أبرز الأحكام القضائية لسنة 2013: مواقف قضائية لافتة بشأن نظام الهيبة والمجاملة والمحاصصة، والتمييز تُعمل مبدأ العلاج كبديل من الملاحقة في قضايا المخدرات


2014-02-04    |   

أبرز الأحكام القضائية لسنة 2013: مواقف قضائية لافتة بشأن نظام الهيبة والمجاملة والمحاصصة، والتمييز تُعمل مبدأ العلاج كبديل من الملاحقة في قضايا المخدرات

في هذا القسم، سنحاول إجراء تقييم مقتضب لبعض أعمال قضاة الحكم ذات الانعكاسات الهامة على صعيد النظام السياسي والاجتماعي، أو أيضاً على صعيد الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقبل المضي في ذلك، نسارع الى القول إن هذه الأعمال الصادرة عن مراجع قضائية مختلفة لم تذهب كلها في الاتجاه نفسه، إنما شكلت أحياناً معطيات متناقضة في ما بينها.

الأحكام المتصلة بالنظام السياسي اللبناني:
في هذا الصدد، نلفت الى عدد من القضايا المتصلة بالنظام السياسي، نستعرضها تباعاً نظراً الى أهميتها. فعلى صعيد الإيجابيات، قدم القضاء إجابات هامة للتخفيف من شمولية النظام التوافقي في الشؤون العامة، أولاً من خلال ابتداع آليات للحؤول دون تعطيل الدولة، وثانياً من خلال تأكيد وجوب إخضاع المقامات (الزعامات) السياسية لأوسع هامش من النقد والمساءلة. بالمقابل، سجلنا أحكاماً أخرى تؤدي بما تقرره الى نتائج معاكسة كقضية فيلم بيروت في الليل أو المفقود محيي الدين حشيشو، والتي بات لها رمزية فائقة، والثانية، قضية أوتيل بيروت التي شكلت تحدياً أساسياً في مواجهة نظام الرقابة.

تعيين مدير مؤقت على تلفزيون لبنان:
بتاريخ 8/7/2013، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف حكماً لافتاً بتعيين إدارة مؤقتة لشركة تلفزيون لبنان وهي شركة مساهمة تملك الدولة اللبنانية كل حصصها وتخضع لقانون التجارة. وكانت هذه الأخيرة ممثلة بوزارة الإعلام قد تقدمت أمامه بدعوى طلبت فيها تعيين مدير مؤقت للشركة من ضمن لائحة أبرزتها من أصحاب الخبرة في هذا المجال، مبررة ذلك بانتهاء ولاية أعضاء مجلس الإدارة الحاليين من دون أن تكون الحكومة قادرة على تعيين بدائل منهم بفعل استقالتها. وفيما يستدعي اللجوء الى القضاء أسئلة حول الدور المنتظر من القضاء في النظام السياسي القائم وخصوصاً في فترات تعطيله، فإن الحل الذي توصل اليه القاضي جاء غنياً من حيث الضوابط التي وضعها من منطلق تصوره لهذا الدور.

فبعد التذكير بالتقنيات القانونية الكلاسيكية التي توجب عليه التدخل لإنقاذ الشركة من الشلل، ذكّر القاضي بفرادة القضية المطروحة عليه لجهة أن الشلل حاصل ليس بفعل اختلاف بين الشركاء، بل بفعل عجز المساهم الوحيد فيها (الدولة) في حسم خياراته ضمن الآليات المعتادة (أي من خلال مقررات مجلس الوزراء). فإزاء هذا الواقع، يتحتم عليه أمران: تعيين مدير مؤقت بمواصفات تنسجم مع مطالب الدولة كان يختاره من ضمن لائحة الأسماء التي قدمتها لافتراض أنها الأعلم بمصلحة الشركة عملاً بمبدأ فصل السلطات، مع إحاطة قراره بضمانات معينة تحسباً إزاء إمكانية أن يكون هذا الافتراض خاطئاً على نحو يحول دون تعريض المصلحة العامة للخطر.

