ماذا سيذكر التاريخ عن أحداث كانون الثاني 2018 في لبنان؟ أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري غضب جدا لأن وزير الخارجية جبران باسيل في الحكومة نعته بأوصاف ترشح عن مذمة واضحة. أن بعض جمهور الرئيس بري نزلوا إلى الشارع يعبّرون عن غضب الزعيم الذي يجلّونه. حرقوا الدواليب. قطعوا الطرقات. هدّدوا بإشعال فتنة طائفية لأن ما قيل في زعيمهم هو بحدّ ذاته فتنة. هددوا بتعطيل الحكم ومعه "العهد" والدولة ومصالح الناس ما لم يعتذر وزير الخارجية عن خطئه. وهذا الحدث التاريخي رغم عبثيته، إنما يستوجب ملاحظات عدة:

أولاً، أنه يعكس مرة أخرى المكانة الكبيرة التي ما زال القادة السياسيون يحتلونها في النظام اللبناني، الذي يظهر مرة أخرى على أنه نظام كاريسماتي، وتاليا غير ديمقراطي. فعلى غرار ما حصل مرارا في لبنان، أيّ تعرض لزعيم، يُصوّر على أنه تهديد من طائفة لأخرى، وبكلمة أخرى فتنة. وعليه، يصبح تظهير ردود الأفعال "العصبية" والمتشنجة أمرا مطلوبا لتوصيف التعرض على هذا الوجه وعمليا لتحصين القائد بعصبية جمهوره. وبالطبع، مؤدى ذلك هو تعزيز الحساسيات الطائفية، وتعميق الاستقطاب والانقسام الطائفيين والحؤول دون تطور الحياة المدنية الجامعة. وتكتسب ردود الأفعال هذه أبعادها الحقيقية حين مقارنتها مع ضعف التعاطف الاجتماعي إزاء الاعتداءات على حقوق المواطنين والدولة.     

ثانياً، أن هذا الحدث هو في حقيقته تكرار لأفعال مشابهة هي في صدد التحوّل إلى "عرف خارج عن القانون" contra legem كلما تعرّض أحدهم لأحد القادة. فهذا ما شهدناه بمناسبة الحراك الحاصل في صيف 2005 حين تجرّأ بعض الناشطين على اتهام بعض الزعماء بالفساد. فانهال عليهم وابل من الحجارة من دون أن يتعرّض أيّ من المهاجمين الموثقة صورهم وهتافاتهم للملاحقة. وقد تكرّر الحدث نفسه أكثر من مرة أمام مبنى تلفزيون الجديد وما ترافق معه من تهويل وترهيب. فكأنما نشهد مع تراجع جرائم الشرف ضد النساء والتي كان يعتبر فيها المعتدي وكأنه يحقق عدالته الخاصة من أي عقاب، نشوء نوع جديد من جرائم الشرف، نوع جديد من العدالة الخاصة المقبولة: جرائم الذود عن شرف الزعماء، والتي يجدر إعفاؤها من العقاب بالنظر إلى وظيفتها المفترضة. وبالطبع، كما لا يهم ما يكون الرجال فعلوه بحق ضحاياهن من النساء، لا يهم ما يكون الزعماء ارتكبوه بحق الناس. فتلك الأفعال لا تستحق حتى الإعتذار.      

ثالثا، أن هذا الحدث يأتي بعد أقل من شهر من تصريح الرئيس بري بأن "القضاء للضعفاء"، وكأنه جاء يستكمل هذه الجملة بعبارة لا تقل بلاغة: "أما الزعماء، فلهم قوة الشارع".

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj