حسناً فعلت السيدة سيلفانا اللقيس بأنها استقالت. أولا لسبب شخصي: صرت قادراً أن أشرح لحفيدتي ماذا تعني كلمة إستقالة في بلد لا يستقيل فيه أحد. فهل سمعتم عن أحد "تُخصص له أتعاب أو رواتب كبيرة" ويستقيل في لبنان؟ وثانياً، حسنا فعلت سيلفانا (هل تسمحين لي أن أسميك سيلفانا؟) بأن استقالت وقررت رفع الغطاء عن هذه الخدعة التي اسمها هيئة الإشراف على الإنتخابات بعدما سطت عليها السلطات (وزارة الداخلية خصوصاً والمالية إلى حدّ ما) مجرّدة إياها في الواقع من أي مضمون مفيد ل "ديموقراطية الانتخابات". حسناً فعلت سيلفانا عندما شرحت "عدم توفير الموارد الضرورية لتمكين الهيئة من القيام بمهامها" و"المس المباشر باستقلالية الهيئة وصلاحياتها" وأخيراً "تقليص صلاحيات الهيئة". وهي ممارسات تمثلت في وضع الوزارة يدها على بعض منها كما حصل بخصوص نشر الثقافة الانتخابية، أو بتفسير ضيق يجعل الهيئة متواطئة مع مخالفات جسيمة يرتكبها بعض المرشحين المتنفذين أو مع  ظُلامات فادحة تُرتكب بحق شرائح من الناخبين.

 

برنامج سيلفانا

أود أن أتطرق هنا إلى موضوع التثقيف الإنتخابي لدلالاته، وهو من المواضيع التي ذكرتها سيلفانا في بيان استقالتها. إرتأت سيلفانا أنه بعد مرور 100 سنة على النظام الأكثري، من واجب الدولة إزاء المواطنين (الناخبين) شرح القانون النسبي الجديد وكيفية تعاطي الناخب معه. واقترحت اللقيس أن يأتي شرح الدولة لمواطنيها من خلال شريط ترويجي صغير (أقل من دقيقتين) يعرض كل مساء قبل وبعد الأخبار على كافة الشاشات خلال فترة من 30 يوم. وجوبهت بأن التثقيف ليس من صلاحيات الهيئة بل من صلاحيات الوزارة. وعندما ذكرت سيلفانا بالبند العاشر في المادة 19 لقانون الانتخابات والذي يذكر صراحة من دون أي لبس التثقيف الانتخابي ضمن مهام الهيئة، جاءها الجواب أن لا موازنة للهيئة لقيام بذلك، والأخطر أن الوزارة تجهزت لهذه الغاية وأنها ستقوم عن الهيئة بذلك. وقد تبين فيما بعد أن تجهيز الوزارة تم من خلال الوكالة الدولية للتنمية (الأمم المتحدة) UNDP وكان من الممكن بشطبة قلم نقل التعاون مع هذه المنظمة من الوزارة إلى الهيئة. 

كانت سيلفانا تعتقد أن هذا البرنامج التثقيفي هو في صلب واجبات الدولة إذا كانت تنظر للناخبات كمواطنات[1]. وكان لهذا البرنامج، لو تسنى للهيئة تنفيذه، أن يحمي ولو بدرجة معينة، حرية الناخبة في الإختيار والأهم أن يضعها بمأمن إزاء الشرح السلطوي والموجه لوزارة الداخلية، أو لشروحات الأحزاب وذوي النفوذ والمال التشويهية.

 

"تثقيف" أم "ترويج"؟

وبالفعل، لتنفيذ برنامجها التثقيفي، تعاقدت وزارة الداخلية مع شركة اعلانية. لم ينتهِ تنفيذ هذا البرنامج (الذي لا نعرف تكلفته حتى الآن) رغم قرب الاستحقاق الانتخابي، لكنه تمثل حتى اللحظة في جزئين: جزء ترويجي للحدث الإنتخابي وجزء تثقيفي حول القانون الجديد.