وأبرز هذه الضوابط:
– أنه ضمن القرار ما مفاده أن التزام القاضي بلائحة الوزير ليس حتمياً بل هو من باب وجوب أخذ إرادته لما يمثله بعين الاعتبار؛
– أنه عيّن من تلقاء نفسه خبير محاسبة من خارج اللائحة المقدمة من الدولة (وهو يحظى مبدئياً بثقة القاضي)، يكون بمثابة الرقيب على المدير المؤقت داخل الشركة.
– الضابط الثالث: وقد تمثل في إلزام الشخصين المعينين بوضع تقارير دورية وغير دورية ضماناً للشفافية في إدارة الشركة.
وبذلك يكون القاضي قد تجاوب مع طلب وزارة الإعلام بعدما أرسى ضوابط لها قيمة السابقة للتأكد من حسن سير العملية لمصلحة شركة تلفزيون لبنان للحؤول دون إجراء تعيينات مشبوهة أو تحقيق مكاسب سياسية بغطاء قضائي.

القضاء المستعجل يسقط دولة المجاملة والهيبة[1]، ومجلس شورى الدولة يعيد ترميمها: 
إنني قد لا أوافق على ما تقوله، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك بقوله”. بهذه الحكمة الفولترية، ختم جاد معلوف، قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، حكمه الصادر في 16/7/2013 والذي صدقت عليه محكمة استئناف بيروت في 1/10/2013 (وهي مؤلفة من جانيت حنا وندين جرمانوس وهالة نجا) وقد بدا هذا الحكم بمثابة مرافعة ضد “دولة المجاملة”، التي تفترض التضييق من هامش انتقاد الزعماء السياسيين مع تحويل الإعلام (أقله الوسائل المؤيدة لهم) الى أبواق للتمجيد بهم.

الدعوى كما الحكم معبرة جداً: فقد قدم النائب سامي الجميل استدعاءً عرض فيه أن جريدة الأخبار تقوم بحملة عنيفة تناولت شخصه تناولاً علنياً ومتمادياً ومتسارع الوتيرة، وذلك بشكل سلسلة من المقالات الصحافية التي تم نشرها وجهت بموجبها “سهام(اً) مسمومة لاذعة” اليه، بهدف النيل منه ومن خطه السياسي، وأن هذا الأمر شكل حملة واحدة مستمرة ومتمادية مع الزمن هدفها ودافعها الوحيد استهدافه “لاغتياله سياسياً”. وأن المقالات .. تنال من كرامته ومن كرامة الحزب الذي ينتمي اليه وكرامة عائلته لما لها من رمزية وتاريخ عريق. وإذ أدلى المستدعي فضلاً عن ذلك بأنه يعد بالنسبة الى شرائح اجتماعية عدة القائد والزعيم، طالب بإزالة عشر مقالات عن الموقع الإلكتروني للجريدة ومنع الصحيفة من أن تتناوله أو تبث أو تنشر أي خبر مهما كان نوعه ولأي سبب، أكان متعلقاً به أو بعائلته، وحتى عبر الإيحاء اليه بطريقة كافية للدلالة دون تسميته، وذلك لغاية صدور أحكام محكمة المطبوعات في الدعاوى الجزائية التي تقدم بها ضد الجريدة. وما يريده المستدعي هو منع الصحيفة من نشر أي خبر عنه وعن عائلته، ولو تلميحاً، وبالطبع، المقصود: عدم نشر أي خبر نقدي عنه. لماذا؟ لأنه قائد وزعيم. وهذا ما عاد وأكده في المرحلة الاستئنافية للدعوى.

ومن هذا المنظور، تتضح معالم الخلفية الفكرية التي انبنت عليها الدعوى وقوامها أن الزعامة قيمة بحد ذاتها بمعزل عن حقيقة ما هي عليه أو عما تفعله، وهي قيمة عليا فوق دستورية بحيث إنها تعلو على حق الصحافي في التعبير وتنوير الرأي العام، ما يؤدي الى إضفاء المشروعية القانونية على نظام سياسي مخالف بداهة للأصول الديمقراطية، أي نظام الزعامة.

وقد أتى في هذا الصدد جواب المحكمة منحازاً تماماً لقيم الديمقراطية في مواجهة نظام الزعامة والمجاملة: ففي حكم من تسع صفحات ورد فيه 12 هامشاً ترجع القارئ الى اجتهادات فرنسية وأوروبية وأميركية، أعلن القاضي الحيثيات الحاسمة الآتية: “وحيث إن من يتعاطى الشأن العام، ولا سيما من رجال السياسة، يتعرض دوماً لانتقادات من معارضيه أو خصومه، وقد يكون البعض منها قاسياً وفي غير محله، إلا أن من يضع نفسه في الموقع المذكور يتخلى حكماً عن جزء من الحماية المتوافرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله، العامة منها والخاصة أحياناً، ولا بد من إظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل. وحيث إن بعض الآراء، التي تتبناها أيضاً المحكمة، اعتبرت أن الحماية التي يتم توفيرها عبر التوسع بمفهوم انتقاد رجل السياسة، ولا سيما النائب ضمن أطر حرية التعبير، توازن الحصانة الممنوحة لهذا الأخير والتي تمنحه مجالاً واسعاً في الانتقاد دون خشية الملاحقة. وبذلك، وجهت المحكمة درساً للقادة السياسيين كافة، داعية إياهم الى تقبل الانتقاد بقدر ما يرغبون تولي مناصب عامة. فدولة الزعامة لا تتلاءم مع قيم الدولة الديمقراطية.

وعلى نقيض ذلك تماماً، كان مجلس شورى الدولة يذهب في اتجاه معاكس تماماً، في قضية شهيرة (قضية أوتيل بيروت) في اتجاه تشريع الرقابة على السيناريو بعدما رأى أن الرقابة على عرض الأفلام تشمل حكماً الرقابة على السيناريو قبل تصوير هذه الأفلام، وذلك خلافاً للمبدأ القاضي بوجوب تفسير النصوص المقيدة للحريات تفسيراً ضيقاً عملاً بقاعدة أن “الحرية هي الأصل”. وأكثر دلالة على منطق مجلس شورى الدولة، هو توسعه في تفسير مفهوم هيبة المؤسسات العامة. فأن يتضمن الفيلم إشارة الى احتمال اشتراك الأجهزة الأمنية في لفلفة الملفات القضائية إنما يشكل مساً بهيبة هذه الأجهزة، وتالياً مانعاً دون عرض الفيلم. في منطق كهذا، يصبح الرقيب راعياً أساسياً لنظام قوامه المجاملة والهيبة[2].

قضايا المفقودين:
في هذا المجال، شكل الحكم الصادر عن محكمة جنايات صيدا في قضية المفقود محيي الدين حشيشو بتبرئة المتهمين فيها بداعي الشك، صدمة كبيرة في أوساط ذوي المفقودين. فكون هذه القضية هي الوحيدة العالقة من زمن الحرب اللبنانية (1975-1991) بفعل إصرار زوجته نجات نقوزي على محاسبة الفاعلين (المنتمين الى القوات اللبنانية) ومعرفة الحقيقة جعل منها رمزاً لقضية المفقودين وذويهم. وفيما تقدمت نقوزي بطعن ضد هذا الحكم أمام محكمة التمييز، يقتضي تسجيل أن الحكم استند لتبرئة المتهمين الى وقائع القضية، فيما كرّس ضمناً إمكانية ملاحقة الخاطفين في دعاوى المفقودين رغم حصولها قبل قانون العفو، على اعتبار أن الخطف يشكل جرماً متمادياً لا يسقط بهذا القانون.
في المقابل، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا حسن حمدان في 30/4/2013 قراراً بتعيين خبير للاستقصاء عن احتمال وجود مقبرة جماعية في الفسحة الموازية لكلية العلوم في الجامعة اللبنانية (الحدث).

كيف تعامل القضاء مع مخالفات الأجهزة الأمنية الماسة بحقوق الإنسان؟
في هذا المجال، نسجل ثلاثة أحكام ذات دلالة:

60 مليون ليرة، غرامة في ذمة الدولة لتشبث الأمن العام باحتجاز لاجئ عراقي تعسفًا
في استكمال لما أنجزه القضاء المستعجل في 2009 و2010 في أحكامه الآيلة الى إدانة الدولة (الأمن العام) بممارسة الاحتجاز التعسفي ضد أجانب[3]، أصدرت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت القاضية زلفا الحسن في 5/12/2013 حكماً لافتاً بإلزام الدولة بتسديد ستين مليون ليرة لبنانية للاجئ عراقي (ج. ج)، بعدما ثبت لها أن الأمن العام استمر في احتجازه لما يزيد عن سنة خلافاً للقرار القضائي الصادر عنها بالإفراج عنه.

وكانت القاضية زلفا الحسن قد أصدرت في 8/6/2010 بناءً على دعوى قدمها هذا الأخير قراراً قضى بإلزام الدولة بإطلاق سراحه فوراً ودون مهلة، تحت طائلة غرامة إكراهية قيمتها مئتان وخمسون ألف ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير. وإزاء إعراض الدولة عن تنفيذ الحكم المذكور، تقدم المدعي في 2011 بدعوى لتصفية الغرامة طالباً تسديده مبلغ 60 مليون ليرة لبنانية بعدما أدلى باستمرار احتجازه لمدة 240 يوماً بعد صدور الحكم. وتجدر الإشارة الى أن الحكم بالإفراج عن اللاجئ المذكور كان واحداً من سلسلة أحكام ذهبت في الاتجاه نفسه، وأجمعت على وصف ممارسة الأمن العام بالاحتجاز التعسفي[4].

إبطال تنازل العاملة عن حقوقها لقاء تنازل الكفيل عن كفالته عنها[5]:
بتاريخ 31/10/2013، أصدرت القاضية المنفردة الجزائية في كسروان، دينا دعبول، حكماً بإدانة صاحبة عمل لبنانية على خلفية الضرب المبرح للعاملة المنزلية لديها وحبسها ثلاثة أشهر بتغريمها مبلغاً قدره 100.000 ليرة لبنانية. كما ألزم الحكم صاحبة العمل بدفع مبلغ 10 ملايين ليرة لبنانية بمثابة تعويض للعاملة. ويلحظ أن الحكم صدر بعد تقديم مواطنة فلبينية شكوى شخصية ضد صاحبة عملها التي كانت تمارس عليها ضروباً من العنف المبرح وتعرضها “لإيذاء جسدي متكرر” مستخدمة المكواة والحزام، ما أدى الى “انتشار الإصابات على مساحة تصل الى 70% من كامل مساحة الجسم”.

وإزاء تذرع صاحبة العمل بالإسقاط وإبراء الذمة الموقّع من العاملة بإشراف الأمن العام، استدعت المحكمة مفتشاً ممتازاً من المديرية العامة للأمن العام لتوضيح بعض ما ورد في محضر التحقيق، فأكد أنها تعني أن العاملة أسقطت عنها حقوقها الشخصية كافة، وفق العوائد المتبعة في المديرية في حالات مماثلة. والإمعان في أقوال المفتش الممتاز إنما يؤشر الى سواد العادة التي بموجبها يتعين على العاملة المعتدى عليها إيجاد تسوية مع صاحب العمل، ما دام بقاؤها في لبنان يتطلب بالضرورة تنازل صاحب العمل عن كفالته لها لشخص آخر.

إلا أن المحكمة سجلت موقفاً سبّاقاً جداً في هذا الشأن، في تصد منها لأي محاولة لـ”لفلفة القضية” خارج إطار القضاء، حيث رأت أنه “لا يمكن أن نؤسس إسقاطاً ونرتب عليه نتائج قانونية بناءً على ما قصده المحقق بمعرض التحقيق وإلا تعطلت النصوص القانونية وبُنيت الأحكام على القصد والنية غير الثابتة أصلاً، ما يقتضي معه رد كل ما أُدلي به لهذه الناحية”. بهذه الحيثية، عطلت المحكمة ممارسة شاذة مفادها استخدام نظام الكفالة لإعفاء أصحاب العمل من أي مسؤولية.

القضاء يثبت التعذيب في المخافر، مع عقوبات خفيفة[6]:
بتاريخ 14-3-2013، صدقت محكمة استئناف جنح بيروت برئاسة طنوس مشلب على الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت هاني عبد المنعم الحجار بإدانة المعاون ج.ر بجرم المادة 401 من قانون العقوبات لممارسة العنف والضرب ضد مواطن مصري والتسبب في إيذائه في مخفر فرن الشباك في أثناء التحقيق معه في جنحة سرقة. وكان القاضي المنفرد الجزائي قد ذكر في قراره نقلاً عن التقرير الطبي أن المدعي قد “تعرض للعنف والضرب الشديد وآثار الصدمات والكدمات ما زالت بادية على جسمه وتدل على استعمال أسلوب الفروج معه..”. واللافت أن محكمة الاستئناف قد خففت العقوبة من (خمسة عشر يوماً حبساً وثلاثمئة ألف ليرة لبنانية) لتكتفي فقط بغرامة قدرها أربعمئة ألف ليرة لبنانية، وذلك بالنظر لتاريخ الجرم (والمقصود لمرور زمن طويل منذ حصوله في 2004). تسع سنوات لمحاكمة جرم تعذيب بواسطة فروج ثابت بتقرير طبي (!)، وعقوبة جد مخففة ليس فيها احتجاز للحرية (!).

كيف تعامل القضاء مع الآراء الاجتماعية المسبقة؟  
في هذا المجال، نتناول أبرز أعمال القضاء على صعيد القضايا الاجتماعية، التي ترشح عن مواقف مسبقة.

العلاج كبديل من الملاحقة في قضايا الإدمان
من أهم الأعمال القضائية الصادرة هذه السنة، القرار الصادر عن محكمة التمييز في 3/10/2013 في قضية إدمان. وقد قضى القرار بوقف الملاحقة ضد شخص مدمن وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان، تبعاً لتعهده بالعلاج، سنداً للمادة 194 من قانون المخدرات التي كانت قد كرّست مبدأ العلاج كبديل من الملاحقة، ملزمة القاضي بوقف الملاحقة فور تعهد الشخص المدمن بالعلاج. وكان المدّعى عليه في هذه القضية قد تقدم بدفع طالباً وقف الملاحقة ضده وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان، وقد تدخلت محكمة التمييز لنقض ما خلص اليه المرجعان الاستئنافي والابتدائي في رد هذا الدفع.

عند التدقيق في هذا القرار، يظهر جلياً أن الحل الذي توصلت اليه المحكمة لا يتأتى عن تعمق في الاجتهاد، بل هو تفسير للنص القانوني في معناه الأكثر بداهة. وهذا ما نقرأه جلياً من خلال تضمين الحكم عبارة فحواها “أن النص القانوني وجد لإعماله وليس لإهماله”. وإيراد هذه العبارة يعبر بالواقع عن اقتناع محكمة التمييز، ليس فقط بمحدودية اجتهادها في هذا المجال، بل أيضاً بوجود حاجة ماسة للتذكير بوجوب تطبيق القانون الذي انقضى ما يزيد عن 15 عاماً منذ إقراره. وإزاء ذلك، بإمكان القارئ أن يتساءل عن الأسباب التي تدفعنا الى اعتبار هذا القرار إنجازاً فيما هو مجرد تطبيق حرفي للقانون: ومرد ذلك هو أن هذا القرار جاء مناقضاً لشبه إجماع قضائي مزمن، أمعن في ظاهرة غريبة، في تغليب الآراء المسبقة إزاء الإدمان والمدمنين على النص القانوني ذاته. فبدا القرار وكأنه صدمة إيجابية تنبّه القضاة الى وجوب التحرر من الآراء المسبقة وتوقظهم من غفوتهم عن النص القانوني.

نُشر في ملحق العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]قاضي الأمور المستعجلة في بيروت يسقط دولة المجاملة، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، في 23/8/2013.
[2]غيدة فرنجية، شورى الدولة يواصل التضحية بالحريات الدستورية: قضية “بيروت في الليل” نموذجا، المفكرة القانونية، العدد العاشر، تموز 2013.
[3]الحكم الصادر عن قاضية الأمور المستعجلة في زحلة سينتيا قصارجي في 11/12/2009 وثلاثة أحكام صادرة عن قاضية الأمور المستعجلة في جديدة المتن ميراي حداد في 28/1/2010 والحكمان الصادران عن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت زلفا الحسن في 8/6/2010.
[4]القرارات المذكورة في الهامش 1.
[5]هذه المقاطع مأخوذة من تعليق للباحثة سارة ونسى في إطار المرصد لقضايا عاملات المنازل، حكم جزائي في جونيه يرفض تهميش دوره في حماية حقوق عاملات المنازل، ويبطل مقايضة تنازل “كفيل” عن عاملة منزلية بتنازلها عن حقوقها، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، 18/11/2013.
[6]التعذيب بالفروج استئنافا بعد 9 سنوات من حصوله والعقوبة غرامة فقط، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 21 آذار 2013.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مجلة لبنان ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية