في مذكرة صدرت عنه مساء يوم 28-04-2020، استند المجلس الأعلى للقضاء لكشف الحكومة عن توجهها لرفع الحجر الصحي تدريجيا، ليقرّر مراجعة الاختصاصات التي يسمح للمحاكم مباشرتها خلال هذه الفترة والتي ستشمل  بداية من 04-05-2020:

  • قضايا الموقوفين بالنسبة للنيابة العمومية والتحقيق ودوائر الإتهام،
  • انعقاد الجلسات المتعلقة بالموقوفين في القضايا الجنائية والجناحية خلال سائر أطوار التقاضي،
  • تأمين انعقاد جلسات القضاء الاستعجالي وكذلك تأمين النظر في الأعمال الولائية،
  • تأمين التدابير الحمائية لقاضي الأسرة في علاقة بمناهضة العنف ضد المرأة والطفولة المهددة،
  • تأمين النظر في القضايا الإدارية التحفظية في مادة إيقاف وتأجيل التنفيذ وفي المادة الإستعجالية كتأمين التعهد بالملفات الإستشارية المؤكدة،
  • استئناف العمل القضائي (نزاع انتخابي ، زجر أخطاء التصرف) أمام محكمة المحاسبات."

 

ملاحظات حول ما شملته المذكرة وما استثنته

وهذه المذكرة تستوجب الملاحظات الآتية:

  1. أن عودة القضاء للنظر في مختلف قضايا الموقوفين بعدما كان سابقا لا ينظر إلا في مطالب السراح المتعلقة بهم والقضايا الجناحية زيادة على كونه يكرس حق هؤلاء في المحاكمة.
  2. أنّ التوسّع فيما ينظر فيه قضاة الأسرة ليشمل "التدابير الحمائية في علاقة بمناهضة العنف ضد المرأة" يستجيب لحاجة مجتمعية مؤكّدة برزت بوضح وتمثلت في تضاعف عدد الإشعارات بالعنف ضد المرأة والمسنين والأطفال بسبع مرات جرّاء ظروف الحجر[1].
  3.  أن النظر في القضايا الإستعجالية وفي الأعمال الولائية من شأنه حماية الحقوق في النزاعات بنجاعة أفضل.  
  4. أن عدم إدراج قضاء النفقة والجلسات الصلحيّة في قضايا الطلاق في القائمة المعلنة قد يكون فيه إغفال لحقوق مؤكدة للأفراد في معاشهم وحياتهم.

 

اختلاف مكونات الأسرة القضائية فيما تعلق بعودة المحاكم لنشاطها الإعتيادي

مع بداية تفشّي مرض الكوفيد 19، كانت الهيئة الوطنية للمحامين الجهة التي بادرت لدعوة المجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل لتعليق العمل للمحاكم. تاليا وبفعل طول فترة الحجر الصحي، بات المحامون يطالبون بمعاودة المحاكم نشاطها الإعتيادي. وبدا هذا الطلب في وسطهم مبررا خصوصا وأن تعطّل العمل أضرّ بعدد كبير منهم في معاشهم. في المقابل، لم يجدْ موقفهم قبولا  لدى القضاة وكتبة المحاكم الذين تمسكوا بكون كل استئناف لعمل المحاكم يجب أن يكون تدريجيا وفي أطر تضمن السلامة الصحية للجميع.

وهنا تستجيب مذكّرة المجلس لهواجس العاملين في مرفق العدالة إلى حدّ بعيد. ويفرض ما انتهت له من تواصل تعطيل النظر في عدد من فروع النزاعات التخطيط الجيد لخطوات تالية تتبعها تحمي حقوق المتقاضين وتستجيب للهواجس المشروعة للمحامين ولكل أصحاب المهن الحرة العدلية. وقد يكون تطوير الممارسات في تحضير القضايا لجلسات المرافعة مدخلا لذلك. وينتظر هنا من المجلس الأعلى وقد تصدى لإدارة المحاكم أن يصوغ تصوراته في الموضوع، فيعلن خريطة طريق واضحة المعالم تطمئن الجميع.

 

مذكرة تحسم صراع صلاحية إدارة المحاكم العدلية لفائدة المجلس الأعلى للقضاء

بتاريخ 15-04-2020، أصدرت وزيرة العدل ثريا الجريبي مذكرة دعت فيها الدوائر الجنائية بمختلف المحاكم لمعاودة الإنعقاد للنظر في قضايا الموقوفين. في ذات اليوم، ردّ مجلس القضاء الذي أكد استمرار العمل بمذكرته السابقة التي تقصر نظر المحاكم فيما تعلق بتلك المادة في مطالب السراح دون سواه. ساند حينها القضاة مجلسهم دون كبير اهتمام بما يسنده القانون لوزيرة العدل من صلاحية إدارة المحاكم. و في ذات سياق تنازع الاختصاص هذا، ترد مذكرة المجلس لتؤكد أنه بات صاحب السلطة الفعلية في إدارة المحاكم العدلية. ويبدو"افتكاكه"[2] لهذه الصلاحية مهما لما برز من ممانعة من السلطة التنفيذية في تمكينه منها ومن رفض للإدارة الذاتية للقضاء العدلي في وقت قبلت فيه بذلك في القضاء المالي ولم تظهر فيه أي مناعة لممارسته في القضاء الإداري.

واعتبارا لأهمية مذكرة المجلس تلك، تتولى المفكرة نشرها لتمكن قراءها من الإطلاع عليها والتفاعل مع ما انتهت له من مقررات.

 


[1]  تصريح وزيرة المرأة والأسرة  بتاريخ 11-04-2020

[2]  مصطلح استعمله رئيس المجلس  الأعلى للقضاء في حواره مع المفكرة القانونية بمناسبة حديث عن صراع السلطة الترتيبية بين وزارة العدل ومجلسه .