بالنسبة للقسم الأول الترويجي، يبدأ "تثقيف" المشنوق فور إقفال باب الترشح الفردي، وهو يتمحور حول عدد النساء المرشحات: وهو 111 حسب الإعلان، فيما أن العدد الصحيح هو 113 (حصل التباس بإسمين، فهناك أسماء مثل نهاد للذكور والإناث). أكيد، إنه رقم مميز في الواقع اللبناني (11%) مع أنه متواضع وفق مقياس موضوعي. تنظر إلى هذا الرقم وتتساءل: الفضل لمن؟ للمرشحات أنفسهن؟ للمجتمع الذي شجعهن على الإقدام؟ أو للوزارة التي ميّزتهن؟

تستمر الحملة التثقيفية مروّجة بأن "لبنان يكبر بشبابه"، مدلّلة على إضافة 600 ألف إسم على لوائح الشطب بالنسبة إلى عام 2009. إنه رقم حقيقة مرتفع... ولكنه ناتج عن ثلاثة تمديدات متتالية عام 2013 و2015 و2017، وأن الأسماء التي أضيفت (بلى، هذا الإنجاز يعود لوزارة الداخلية لا غير... ونسلّم لها به) هي أسماء الناخبين الذين تتأرجح أعمارهم بين 21 و29 سنة. وقاحة هذا الترويج أنه يجري فيما شباب انتخابات 2018 الحقيقيون أو على الأقل الأكثر شبابا- فئة ما بين 18 و20 سنة - ما زالوا محرومين من حق الإقتراع. وعليه، فات شركة الترويج اللجوء إلى شعار: عام 2018، لا 20 ولا 18!

وينتهي الجزء الترويجي من البرنامج بدعوة المواطنين للإحتفال المسبق ب "العرس الوطني" الذي سيجري في 6 أيار... تتساقط من الأشجار تويجيات الزهور في مشهد مفعم بالرومنطقية: فكأنه مأخوذ من فيلم إيطالي.. عرس؟ هو ما نتمناه من كل قلبنا. عسى أن يشعر بنفس السعادة كل من ضُرب أو خُوّن خلال الحملة الإنتخابية، على أمل ألا يصاب برصاصة طائشة تنطلق احتفاء بفوز أحدهم.

ولكن، طالما أن الأمر عرس، فلماذا لا تعمم الدعوة للأشخاص المعوقين لكي يمارسوا حقوقهم وواجباتهم السياسية؟ ولمفقودي الحرب النازلة أسماؤهم على لوائح الشطب لكي نفرح بهم ويفرحوا بنا؟ صحيح، هي تفاصيل في عرس كبير كهذا... تفاصيل. والوزارة على ما يبدو لا تحب التفاصيل حتى ولو كانت هامة.

ما يشغلها إلى حدّ الهوس هو سؤال واحد: لمن يعود الفضل في تنظيم هذا العرس؟ مرة أخرى للوزارة بالتأكيد ... حتى لو دفعناه من جيوبنا.

 

"سادة" أم "مشكلة"؟

هذه العموميات كان من الممكن أن تصدر عن أي جمعية غير حكومية تحظى بتمويل أو عن حملة تسويق لمسحوق غسيل تتشاطر بمدح الزبون لرغبة دفينة بأن يرد التحية والمديح بأحسن منها... ولكن أن تصدر عن وزارة الداخلية، فذلك مبكٍ مضحك... ولكن، لنكن حقّاويين: هناك جزء ثاني من البرنامج مخصص للتثقيف. بعنوان "بالنسبة للنسبي". يعتمد هذا التثقيف على صورتين لقرن البوظة: "السادة" أي من صنف واحد، والبوظة "المشكلة" أي من عدة أصناف.

تعليقا على المشهد الأول من البوظة "السادة"، يشرح البرنامج "لائحة واحدة وصوت تفضيلي واحد". وفي المشهد الثاني مع البوظة "المشكلة"، يحذر البرنامج "ما فيك تشكل". تشكل هاتان الصورتان الشرح الوحيد الذي أمنته الدولة لمواطنيها بعد مئة سنة من النظام الأكثري. ربما وهذا هو الأنكى تعتبر الدولة أنها بذلك أتمّت واجباتها إزاء قانون الانتخاب والمواطنين.

 

خلاصات من أول الطريق

إنه قانون جديد ولم نمارسه بعد. هذا لا يمنع أن نراقب ما يجري حولنا وأن ننشر أول النتائج حتى قبل التوجه إلى الأقلام. الانتخابات دائماً تكشف الواقع: في الصناديق بالتأكيد ولكن أيضاً خلال الحملة. كنا نعتقد أن إعتماد النسبية سيسهم في بناء تحالفات سياسية وفي تغذية البرامج، وتاليا بضمان إنتظام الحياة السياسية وبتحديثها. فاتنا أن خواء الحياة السياسية (بعد نصف قرن من اللامحاسبة على كافة المستويات) وتصحيرها وإمساكها، معطوفاً على هشاشة القوى التغييرية، سيؤدي لا محال إلى تحوير أي قانون وتقزيمه و"لبننته".

يحلو للبعض إلقاء مسؤولية هذا الضياع على آلية الصوت التفضيلي. لو كان هناك حياة سياسية، لكانت هذه الآلية ربما أداة لتحرير الناخب. في غيابها، تحولت إلى وسيلة لإمساكه. على الأقل، ، فضل الصوت التفضيلي يوم 6 أيار –ولو الوحيد – انه سيوفر للجميع ميزاناً دقيقاً لقياس أحجام الأفراد. وقد ازداد وزن هؤلاء (الوازن أصلاً) مع الفوضى العارمة التي حلّت لدى تشكيل اللوائح: بدلاً من إنتظام الحياة السياسية، تحالفت وتنافست كل الأحزاب والتيارات، تقليدية كانت أم تغييرية، مع بعضها البعض وضد بعضها البعض،  ما ولّد مشهداً رتيباً شدّ الجميع نحو الأسفل.

كان من الضروري إعطاء درس "ما فيك تشكّل" ليس فقط للناخبين بل أيضاً للمرشحين. وبعدما رأيناه من ممارسات "الدق على كل الأبواب" لدخول جنة أي لائحة (تقليدية كانت أم تغييرية)، لا بد منذ الآن – وتحسباً للاستخقاقات القادمة – إلغاء مرحلة الترشيحات الفردية من القانون، والإكتفاء بمرحلة تسجيل اللوائح. إن لم يساهم هذا التدبير في انتظام الحياة السياسية، على الأقل سيوفر علينا مشاهدة مسلسل الخيانة والإبتزاز والرعب والتشهير التي ملأت ليالينا خلال أسبوعين.

أخيراً ليس آخراً، فاتنا أن النظام النسبي في ظل خواء الحياة السياسية، معطوفاً على آلية الصوت التفضيلي، أدى، كما شرح الباحث وسام سعادة، إلى تفاقم الفوارق بين اللوائح في مواردها الإعلانية والمالية[2]. ففيما ادعى القانون ضبط الإعلان الإنتخابي، فقد انتهى إلى ضمان تسعيرة موحدة للمرشحين وتاليا إلى تهميش كل من ليس قادرا على تسديد هذه التسعيرة. وكان الأجدى به أن يخصص فسحة من الوقت مجانية ومتساوية لكافة اللوائح.

وكذلك بالنسبة للإنفاق المالي الذي ادعى القانون ضبطه والذي تحول بسحر ساحر إلى موازنتين (واحدة علنية لكشف حساب اللائحة وأخرى سرية للصوت التفضيلي). كأن الأجدى به أن يضمن تأمين نقل مجاني في هذا اليوم إلى كل أرجاء بلد "الديموقراطية الفريدة".

أنتظر نتائج الصناديق بأمل مكبوت، أخشى من لحظة إصطدام "مركبة التغيير" بأرض الواقع أن تكون كاشفة عن إنكشافنا. آمل أن أكون مخطئاً على طول الخط لنستمتع ب "المونديال" الآتي على طول الخط.

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS

 


[1] ضمانا للأسلوب المحايد جندريا من دون تعقيد الصياغة، تشير كلمة ناخبات ومواطنات إلى الناخبين والناخبات والمواطنين والمواطنات على حدّ سواء. وهو يتماشى مع سياسة تسعى المفكرة إلى إرسائها في تحرير جميع موادها.

[2]  الضمور الانتخابي عشية الانتخابات، القدس العربي، 21/4/2018.