قبل حوالي الشهر، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات السلبية حول عدم معرفة رئيس مجلس الوزراء والنائب في البرلمان اللبناني سعد الحريري سعر ربطة الخبز. ذلك بعد أن ظهر الحريري في برنامج "دق الجرس" على شاشة MTV وأجاب على سؤال أحد الأطفال حول سعر ربطة الخبز، على أنها "500 ليرة". أقله وقتها أجاب الحريري على سؤال. أما في التقرير الذي أطلقه المركز اللبناني للدراسات تحت عنوان "أداء البرلمان بين حزيران 2009 ونيسان 2017، هل قام النواب بواجباتهم؟"، فقد إمتنع النائب المذكور عن اجراء المقابلة. ومثله 63 نائب امتنعوا أيضاً، من بينهم رئيس الجمهورية النائب العماد ميشال عون، النائبة بهية الحريري، وزير الداخلية والنائب نهاد المشنوق، رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب محمد رعد، النائب وليد جنبلاط والنائب ستريدا جعجع. امتناع هؤولاء، وفكرة الحريري عن سعر ربطة الخبز لا يعود غريباً في ظل النتائج التي تتوصل اليها الدراسة.

بالمقابل، النواب الـ 65 الذين وافقوا على الإجابة على أسئلة المركز، فإجاباتهم لا تدعو إلى الإطمئنان، حيث تظهر أن مجلس النواب بغالبيته، لا يولي اهتماما كبيرا بالمواطنين.

يعرض التقرير، وإلى جانبه الموقع الإلكتروني [1]، "معلومات حول أداء البرلمان اللبناني في الدور التشريعي الثاني والعشرين ويغطي المدة الزمنية بين حزيران 2009 ونيسان 2017". هذه المعلومات "مبنية على بيانات مستقاة من الجريدة الرسمية، والموقع الإلكتروني الرسمي للبرلمان اللبناني، ومحاضر الجلسات، وبيانات استحصل عليها من البرلمان، والمواقع الرسمية للأحزاب السياسية اللبنانية، كما وعلى استبيان رأي أجريناه في عامي 2015 و2016 مع 65 نائباً وافقوا على إجراء المقابلات من أصل 128 نائب". يتبين من التقرير وجود هوة كبيرة بين النواب والشعب، حيث تظهر دراية الممثلين بأولويات ناخبيهم محدودة جداً. الأدهى أن أولويات النواب داخل الحزب السياسي نفسه متفاوتة وأحياناً متعارضة. كذا يظهر في التقرير أن معلومات النواب الحاليين حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للدولة شبه منعدم.

 

النائب "غريب" عن ناخبيه

في إطار إطلاق التقرير بتاريخ 22 آذار 2017، يوضح سامي عطالله من مركز الدراسات اللبناني كيف وثقت الدراسة أن "أداء النواب أقرب إلى عرض مسرحي مما هو إلى القيام بدور فعلي". ينطبق هذا الكلام على الذين حاولوا الإيحاء بأداء دورهم، لا سيما أن "85 نائب تغيبوا عن الحضور إلى المجلس من دون تقديم أعذار، وهناك من لم يحضر إلا مرتين خلال السنوات التسع الفائتة". يضيف عطالله: "سألنا الناس والنواب عن أولويات المواطنين، فظهر أن 6 من أصل 7 أوليات للناس هي ذات طابع اقتصادي اجتماعي". بالمقابل يتبين أن "3 من أصل 7 من الأولويات التي سماها النواب تنطبق على تلك التي سماها المواطنون". والحال أنه يتبين من محاضر الاجتماعات العلنية وغير العلنية لمجلس النواب، التي إطلع عليها معدو التقرير، أن "تداول النواب لهموم الناس شبه معدوم، وأن كلامهم عن الفقر أو البطالة عادةً ما يأتي في إطار جلسات الثقة المعلنة".

يبين التقرير حجم الهوة بين أولويات المواطنين ومعرفة النواب بهذه الأولويات. وحيث اعتبر 2496 مواطن، يشكلون مجمل العينة المشاركة بالاستبيان،  أن ارتفاع الأسعار يشكل أولوية. فقط 7 نواب من بين  65 مشاركا إعتبروا هذه القضية ضمن الأولويات. في سياق متصل، 29 نائب أعطوا إجابات خاطئة لناحية نسبة البطالة في لبنان. 26 من بين هؤلاء يعتقدون أن نسبة البطالة تتخطى 25%. على الرغم من ذلك 6 من بينهم فقط اعتبروها هماً وطنياً. على صعيد البطالة أيضاً 9 نواب صرحوا أنهم لا يعرفون حجم البطالة في لبنان، على أن 3 من بين غير العارفين يعتبرونها هماً وطنياً. بالمقابل، اعتبر 28 نائباً أن نسبة الفقر في لبنان أقل من معدلها الواقعي، بالمقابل 11 نائبا يعتقدون أنها تتخطى  35%. أيضاً من بين هؤلاء وهم 11، فقط نائب واحد اعتبر الفقر هماً وطنياً. الأهم أن 9 نواب صرحوا أنهم لا يعرفون نسبة الفقر في لبنان، وأحداً من بينهم لم يعتبر أن هذه القضية تشكل أولوية.

إلى ذلك، فقط 3 نواب اعتبروا أن الكهرباء أولوية وطنية. ونائب واحد اعتبر ان أزمة النفايات هي كذلك. ولم يعتبر أي نائب من بين 65 أن مكافحة الفساد هي أولوية وطنية. بالمقابل، هذه القضايا اعتبرت أولويات لعدد أكبر من النواب عند تقييمها على صعيد الدوائر الانتخابية. ذلك أن 4 اعتبروا أن الكهرباء ضمن الأولويات في دوائرهم الانتخابية، ومثل عددهم اعتبر مكافحة الفساد كذلك، فيما اعتبر 5 أن أزمة النفايات هي ضمن الدائرة.

إلى ذلك يمضي النواب وفقاً لاجاباتهم فقط 30% من وقتهم في عملهم على صعيد الرقابة والتشريع وفقاً لـ عطالله. وهو ما يتضح من خلال المعلومات التي تعرضها الدراسة بمزيد من التفصيل. لجنة الادارة والعدل هي اللجنة النيابية الوحيدة التي اجتمعت بمعدل 9 مرات شهرياً (454 إجتماع خلال 4 سنوات)، والأشغال العامة  بمعدل 4 اجتماعات شهرياً (218 اجتماع بين 2010 و2014). بالمقابل، يتبين أن لجنة البيئة اجتمعت 32 مرة فقط، ليشهد لبنان أزمة بيئية ممتدة منذ عام 2015. أيضاً، يبدو أن لجنة الدفاع الوطني والداخلية والبلديات لم تجتمع سوى 93 مرة في ظل خطاب شعبوي تحمله كل الكتل النيابية حول مخاطر اللجوء وربطه بالإرهاب. أيضاً لجنة التربية والتعليم لم تجتمع سوى 48 مرة بين عامي 2010 و2014 وها هي البلاد أمام قضية ارتفاع الأقساط وغياب تام لأي خطاب قادر على طرح المدرسة الرسمية كـ حل لهذه الأزمة.

هذا على صعيد اللجان، أما على صعيد الهيئة العامة لمجلس النواب، فيتضح أن 31 من أصل 352 قانون أقروا بين عامي 2010 و2014 يتعلقون بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أولوية بالنسبة للمواطنين. بالمقال، ووفقاً لما يشير إليه عطالله، فإن معظم القوانين المقرة عبارة عن "إتفاقيات دولية وهي بالتالي لا تعبر عن جهد تشريعي فعلي".

يفاقم سوء الأداء التشريعي، في ظل إنعدام نتائج الدور الرقابي للنواب. بحسب التقرير نفسه، انعقدت خلال السنوات 2010- 2017 فقط 5 جلسات رقابة على عمل الحكومة من أصل 9 كان يجب انعقادها بحسب القانون. والجلسات المنعقدة لم تؤدّ إلى أي محاسبة على صعيد عدم إصدار الحكومة لمراسيم تطبيقية لتفعيل 33 قانون صدر بين عامي 2000 و2014. بهذا المعنى فإن النواب الحاليين، عندما يشرعون وهو أقل ما يفعلونه، فهم لا يعملون لتفعيل القوانين التي يصوتون عليها. ومن بين القوانين المعلق تفعيلها على مراسيم تطبيقية: "حقوق الأشخاص المعوقين، حماية البيئة، تنظيم قطاع الكهرباء، حماية المستهلك، قانون السير، تنظيم ومعالجة مياه الشرب (...)". الأهم أن "تقاعس النواب عن تأدية مهامهم" لا يمنع حصولهم على "تعويضات ومخصصات قيمتها 352 مليار ليرة لبنانية خلال 8 سنوات".

 

و"غريب" عن حزبه أيضاً

يقول عطالله على سبيل "النكتة" أنه "لو أخذنا آراء النواب بجدية، يجب عندها أن يتركوا أحزابهم ويتجمعوا ضمن أحزاب جديدة تعبر عن آرائهم المشتركة". ذلك أن آراء نواب الكتلة النيابية نفسها مختلفة، بينما يلتقي نواب من الكتل المختلفة على الرؤية نفسها. وهو ما يعني أن "الأحزاب في لبنان لا تملك أجندة إقتصادية واجتماعية" وفقاً لعطالله.  بهذا المعنى يمكن أن يجتمع ضمن كتلة واحدة كل من "جوزيف معلوف وأنطوان زهرة (القوات اللبنانية) وزياد القادري، معين مرعبي،سمير الجسر وجان اغسبيان(المستقبل) ومحمد نجيب ميقاتي (التضامن) والان عون (التغيير والإصلاح)" في تكتل واحد يؤيد منح مجالس الأقضية صلاحيات مطلقة، يؤيد قانون الايجارات الحالي ويؤيد بقاء الضرائب على مداخيل الشركات والأرباح على ما هي عليه.

هذه الكتلة المتخيلة هي  واحدة من أصل 6 تقترحها الدراسة بناءً على "عدد من المحاكيات لمواقف النواب من مجموعة من السياسات العامة نتج عنها كتل افتراضية تعدت حدود الانتماء إلى حزب أو كتلة" وفقاً لما يشير إليه التقرير. وتأتي هذه النتائج في سياق قياس لتوافق النواب ضمن الكتلة السياسية الواحدة على مجموعة من القضايا الرئيسية كـ "الفقر والضرائب والرسوم على السلع الاستهلاكية الأساسية والتغطية الصحية الشاملة وقانون الأحوال الشخصية ومنح المرأة اللبنانية جنسيتها لأبنائها (...)". هذا المسح بين أن أعلى نسبة توافق داخل الكتلة الواحدة هي 65% وقد سجلتها كتلة الوفاء للمقاومة. أما أدنى نسبة سجلتها كتلة التغيير والإصلاح التي ينخفض فيها التوافق إلى حدود الـ 48%. وانطلاقاً من مفهوم الأحزاب السياسية، فان هذه النسب لتدل على ديمقراطية، إنما على كون الأحزاب السياسية غير معنية بالشأن الاقتصادي والاجتماعي ما ينتج تفاوتا جوهريا في آراء النواب حول ضمن الكتلة الواحدة حول هذه القضايا.

 

ما المطلوب؟

"العمل السياسي في العالم هو بحد ذاته عمل اقتصادي اجتماعي، وهذا الأمر غائب عن لبنان" يقول محمد عالم من المركز اللبناني للدراسات. لذا فبداية الحل تكون "بقانون عصري للأحزاب السياسية، وتعديل قانون الانتخابات من جديد حيث تعتري القانون المقر مؤخراً مشاكل كبرى". أما على صعيد عمل مجلس النواب وتقييمه فلا بد وفقاً لعالم أن "يعدل النظام الداخلي لمجلس النواب لا سيما لناحية طريقة وضع جدول الأعمال، وضرورة تحوله إلى الانعقاد المستمر في ظل غياب أي مبرر لحصر اجتماعاته ضمن دورتين عاديتين". يضيف عالم أن "مسألة المحاضر السرية في اللجان يجب أن تلغى، فلا يمكن أن أحاسب النائب فعلياً ما لم أعرف ما هي آراؤه التي أدلى بها داخل اللجان".  كما يجب "تمديد مدة استجواب النائب للوزير، ذلك أن 15 دقيقة لا يمكن أن تؤدي إلى محاسبة جدية". الأهم أنه "لا بد من وضع أطر جديدة وحديثة لرقابة عمل مجلس النواب، أبرزها توسيع صلاحيات المجلس الدستوري". 

 


[1] - http://www.niyabatanani.com/fidio.php