما أنّ الاقتراح لم يميّز في الغرامة بين القرار الذي يتناول الدفوع والقرار الباتّ بالطعن، فهل يتعرّض المدعى عليه الذي رُدّت دفوعه في المرحلة الابتدائية إلى الغرامة مباشرة، ثم يتعرّض إلى غرامة إضافية في حال قدم طعنا ضد القرار وتم ردّه؟ أم أنّه يتعرّض للغرامة في الحالة الثانية دون الأولى؟

وتبرز خطورة هذا النصّ بشكل خاصّ في الدعاوى التي تدخل في إطار التقاضي الاستراتيجي والتي تهدف إلى فتح نقاشٍ قانوني أمام المراجع القضائية واستصدار اجتهادات قضائية جديدة بشأن مواضيع قانونية خلافية وقابلة للنقاش. فكيف يُمكن لهؤلاء المتقاضين أنّ يعملوا باتجاه الاستحصال على اجتهادات قضائية جديدة بشأن الدفوع الشكلية إذا ستتم معاقبتهم لمجرّد رفض طلباتهم، مهما كانت جديّة؟

وفي هذا الإطار، نرى أنّه كان من الأجدى قبول اللجنة بالاقتراح الأساسي المقدّم من قبل النوّاب لجهة استمرار سير التحقيق إلا في حال قرر المرجع الناظر بالطعن خلاف ذلك؛ كونه يشكّل وسيلة فعّالة لمواجهة أساليب المماطلة ويتيح باستمرار الإجراءات عند قاضي التحقيق دون أن يتعرّض إلى حق المدعى عليه بتقديم الدفوع والطعن بالقرارات المتعلقة بها.

خلاصة:

قد تكون مؤسّسة الدفوع الشكلية بحاجة لمراجعة قانونية، نظراً للإساءة في استخدامها بهدف المماطلة في الدعاوى الجزائيّة وتعطيلها. وبالرغم من أنّ اقتراح القانون الذي اعتمدته لجنة الإدارة والعدل لتعديل المادة 73 من أصول المحاكمات الجزائية قد أدخل أدوات تقوّض من قدرة المدعى عليه على تعطيل التحقيق ووقف السير في الدعاوى، إلّا أنّه من حيث لم يرد – أو أراد – خلق إشكاليّات وتناقضات قانونيّة وقيودًا غير مبرّرة على الحقوق المشروعة بالدفاع، تنمّ عن افتقار للحرفيّة في منهجية التشريع، في حين أن المشرّع، عند صياغته للقوانين وتعديلها، عليه توخّي دقّة الجرّاح إذ يستخدم مبضعه، والصائغ إذ يضبط مكياله، وإلّا أدّى ذلك إلى اختلال ميزان العدالة.

يمكنكم هنا الاطلاع على اقتراح القانون كاملا


[1]  محكمة التمييز الجزائية، الغرفة السادسة، قرار رقم 159 تاريخ 27/5/2003

[2] محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الثالثة، قرار رقم 52 تاريخ 24/2/2010

[3]  محكمة التمييز الجزائية، قرار رقم 285 تاريخ 14/7/2011

[4]محكمة التمييز الجزائية، قرار رقم 499 تاريخ 13/10/2011


انشر المقال



متوفر من خلال:

البرلمان ، إقتراح قانون ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، محاكمة عادلة ، تقاضي استراتيجي ، المرصد البرلماني ، محاكم جزائية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية