ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي (2/3): العريضة التي كتبها قضاة ولم توقع: من يبادر الى كسر الصمت؟


2012-02-27    |   

ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي (2/3): العريضة التي كتبها قضاة ولم توقع: من يبادر الى كسر الصمت؟

بعد مقالي السابق الذي تحدثت فيه عن موقفي مجلس القضاء الاعلى والقاضي المستقيل غسان رباح على خلفية الاتهامات الموجهة اليه بالتفاوض للحصول على رشوة[1]، ساتناول في هذا المقال مواقف سائر القضاة والمحامين والوسائل الاعلامية والمعنيين بالشأن العام. فكيف تمت مقاربة المسألة من قبل القضاة وعلى رأسهم مستشارتا المحكمة؟ وهل شعروا بان للتهمة انعكاسا سلبياً على شرف المجموعة القضائية ككل او اقله تأثيرا على معنويات القضاة او ثقة الناس بهم؟ وما هي المواقف التي اتخذها او لم يتخذها هؤلاء على خلفية هذه الاتهامات، ولا سيما في ظل الضبابية السائدة حول مدى الحزم في المساءلة لدى هيئة التفتيش القضائي او وزراة العدل او النيابة العامة؟ وقد فاقم الامر ورود انباء صحفية عن تورط قاض آخر ومحام في الرشوة المذكورة[2].
وهنا، تجدر الاشارة اولا الى موقف مستشارتي الغرفة التي كان يرأسها رباح (القاضيتين رندة حروق وريما ابي خليل)، ولا سيما ان انباء تسربت عن قيام هذا الاخير بالتفاوض لزيادة قيمة الرشوة، احتسابا لحصتيهما فيها، استنادا الى التسجيل موضوع الاتهام. فكيف تعاملت هاتان القاضيتان مع الاخبار الآيلة عمليا الى المس بشرفهما بشكل مباشر؟ في هذا الصدد، يسجل انهما اتخذتا فور علمهما بالامر موقفا بالامتناع عن توقيع اي حكم يحمل توقيع رباح حتى جلاء الحقيقة، لا بل ذهبت احداهما (ابي خليل) ابعد من ذلك الى المبادرة الى تقديم اخبار الى هيئة التفتيش القضائي للتحقيق بالامر، فضلا عن تسجيلها اكثر من موقف في هذا المجال وخصوصا خلال لقاء جمع قضاة محكمة التمييز بوزير العدل (مقابلة مع ثلاثة قضاة). وموقف ابي خليل شديد التعبير في هذا المضمار: فعدا انه لم يعرف عنها سابقا اي مشاركة في الحياة العامة او في اي ورشة عامة عن اصلاح القضاء، فانه عكس بشكل عام الاحباط الذي يعاني منه عدد من مستشاري غرف المحاكم ازاء الهرمية التي تربطهم برؤساء الغرف وبشكل اعم ازمة الثقة التي قد تسود احيانا العلاقة فيما بينهم.
فضلا عن ذلك، وفي الاتجاه نفسه، وفي مبادرة لا تقل اهمية عما سبق، عمل بعض القضاة على تحرير عريضة يوجهونها لهيئة التفتيش القضائي للإسراع في إجراء التحقيقات اللازمة لجلاء الحقيقة (مسألة الرشوة) وملاحقة المرتكبين فيها في حال ثبوتها، سواء أكانوا راشين أو مرتشين، وإحالة الأوارق لجانب النيابة العامة التمييزية لمباشرة ملاحقات جزائية، والعمل على الإسراع في تنفيذ قرارات المجالس التأديبية والإشهار عنها علنا، "حتى تكون تلك القرارات عبرة لكل من اعتبر"، وذلك على امل انقاذ "ما تبقى من سمعة للقضاء ومن معنويات القضاة الشرفاء والنظيفي الكف" (يراجع العريضة المرفقة ربطا). كما سعوا الى تحرير اخبار للنيابة العامة التمييزية بالمضمون نفسه يحثونها فيه على التحرك. وقد عبروا من خلال ذلك بالطبع عن خشية ازاء اعمال قانون الصمت بالاكتفاء باستقالة رباح من دون محاسبة او من دون اي تحقيق لجلاء الحقائق. والواقع ان المبررات المدلى بها في هاتين الوثيقتين لافتة، وقد جاءت تحت بنود ثلاثة من شأن كل منها ان يسجل انعطافة هامة ازاء التصرفات النمطية داخل قصور العدل: 
فمن جهة اولى، وضعت الوثيقتان في مقدمة مبرراتها التأثير السلبي للامتناع عن المساءلة على المواطن، مما يؤشر الى تقديم هذه الاعتبارات التي يشترك فيها المواطنون كافة على اي اعتبار نقابي او مهني خاص بالقضاة. واهم من ذلك، لم تكتف الوثيقتان في هذا المضمار بالاشارة الى "وجوب تعزيز ثقة المواطن بالمؤسسة القضائية"، بل اشارت الى وجوب "ضمان حقوقه الطبيعية باللجوء الى قضاء مستقل ونزيه وعادل، كطريق طبيعية لحل جميع مشاكله". والواقع ان لربط المسألتين اهمية فائقة: فالمسألة ليست مسألة مظاهر او صور خارجية للقضاء نجهد في تلمعيها او المحافظة عليها، انما هي قبل كل شيء مسألة مدى تمتع القضاء حقيقة بمواصفات تضمن "الحقوق الطبيعية" للمواطن باللجوء الى قضاء مستقل ونزيه وعادل. وهذه التتمة الصريحة تهدف اذا الى قطع الطريق امام الحجة القائلة بوجوب كتم الاتهامات والفضائح صون الصورة القضاء وهيبته، وهي الحجة التي لطالما استخدمتها السلطات العامة للتنديد باي انتقاد يوجه الى القضاء، مهما كان هذا الانتقاد محقا، مما ادى غالبا الى اجهاض التخاطب العام في شؤون القضاء وتاليا الكثير من مبادرات الاصلاح[3].
ومن جهة ثانية، بررت الوثيقتان المحاسبة بحفظ حقوق القضاة الشرفاء والمستقلين وصونها. وهنا، نلحظ ربما للمرة الاولى استخدام مفهوم "القضاة الشرفاء والمستقلين" في خطاب صادر عن قضاة في سعيهم للتبرؤ من الاتهامات التي تعصف ببعض زملائهم. وقد وردت العبارة ولو بشكل مختلف بعض الشيء في ختام الوثيقتين من خلال ربط التحقيقات بانقاذ ما تبقى من سمعة "للقضاة الشرفاء ونظيفي الكف". والواقع ان استخدام هذا المفهوم انما هو بمثابة اعلان عن وجود تضارب في المصالح بين الذين يعملون وفق ضمائرهم المهنية من جهة والقضاة الفاسدين او المنسجمين مع النظام من جهة اخرى، وهو يؤذن ربما بتهيؤ هؤلاء للخروج عن قاعدة الصمت وللتوجه الى الرأي العام لاعلامه وربما للاحتكام له ضد واقع التهميش الذي غالبا ما يعانون منه. فاذا كان من الطبيعي ان يرتضي الفاسدون او المنسجمون مع السلطة في اي سلك غياب المحاسبة وتاليا تعميم شبهات التبعية او الفساد، نظرا لما يحققونه من مكاسب بفعل هذا النظام، فان الشرفاء والمستقلين يجدون بالمقابل انفسهم في ظروف مماثلة عرضة لشبهات غير محقة من دون ان يكون لهم بالمقابل اي مكسب من اي نوع كان. ولعل استخدام عبارة "انقاذ ما تبقى من سمعة ومعنويات" يؤشر الى ان الكيل قد طفح، وان تحرك منظمي الوثيقتين يستمد مشروعيته ايضا من المبدأ القائل بان "الضرورات تبيح المحظورات". وبالواقع، هذا التبرير يمس ايضا بمسلّمة قضائية اخرى قوامها وحدة القضاء تحت امرة مجلس القضاء الاعلى، الذي غالبا ما يصور على انه يختزل السلطة القضائية وله تاليا وحده حق التعبير عن همومها[4]، فيما على سائر القضاة الالتزام بالتحفظ وتاليا بالصمت.
ومن جهة ثالثة، لم تبرر الوثيقتان مطلب التحقيق بوجوب المحاسبة وحسب، بل قبل كل شيء بالمطالب الإصلاحية "لتعزيز إستقلالية القضاء" والتي تم تقديمها على مطالب "تطهيره (القضاء) وتنقيته وتعزيز دور الهيئات الرقابية على أعمال القضاة". واللافت في هذا التبرير انه يظهر وعيا لدى منظمي الوثيقتين بتلازم مسألتي الاستقلالية والمحاسبة، مع تقديم الاولى على الثانية. فكما ان لا مصداقية للمطالبة بالاستقلالية في ظل غياب المساءلة، ثمة خشية من تحول نظام المحاسبة او التطهير الى عصا تستخدم لتخويف القضاة غير المرضي عليهم والضغط عليهم وتطويعهم وربما تدجينهم عند حصولها بغياب ضمانات الاستقلالية. ومع جمع هذه المطالب قي بوتقة واحدة، تسجل الوثيقتان علامة فارقة على صعيد اولويات الاصلاح ومنهجيته وهما تقطعان الى حد بعيد مع الخطاب السائد والآيل الى حجب مطالب الاستقلالية باشكاليتي التطهير والمحاسبة، مع اظهار القيمين على القضاء، وخصوصا وزير العدل، مظهرالمصلح وحصر القضاة بالمقابل في موقع موضوع الاصلاح ومتلقيه الذي ليس له فيه اي دور فاعل. فبخلاف مجمل الاصلاحات الادارية او السياسية، الاصلاح القضائي لا يستقيم الا اذا كان القاضي شريكا فيه، طالما ان استقلاليته تبقى بالضرورة عنوانه الاول.
ولكن  اهم من تحرير الوثيقتين ومضمونهما الحجج التي حالت حتى اللحظة دون توقيعهما. وهنا، نجد حجتين متناقضتين تعكسان الضبابية الحاصلة في هذه القضية: الاولى ان الوزير مصر على التحقيق والمساءلة وان هيئة التفتيش القضائي ماضية فيه مما يجعل اي عريضة مماثلة غير ضرورية او اقله سابقة لاوانها. والثانية، انه لا يجوز "اطلاق الرصاص على جثة" او التصرف وفق قاعدة "متى وقعت البقرة، كثر السلاخون". والمقصود ان الشخص المعني قد استقال وخرج من القضاء، مما يجعل محاسبته بمثابة تنكيل بجريح او شماتة به وباية حال عملا يخل باصول الرحمة والشفقة والاعراف الانسانية المعمول بها. ونلحظ ان كلا الحجتين ترميان الى الايحاء بان هذه الخطوات غير ضرورية: الاولى لان المحاسبة حاصلة في كل الاحوال فيما ان العريضة او الاخبار يصوران المبادرين اليهما وكأنهم يشككون بالجهات القيمة على المحاسبة من دون اعطائها الوقت الكافي للقيام بعملها او كأنهم يسعون الى "تمريك"مواقف بطولية شبه عبثية على نحو قد يؤذي اعمال المحاسبة اكثر مما يحفزها، والثانية ان الاصرار على المحاسبة بعد "سقوط البقرة" يجعل المبادرين الى ذلك بمثابة اشخاص ينتقصون الى الحد الادنى من مشاعر الرحمة والشفقة. وبكلمة، تصبح كل الحجج مرحبا بها، مهما تناقضت فيما بينها، بهدف تجريد هاتين الوثيقتين من مشروعيتها وثني القضاة عن توقيعها، لا بل تصبح"الضبابية" بما تتيحه من تناقض ذات وظيفة اساسية لتقطيع الوقت وتاليا لترسيخ قاعدة الصمت.
ومن الحجج التي تضاف الى هاتين الحجتين، الحجج التقليدية ومفادها تعارض العريضة او الاخبار مع "موجب التحفظ" للقضاة ومناقبيتهم مما قد يعرضهم للملاحقة والمحاسبة او ايضا عدم رضى المراجع القضائية العليا على مضمونها! فضلا عن اشتراط توقيع وثائق مماثلة بتوفر عدد كاف من القضاة مستعدين للتوقيع عليها، وهي حجة دائمة تتكرر بشكل واسع وتجعل تواقيع القضاة مشروطة بتواقيع زملائهم: فمن يبادر الى التوقيع؟ وهكذا، بات القضاة ازاء هذه التحديات مرة اخرى في حال حيرة ازاء كسر الصمت، وذلك بخلاف ما جاء في الوثيقتين، لجهة "عدم جواز الصمت ازاء الاتهامات بوجود اعمال غير مشروعة". ويخشى اذ ذاك ان يفوت القضاة بفعل هذه الحيرة فرصة ثمينة لتسجيل موقف قضائي جماعي من شأنه ان يكسر احتكار مجلس القضاء الاعلى في التعبير عن هموم القضاء وفق ما يراه مناسبا، كما من شأنه ان يعيد الثقة للناس بوجود اشخاص من الداخل يحرصون على حسن العمل القضائي ويصارحون الرأي العام بالخلل الموجود داخله. ولعل هذا المقال يهدف الى التعويض عن هذا الصمت من خلال نشر هاتين الوثيقتين والتعليق عليهما. فرغم كل شيء، اليس جديدا ان تكونا قد انوجدتا اصلا؟
ولا يبدو الامر احسن حالا على صعيد الوسائل الاعلامية. فاذا وضعنا جانبا المقال الذي نشرته صحيفة الاخبار في 16-2-2012 والذي روى الحادثة من دون تسمية القاضي المشتبه به، كيف تعامل الاعلام مع هذه المسألة؟ صحيفة "النهار" هي لم تجد داعيا للتحقق من مدى صحة الشبهة بل افردت في 17-2-2012 مساحة للقاضي غسان رباح للدفاع عن نفسه ازاء ما اوردته صحيفة الاخبار كما يشاء بمعزل عن اي مساءلة صحافية! اما السفير فقد اكتفت بنشر اخبار مبهمة ضمن  "عيون" (اسرار الصحف) مفادها تورط شخصين آخرين (قاض ومحام)، مما وسع اطار التساؤل وشكل دليلا بليغا على التعامل الحذر للاعلام مع المسألة التي تبقى مدرجة ضمن الاسرار. اما على الصعيد التلفزيوني، فان برنامج الفساد على شاشة ال NTVفقد تحول منبرا دعيت اليه المحامية خيرات الزين للاعلان عن موقف مؤيد للقاضي غسان رباح والدفاع عنه ومدحه من دون تحفظ، كل ذلك ايضا غداة نشر مقال الاخبار (الحلقة 17-2-2012).
والصمت نفسه بقي سيد الموقف على صعيد المجلس النيابي والجمعيات (ومنها جمعية اللافساد وسواها من الجمعيات التي تقدم نفسها على انها تحارب الفساد) بل ايضا على صعيد نقابة المحامين والمحامين عموما. والامر نفسه ينسحب على المثقفين والشخصيات المهتمة بالشأن العام وكأن الثقافة او الشؤون العامة تتوقف عند ابواب المحاكم ولا تعي خطورة الفساد داخل القضاء والمظالم التي قد تنشأ عنه. وهذا الانفصام انما يعكس بالواقع احد اسباب انشاء "المفكرة القانونية" والذي هو كسر هذا الحاجز بين هؤلاء وعالم القانون والقضاء. فهل يبادر هؤلاء جميعا الى توقيع عريضة القضاة "الشرفاء والمستقلين" الذين كان لهم على الاقل فضل في تحريرها، وتاليا في قطع نصف الطريق في معركة كسر الصمت؟ فلنكسر معا هذا الصمت.. (يتبع حلقة ثالثة).



[1]ازمة اخلاقية على رأس الهرم القضائي (1/3): "لا تسائلوني، لا تحاسبوني، فاي مس بكرامتي مس بهيبة القضاء"، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، منشور في 20-2-2012.
[2]السفير، عيون، 20-2-2012. 
[3]نزار صاغية، قراءة نقدية لخطاب الاصلاح القضائي في جمهورية ما بعد الطائف، المركز اللبناني للدراسات، 2008.
[4]نزار صاغية، قراءة نقدية لخطاب الاصلاح القضائي في جمهورية ما بعد الطائف، مذكور اعلاه.
انشر المقال



متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية