بتاريخ 2 يوليو 2017 أصدرت الدائرة الأولى (فحص الطعون) بالمحكمة الإدارية العليا حكماً ينشئ مبادئ قانونية جديدة، تضاف إلى سجل الدائرة المفعم بالإنسانية والوطنية وحماية حقوق الإنسان. صدر الحكم بإجماع الآراء فى الجلسة المنعقدة برئاسة المستشار أحمد الشاذلي وعضوية المستشار الدكتور الفقيه محمد خفاجي، المقرر الذي كتب هذا الحكم، والمستشار مبروك حجاج، وبحضور المستشار محمد رسلان مفوض الدولة.

صدر الحكم المذكور في الطعن رقم 78415 لسنة 62 قضائية عليا، المقام من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس مصلحة السجون "بصفاتهم"، ضد حكم محكمة القضاء الإداري، (الدائرة الأولى) بالقاهرة، الصادر لصالح شقيق طبيبة مختفية، في الدعوى رقم 24473 لسنة 69 قضائية بجلسة 17 مايو 2016.

أولاً: وقائع الدعوى

أقام المواطن شقيق الطبيبة دعواه أمام محكمة القضاء الإداري، طعناً على القرار السلبي المتمثل في امتناع وزارة الداخلية عن الإرشاد إلى مكان تواجد شقيقته، وعدم تمكينه من حق كفله له الدستور والقانون في الإرشاد عن مكان تواجدها، أياً كان وليس بالضرورة تواجدها محتجزة أو محبوسة أو معتقلة داخل إحدى مؤسسات الوزارة. وذكر المدعي تأييداً لدعواه أن شقيقته الطبيبة اختفت منذ 18 أبريل 2014 أثناء عودتها إلى منزلها بسوهاج، إثر قيام قوات الشرطة بالقبض عليها – وهو ما لم  تنكره الجهة الإدارية المدعى عليها – وتم تحرير المحضر رقم 2536 لسنة 2014 إداري أول أسيوط بذلك، ولم يعثر لها على أثر في السجون المصرية – بحسب رد الجهة الإدارية – ولا يزال مصيرها غير معلوم واكتفت وزارة الداخلية في ردها على كلمة موجزة بأنه لم يستدل على شقيقة المدعي بقاعدة بيانات نزلاء السجون.

واعتبرت محكمة القضاء الإداري أن امتناع وزارة الداخلية عن الإرشاد عن مكان تواجد شقيقة المدعي ومعرفة مصيرها وكشف حالة الغموض المحيطة بها، يشكل قراراً سلبياً مخالفاً للدستور والقانون، ويتعين على القضاء إلغاؤه مع ما يترتب على ذلك من آثار. طعنت وزارة الداخلية على حكم القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، التي رفضت الطعن لمطابقة الحكم للقانون، وأضافت محكمة الطعن في حكمها محل التعليق، تأييداً لرفض الطعن، أسباباً مستجدة لترسيخ حق المحتجز أو المحبوس في الاتصال بمحاميه وذويه على مستوى القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن الدستور المصري وقوانينه السائدة.

ثانياً: أسانيد المحكمة الإدارية العليا في رفض الطعن

دفعت الجهة الإدارية الطاعنة بعدم قبول الدعوى، لانتفاء القرار الإداري، على سند من القول أن وزارة الداخلية لم تتخذ أي إجراء أمني بحقّ شقيقة المطعون ضده. ورد المستشار المقرر المبدع على الدفع محدداً مفهوم القرار الإداري الذي يجوز الطعن عليه بالإلغاء، مؤكداً أنه لا يشترط لتوافر القرار الإداري اتخاذه شكلاً معيناً، وإنما هو بوصفه تعبيراً صادراً عن جهة الإدارة، بقصد إحداث أثر معين بإنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغائه، يمكن استخلاصه من تصرفات جهة الإدارة وسلوكها حيال موقف أو طلب من أحد المواطنين. ولا ريب في أن ما يستهدفه المطعون ضده هو امتناع وزارة الداخلية عن الإرشاد عن مكان تواجد شقيقته أياً كان، بما يخل بالحق الدستوري المنصوص عليه في المادة 59 من الدستور الساري من أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها، وأن عدم تمكين المطعون ضده من الاطمئنان على تواجد شقيقته بأي مكان يعتبر قراراً إدارياً. فبموجب هذا التدبير، تكون الجهة الإدارية المختصة أفصحت عن إرادتها في حرمانه من إجراء ذلك الإرشاد، وذلك بقصد إحداث أثر لا ريب فيه ولا جحود له، وهو عدم تمكين المطعون ضده من حق كفله له الدستور والقانون. وهذا الامتناع هو امتناع عن واجب دستوري والتزام قانوني، مما يشكل قراراً إدارياً سلبياً متكامل الأركان، يكون للمطعون ضده مصلحة قائمة في الطعن عليه أمام مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري متي قامت موجباته، الأمر الذي تقضي معه المحكمة برفض الدفع الماثل، وتأييد الحكم المطعون فيه الذي قضى بذلك لمطابقته للقانون.

وفي الموضوع، قضت المحكمة برفض الطعن، استناداً إلى نصوص دستورية وقانونية وطنية، تعاضدها اتفاقية دولية صدقت عليها غالبية دول العالم، على النحو التالي:

أ- النصوص الدستورية وردت في دستور مصر الثورة الصادر في 18 يناير 2014 وهي:

1- المادة 54: الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق، ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.

2- المادة 59: الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.

3- المادة 94: سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة ...

4- المادة 167: تمارس الحكومة، بوجه خاص، الاختصاصات الآتية: ...المحافظة على أمن الوطن وحماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة...

5- المادة 206: الشرطة هيئة مدنية نظامية، فى خدمة الشعب، وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام والآداب العامة، وتلتزم بما يفرضه عليها الدستور والقانون من واجبات، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل الدولة أداء أعضاء هيئة الشرطة لواجباتهم، وينظم القانون الضمانات الكفيلة بذلك.

ب- النصوص القانونية: وردت في قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971

1- المادة الأولي: الشرطة هيئة مدنية نظامية بوزارة الداخلية ... وتتولى وظائفها وتباشر اختصاصاتها برئاسة وزير الداخلية وتحت قيادته ...

2- المادة الثالثة: تختص هيئة الشرطة بالمحافظة على النظام والأمن العام والآداب وبحماية الأرواح والأعراض والأموال، وعلى الأخص منع الجرائم وضبطها، كما تختص بكفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين في كافة المجالات وتنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات.

وقد استخلصت المحكمة من هذه النصوص، أن أهم الواجبات الملقاة على عاتق وزارة الداخلية وأولى الالتزامات التي تضطلع بها الالتزام بالمحافظة على حياة المواطن ...، والقيام بواجبها في التحري والكشف عن مكان تواجد أي مواطن سواء كان حياً أو ميتاً في حال تقديم أي بلاغ بشأن اختفائه وعدم العثور عليه، وإثبات ذلك في وثائقها ومستنداتها للرجوع إليها عند اللزوم ...

ج- النصوص الدولية: استدعى المستشار المقرر الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 61/177 في الأول من ديسمبر 2006، والتي نصت مادتها الأولى على أنه: 1- لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري. 2- لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثنائية أخرى، لتبرير الاختفاء القسري.

كما نصت مادتها الرابعة على ضرورة أن "تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لكل ما يشكل الاختفاء القسري جريمة في قانونها الجنائي"([1]). وإذا لم تفعل الدولة ذلك، فقد وضعت المادة الخامسة البديل بنصها على أن "تشكل ممارسة الاختفاء القسري العامة أو المنهجية جريمة ضد الإنسانية كما تم تعريفها في القانون الدولي وتستتبع العواقب المنصوص عليها في ذلك القانون". ونصت المادة 17 على أنه: 1- لا يجوز حبس أحد في مكان مجهول. وحدد البند 2 - التزامات الدولة في مجال الحرمان من الحرية وضمانات المحروم من حريته، وفي حالة الاشتباه في وقوع اختفاء قسري.. .. فقررت حق كل شخص له مصلحة مشروعة في الطعن أمام محكمة تبت في أقرب وقت في مشروعية حرمانه من حريته وتأمر بإطلاق سراحه إذا تبين أن حرمانه من حريته غير مشروع.

وواجه حكم المحكمة الإدارية العليا المأزق الدستوري المتمثل في عدم توقيع مصر على الاتفاقية، فقرر أن عدم توقيعها على الاتفاقية([2])، لا يعني التحلل من ربقة الالتزام بهذه الاتفاقية بموجب الدستور المصري ذاته (م 93)، وبمقتضاه تكون التزامات مصر الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الاتفاقيات التي صدقت عليها تتمتع بقوة الإلزام القانوني "وفيما يتعلق بتلك التي لم تصدق عليها بقوة الإلزام الأدبي الدولي الذي يرقى إلى الالتزام القانوني الداخلي".

ولم يغفل حكم المحكمة الإدارية العليا عن التذكير بسوءات الاختفاء القسري للأشخاص، ففضلاً عن أنه يعد خرقاً لكافة مبادئ حقوق الإنسان، تشكل الظاهرة نوعاً من العذاب لضحاياه الذين يظلون على جهل بمصيرهم، كما أن فرص حضور من يمد لهم يد المساعدة ضئيلة ... وتعاني أسرة المختفي ، فتتأرجح أحاسيس أفرادها بين الأمل واليأس لعدم علمهم بما إذا كان المختفى على قيد الحياة أم لا.

وخلصت المحكمة من كل ما تقدم إلى أن امتناع وزارة الداخلية عن الإرشاد عن مكان تواجد شقيقة المطعون ضده، ومعرفة مصيرها وكشف حالة الغموض المحيطة بها، تتصادم مع واجبات وزارة الداخلية الدستورية والتزاماتها وواجباتها القانونية، ويتعارض مع كرامة الفرد التي هي انعكاس طبيعى لكرامة الوطن، إذ أنه بقدر كرامة الفرد تكون مكانة الوطن وقوته وهيبته، ويجافي الالتزام الدولي في حظر الاختفاء القسري، أخذاً في الاعتبار أن الفتاة في مصر والعالم العربي هي حرمة الرجل وشرفه، وتبلغ ذروتها في محافظات الصعيد لتقاليده الموروثة، التي يضحى فيها البيان عاجزاً عن التبيان لمرارة الألم التي تعيشها أسرتها لاختفائها وعدم العثور عليها. ولما كان هذا الامتناع يشكل قراراً سلبياً مخالفاً للدستور والقانون، فمن ثم يتعين القضاء بإلغائه مع ما يترتب على ذلك من آثار، وهو ما حكمت به المحكمة بإجماع الآراء عندما رفضت طعن الجهة الإدارية على حكم محكمة القضاء الإداري.

ثالثاً: الدروس المستفادة من الحكم

يؤكد هذا الحكم الدور الإنساني الاجتماعي الخلاق للقضاء الإداري الذي سجلناه في مناسبات عديدة سابقة، فضلاً عن دوره في حماية الحقوق والحريات التي كفلها الدستور المصري والقوانين الوطنية والمواثيق الدولية. ويكفي أن نسجل في هذا الخصوص بعض المؤشرات على هذه الأدوار جميعها في الملاحظات التالية:

أ- الدور الإنساني الاجتماعي تنطق به عبارات الحكم، وخصوصا في المقاطع التي ورد فيها وصف الفتاة التي "تعمل طبيبة بمستشفي صحة المرأة بمحافظة من محافظات الصعيد بتقاليده الموروثة، اختفت منذ ثلاث سنوات تعاني فيها، كما تتجرع أسرتها مرارة الألم لاختفائها وعدم العثور عليها أو معرفة أخبارها وما إذا كانت على قيد الحياة أم لا". وقد تجلى الجانب الإنساني واضحاً في سرعة الفصل في القضية من محكمة القضاء الإداري، ثم كان الفصل في طعن الجهة الإدارية على حكم محكمة القضاء الإداري أكثر سرعة، لنشهد مثالاً يحتذى على العدالة الناجزة، يستحق تسجيله والإشادة به ودعوة كل أجهزة الدولة وإداراتها إلى تدبره والاقتداء به.

ب- الدور الخلاق للقضاء الإداري، الذي يعد مصدراً من مصادر القانون الإداري، وقلعة لحماية الحقوق والحريات. وقد تجلى ذلك في تأصيل التزام الدولة باتفاقيات حقوق الإنسان، فيما يتعلق بتلك التي لم تصدق عليها، ولا تستطيع أن تتحلل – تحت ستار عدم التصديق – من ربقة الالتزام بما ورد فيها من التزامات على الدولة. فالدولة المصرية – وهي فى قلب العالم النابض – عضو في المجتمع الدولي تلتزم بقوانينه وأعرافه الإنسانية. وكنا نأمل استكمالاً لهذا الدور المنشئ الخلاق أن يستنهض الحكم صراحة – كعادة القضاء الإداري - همة الدولة ويوجهها إلى ضرورة التصديق على اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، بما يترتب على ذلك من تنفيذ الالتزامات الواردة فيها، وأهمها ما تضمنته المادتان 4، 7 من ضرورة تجريم الاختفاء القسري وفرض عقوبات ملائمة على هذه الجريمة تأخذ في الاعتبار جسامتها الذاتية. ونكاد نلمس أن القاضي المقرر قد استنهض همة الدولة بشكل ضمني حين سجل أن مصر من الدول القليلة على مستوى العالم التي لم توقع على الاتفاقية الموقع عليها من 141 دولة حتى الآن، وهو مايتنافى مع مكانة مصر "وهي الدولة الضاربة بحضارتها التليدة في أعماق التاريخ". فلا يصح أن تكون الدولة المصرية- وهذا موقعها من العالم وتاريخه الإنسانى- من بين الدول التي لم توقع بعد على اتفاقية الاختفاء القسري منذ اعتمادها من الأمم المتحدة في سنة 2006 وفتح باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها. فليس هذا شان مصر التي كانت دوماً من الدول السباقة إلى المساهمة في صياغة واعتماد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها صدقت على غالبية هذه المواثيق، والتزمت بأحكامها، التزاما بأحكام الدستور الحالي والوثائق الدستورية السابقة التي أعلت شأن الإنسان وأوجبت الحفاظ على كرامته وحفظ أمنه واستقراره.

وفي هذا الإطار يكون حكم المحكمة الإدارية العليا قد دق ناقوس الخطر لتنبيه السلطات العامة إلى وجود قصور في التعاطي مع موضوع الاختفاء القسري، قبل أن يتحول إلى ظاهرة تمثل نقطة سوداء في ثوب الدولة المصرية.

 

[1] وأضافت المادة السابعة ضرورة أن "تفرض كل دولة طرف عقوبات ملائمة على جريمة الاختفاء القسري تأخذ في الاعتبار شدة جسامة هذه الجريمة".
[2] سجل الحكم أن 141 دولة وقعت على اتفاقية منع الاختفاء القسري، وكانت مصر من الدولة القليلة التي لم توقعها على مستوى العالم.