كان رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي واضحاً من لحظة افتتاحه الجلسة الأولى في 21 نيسان حين تمنّى على النوّاب "تجاوز موضوع الأوراق الواردة حرصاً على جلسة فاعلة وفعّالة وإنتاج حقيقيّ بالتشريع". وكرّر نائب الرئيس إيلي الفرزلي هذا الخطاب لاحقاً مقترحاً التصويت من دون نقاش اختصاراً للوقت، على أساس أنّ مجموعة قوانين أشبعت دراسة. وعند مناقشة اقتراح تشريع نبتة القنب للإستخدام الطبّي، استهلّ الفرزلي الكلام طالباً التصويت فوراً كون المشروع درس لأكثر من سنة في جلسات لا يحصى عديدها و"تم الاتّفاق على الإقتراح".

هذا الخطاب ظهر أيضاً عند النائب علي حسن خليل الذي أصرّ على التصويت على مشروع قانون المهل القضائيّة والقانونيّة كما عدّله (مع لجنة الإدارة والعدل ووزيرة العدل خلال الإستراحة قبل الجلسة المسائيّة) وقرأه أمام النوّاب من دون أن يكون قد وزّع عليهم. وأصرّ برّي على أهمّية القانون والتصويت عليه فوراً، قبل أن يشدّد النائب الياس حنكش طلبه بالتصويت عليه بعد قراءته.

وثنائيّة برّي-خليل ظهرت مراراً في الجلستين (21 و22 نيسان) بحيث كان برّي يطرح على التصويت مقترحات القوانين فور اقتراح خليل تعديلاته عليها من دون مزيد من النقاش. فطلب خليل إقرار مشروع قرض ومنحة لتعزيز إنتاج المواشي مستغرباً النقاش الذي يُخاض حوله، وطلب تعديل اقتراح فضل الله (الرامي إلى تعديل المادة 61 من قانون الموظّفين). وفي الحالتين، سارع برّي إلى طلب التصويت على الاقتراحين مع تعديلات علي حسن خليل، متجاهلاً التعديلات المطلوبة من وزيرة العدل والنائبين بوليت يعقوبيان وبلال عبدالله. ولم تقتصر مداخلات علي حسن خليل على تعديلات يطرحها برّي للتصويت، بل لجأ، وخلال مناقشة موضوع المهل، إلى اقتراح قانون يقضي بتمديد ولاية الهيئة الشرعيّة والتنفيذيّة في المجلس الشيعي الأعلى، وصدّق برّي الاقتراح فوراً قبل تصويت النوّاب، باعتباره شأناً شيعيّاً.

 

الفرزلي يدعو إلى توحّد السلطة في وجه الشعب

كان نائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي اللسان الناطق للسلطة السياسيّة وسلطة المجلس تحديداً، بحيث أظهر جليّاً في أكثر من مداخلة رفض فقدان شرعيّة السلطة وقوّتها، داعياً إلى وقوف جميع النواب والقوى السياسيّة كجبهة واحدة في وجه الثورة ومعها الرأي العام. ففي تعليقه على اقتراح منح النواب صفة المطالبة بإبطال القرارات الإداريّة، اعتبر أن النوّاب "يبالغون في الميل الشعبي لزيادة اختصاص القضاء مع منع أيّ تدخّل في القضاء". وتابع "القضاء الحالي بحاجة إلى تغيير شامل. فإما نغيّره كلّه وإمّا نبقى على ما نحن من دون زيادة صلاحياته. لكن عيب أن نسنّ القوانين وتفرّحنا لدقائق أمام جمهور ثمّ لا تطبّق".  ثم سارع إلى إعلان رفضه لأن تتعرّض السلطة لأيّ محاسبة في ظل القضاء الحالي: "هل يجوز أن نفسح المجال للقضاة الحاليين ليقدّموا تقارير عن متلبّسين، ويكون أحدٌ منا بينهم؟"

وتابع الفرزلي في سياق مناقشة اقتراح قانون منع صور الزعماء والمسؤولين أنّ القوانين المستمدّة من خطاب الشعب هي "استرضاء على حساب كرامة المجلس"، ورفض ما أسماه "تزاحماً في تبرئة النفس من دمّ هذا الصدّيق". وصرخ بجميع النوّاب وبنبرة حادّة: "اصرخوا ودافعوا عن وجهة نظركم"، وكأنه يدعوهم إلى التوحّد في وجه الشعب معتبراً أنّ الإسراف في تبرئة الذات هو إسقاط لها، ومؤكّداً أنّه "يؤكل الثور الأبيض يوم يؤكل الثور الأسود" وداعيا للتعلّم منه (الفرزلي) كونه "صاحب خبرة" في السلطة السياسيّة.

ووجّه كلامه للحكومة والوزراء الذين يكتبون في تغريداتهم أنّهم "هنا" بسبب الثورة أو الشعب، مؤكّداً أنّ ثقتهم ليس من الثورة، إنّما من النوّاب. وهدّدهم في حال تكرار هذا الأمر: "والله، لأطرح الثقة بكم". وعبّر صراحة عن خوفه من المحاسبة: "لو اجتمع الإنس والجنّ ووصلوا الأرض بالسماء، لما استطاعوا أن يصلوا إلى قرار استقالتي من المجلس... روحوا بلّطوا البحر". وكان هذا الخطاب كافياً ليقوم عدد كبير من النوّاب بالتصفيق للخطاب الذي جعلهم يتراجعون فوراً عن التصويت على إزالة صور الزعماء، فسقط الإقتراح بعدما كان النواب وافقوا سابقاً على صفة العجلة وصدّقوا عليه قبل النقاش. وكان أعيد التصويت على هذا القانون رغم تصديقه من قبل بعدما قال الرئيس بري: "عفواً، أخطأت، عرضته على التصويت قبل مناقشته".  .

 

الكتل النيابيّة تدعم "الإحسان والصدقة".. وحجّة الكورونا لتمرير قوانين وكسب مصالح

لم يتطرّق المجلس إلى موضوع الكورونا إلا خلال تصويته على مشاريع قوانين أو اقتراحات متعلّقة بهبات ومساعدات أو قروض، حتّى أنّ رئيس المجلس امتعض من كثرة الكلام عن تبعات إنتشار الكورونا، ردّاً على مداخلة للنائب عاصم عراجي: "فلقتنا الكورونا"، بدون الحديث عن تداعيات هذه الأزمة على المجتمع اللبنانيّ. ورحّبت الكتل النيابيّة كافّة بتمكين المؤسسات العامة والبلديات من منح هبات رغم ما تحمله من ثقافة الصدقة والإحسان (فلم يعترض على ذلك إلّا النائب أسامة سعد). وبالتالي، وافقت الكتل جميعها على مشروع مقدّم من الحكومة يقضي بعدم فرض ضريبة على القيمة المضافة على الهبات المقدّمة نتيجة إنتشار فيروس كورونا، وطلبت حصرها بالبلديّات واتّحاداتها.

وكذلك لم تعارض الكتل النيابيّة، ما عدا تكتلّ لبنان القوي والكتائب، مبدأ الاقتراض، وذهب عضو اللقاء الديمقراطيّ مروان حمادة إلى الدعوة بضرورة "التقاط كلّ قرش" وعدم التخلّي عن أيّ قرض ممكن. واستنكر عضو كتلة التنمية والتحرير غازي زعيتر موقف "لبنان القويّ" السلبي تجاه القروض، وذلك في معرض النقاش حول قوانين دافع عنها برّي شخصيّاً مع نوّاب كتلته (مشروع قانون يرمي إلى الموافقة على قرض لتعزيز إنتاج المواشي).

جاء اعتراض الكتائب متمثلّاً بمداخلات كلّ من النائبين سامي الجميّل والياس حنكشٍ إنطلاقاً من خطابهما الذي يحاول كسب الرأي العامّ وتأكيداً على أنّ حرصهم على رفض الإقراض منطلقٌ من رغبة "انتفاضة 17 تشرين"، كما تسمّيها الكتلة، في إيجاد حلّ للأزمة الماليّة. أمّا عضو "الجمهوريّة القوّيّة" النائب جورج عدوان، فأشار، خلال اعتراضه على الإقراض وفي مداخلات أخرى، على ضرورة إيجاد حلّ للأزمة الماليّة، وطالباً ذلك من الحكومة. لم تعر التكتّلات الأخرى اهتماماً لموضوع الكورونا، إلّا من ناحية التعبير عن القلق إزاء انتشار الكورونا مجدّداً (عبّر عن ذلك النائبان عاصم عراجي وبلال عبدالله).

أمّا نوّاب تكتلّ لبنان القوي الذين كانوا تقدموا بعدد من اقتراحات القوانين لمواجهة الكورونا، فرفضوا بالمقابل استخدامها كحجّة لتمرير بعض الاقتراحات في المجلس، وبالتحديد قانون العفوّ العامّ. فاعتبر النائب باسيل أنّ حجّة اكتظاظ السجون في ظلّ كورونا لا تبرّر للتصويت على العفو العام. وكان النائب ابراهيم كنعان طالب في بداية جلسة 22 نيسان، بإعطاء الأولويّة لمشاريع واقتراحات تحاكي وجع الناس، موضحاً أنّ العمل على تداعيات كورونا يجب أن يكون أساس عمل المجلس. واستفاض أعضاء التكتلّ في الحديث عن أزمة كورونا وعن أزمة الوضع الماليّ في البلد، وفي المقابل كانوا أشدّ المدافعين عن قوانين بفتح اعتمادات إضافيّة تصرف من المال العامّ، ولكن المفارقة هي بأنّ القانونين يتعلّقان بالقطاع الخاصّ (دعم المستشفيات الخاصة ودعم المؤسسات الخاصة).

 

برّي يفضح الاتّفاقات في "كواليس" الجلسات

ربط "لبنان القوي" تلك القوانين بحاجة الناس إليها، فصرّح كنعان أنّ اقتراح التكتل ب"إنشاء صندوق خاصّ لمواجهة تداعيات وباء الكورونا على من فقدوا عملهم في القطاع الخاصّ" هو "توجيه رسالة للمجتمع اللبنانيّ" بأنّ المجلس النيابيّ يقوم بمهامّه. ولم ينتظر برّي انتهاء كنعان من مداخلته (في 22 نيسان) عن الدعوة للعمل على أزمة كورونا، حتّى استوقفه قائلاً: "غريب أمرنا. حكيت معي ومع دياب، وقلنا بدنا نمرّقوا"، قاصداً مشروع القانون الذي لم يكن على جدول أعمال الجلسة والذي يرمي إلى فتح اعتماد إضافي في الموازنة بقيمة 54 مليار ليرة لدعم المستشفيات الخاصّة لمواجهة كورونا.

كلام برّي وكنعان أظهرا أمرين بشكل جليّ. الأوّل هو كيف تتمّ عمليّة "تمرير" القوانين بالاتّفاقات السياسيّة وبمعزل عن مداولات المجلس. وكان برّي قد أكّد لاحقاً على أهميّة القانون وضرورة المضي به، وفي مداخلة لاحقة وخلال النقاش المحتدم، علّق: "ت برّد الجو، بدنا نعتمد متل ما اتّفقنا على إنّه القانون ماشي"، وكان ذلك قبل التصويت عليه. الأمر الثاني، هو استخدام خطاب الشارع والوضع الماليّ وحجّة الكورونا لغاية واحدة هي التصديق على قوانين خاصّة، تزيد العبء الماليّ لصالح مكاسب خاصّة يستفيد منها أشخاص من محيط القوى السياسية، خاصّة أنّ النقاش أظهر أنّ الأموال التي ستقّدم للمستشفيات الخاصّة هي "مصالحات"، أيّ لسدّ الأموال المتأخّرة التي كان على الدولة تسديدها للمستشفيات الخاصّة منذ سنوات. وذكر نوّاب "لبنان القوّي" مراراً مستشفى "سيّدة لبنان" كمثال وتبرير. والجدير ذكره أنّ "لبنان القوّي" كان رفض في المقابل كليّاً قانون قرض وهبة لدعم المزارعين وإنتاج المواشي لأنّ ذلك قد يدعم النازحين السوريّين العاملين في هذا المجال، معتبرين أنّ الدولة يجب أن تبحث على حلّ للتخلّص من أزمة النازحين وعبئها.

 

القوى السياسيّة تعلن براءتها من الفساد وتسقط اقتراحات المحاسبة

هرعت كافّة القوى السياسيّة ممثّلة بكتلها النيابيّة إلى الإعلان عن دعمها لمحاسبة المسؤولين عن الفساد، ولكنّها في الوقت نفسه أكّدت على عدم وقوعها ضمن دائرة الفساد. ورغم الدعم الصريح لذلك، أُسقط اقتراحا رفع الحصانة عن الوزراء وتعديل قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (وكلاهما مقدّم من النائبين حسن فضل الله وهاني قبيسي). كما تمّ إسقاط اقتراح تعريف الحصانة الدستورية واقتراح تعديل قانون الإثراء غير المشروع المقدمين من النائبة بوليت يعقوبيان فضلاً عن اقتراح إلغاء السريّة المصرفيّة (المقدّم من ميشال ضاهر). وظهرت التناقضات بين المواقف وبين التصويت، وذلك باختلاف مصلحة القوى السياسية من الاقتراحات المقدّمة، وتبعات التصديق عليها.

 تترافق هذه الاقتراحات مع الخطاب العامّ لحزب الله الذي يضع نفسه خارج منظومة الفساد. وقد أعلن فضل الله في مداخلاته عن نيّته رفع الحصانة عن الجميع ومحاسبتهم. وظهر الموقف واضحاً أكثر حين اعترض فضل الله على التعديل الذي أجري على اقتراح قانون إنشاء الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد (والذي يشترط ألّا يكون أعضاء الهيئة منتسبين إلى أحزاب سياسيّة في آخر 5 سنوات)، معتبراً أنّ "النظيف" ليس بالضرورة من خارج الأحزاب، وشدّد على فخره بالعمل الحزبيّ.  وليكون الخطاب متكاملاً، ما إن أنهى فضل الله تبرير اقتراحه المتعلّق بمحاكمة الوزراء والرؤساء، حتّى طلب النائب علي عمّار (كتلة الوفاء للمقاومة) الكلام ليعلن "طوعاً وفخراً" استقالته من المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء وذلك كي لا "تمرّ سيوف قبيسي وفضل الله على منحره"، وذهب إلى اعتبار استقالته "عبرة لمن يعتبر".

تستمرّ كتلة الكتائب بتسجيل مواقفها من الاقتراحات بما يتوافق مع خطاب الشارع الذي ما فتئت تعلن نيتها في تبنّيه. فأعلنت الكتلة تأييدها لرفع الحصانات والمساءلة. وطالب نائب الكتلة سامي الجميل بجلسات محاسبة للحكومة وقراراتها. وذهب الجميل أبعد من ذلك في مداخلة أخرى، حيث قال فيها إنّ الشارع سيحاسبهم كنوّاب، ولو جرت المساءلة سابقاً لما وصلوا إلى هذه الحال. ودعم الحزب الاشتراكي المساءلة أيضاً، وسارع نائبه بلال عبدالله إلى تبرئة حزبه عبر تسجيل اعتراض على عدم انتماء هيئة محاكمة الفساد إلى أحزاب سياسيّة، رافضاً أنّ يتهمّ الجميع بالفساد.

أمّا "المستقبل" فلجأت إلى دور الضحيّة التي تبرّئ نفسها. فقد اعترض نائب الكتلة محمّد الحجّار على تحميل بعض القوى السياسيّة مسؤولية الأوضاع الماليّة "لرفيق الحريريّ في قبره". واعتبر أنّهم تعرّضوا للظلم منذ عام 1998 حين اتّهم السنيورة (كان وزيراً حينها) بالفساد ظلماً، وأنقذته محكمة التمييز باعتبار أنّ محاكمة السنيورة يجب أن تكون على يد المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. لم يترك النائب جميل السيّد فرصة العودة إلى الحسابات القديمة حتّى تدخّل للحديث عن دوره في تلك الفترة، وللإشادة بالوصاية السوريّة، محمّلاً المسؤوليّة للحكومات المتعاقبة منذ 30 سنة. سياسة دعم محاربة الفساد مرفقاً بتبرئة للذات تابعها النائب آلان عون رافضاً أن يتهمّ وزير أو نائب في كتلته (لبنان القويّ) بالفساد زوراً، ورفض أن "يروح المنيح بعزا الـ مش منيح"، وأكّد أنّ وزراء التيّار الوطنيّ الحرّ ونوّابه جاهزون للمساءلة على أن تتمّ جديّاً وبشكل كامل على الجميع وإلّا على الجميع أن يعترف بأنّهم "أعجز من أيّ مساءلة في هذا البلد".

أمّا رئيس المجلس النيابيّ، فاستبق أيّ تلويح باتّهام نوّاب "حركة أمل" ووزرائها بالفساد، واعتمد خطاب انتقاد الطائفيّة واعتبارها العائق الأساسيّ أمام تحقيق المساءلة. اعتبر برّي أنّ الحقيقة هي أنّ مجلس النوّاب غير قادر على لعب دوره الرقابيّ بسبب الطائفيّة، وأنّ "لا أحزاب للطوائف، بل الطوائف هي التي طيّفت الأحزاب" مضيفاً "أيّ حدا بدّك تطالو بيعملولك مشكلة". وفي مداخلة أخرى، صرّح برّي أنّ فتح موضوع المحاسبة هو للتخلّص من "المحميّات الطائفيّة". هذا الكلام لم يمنع بري من المصادقة على إقرار اقتراح قانون بتمديد ولاية المجلس الشيعيّ الأعلى من دون تصويت فعلي، أي قبل رفع النوّاب أياديهم معتبراً أنّ ذلك شأن شيعيّ، وعلّق برّي مازحاً: لشو تصوتوا؟ تعتبروا شيعة إنتو؟ اعترضت النائبة رلى الطبش (كتلة المستقبل)، فأجابها برّي بصعوبة جمع 300 قاض وشيخ لإجراء إنتخابات.

 وفي اليوم الثاني من الجلسة، أعلن بري أنّ المجلس سيتقيّد بالنظام الداخليّ فيقوم بجلسة محاسبة بعد كلّ 3 جلسات تشريع، وكان قد دعا إلى البحث عن الأموال المختلسة بدلاً من رفض مبدأ الاقتراض. ولكن، وخلال النقاش على اقتراح يرمي بمنح النائب صفة الطعن في القرارات الإداريّة المقدّم من النائبة بوليت يعقوبيان، طلب برّي التصويت على الإقتراح وأعلن عن سقوط الإقتراح، الأمر الذي أثار استغراب يعقوبيان خاصّة أنّ الأيادي التي رفعت لا تؤشّر بعدم الموافقة.

رئيس المجلس يبتعد عن نقاشات تطال الشارع

بالنسبة لموضوع الحريّات، تبنّى جورج عقيص موقفاً داعماً، معتبراً أنّ كلّ اقتراحات القوانين المتعلّقة بالحريّات العامّة هي حكماً معجّلة مكرّرة ولا تحتاج إلى تبرير. وتابعت كتلة الكتائب خطابها المؤيد لانتفاضة 17 تشرين. ولذلك تقدّم النائبان سامي ونديم الجميل باقتراح يقضي بتقصير مدّة ولاية المجلس. وأعلن برّي سقوط الإقتراح فوراً بعدما دعا النواب للتصويت برفع الأيدي. إلّا أنّ النائب سامي الجميل أصرّ على طلب العدّ. وإذ استند إلى النظام الداخليّ للمجلس القاضي بوجوب إعادة العدّ في حال طلب 5 نوّاب ذلك، طرح بري الاقتراح للتصويت مجدداً بعدما حذره من أن يعيد هذا الطلب مرّة أخرى. ثمّ صرّح بأنّ العدد الذي صوّت على صفة العجلة للاقتراح هو 18 ولكن استغرب الجميل ذلك كون الأيادي التي رفعت هي أكثر من 18. وعلى ضوء هذا، طلبت يعقوبيان هي الأخرى إحصاء الأصوات عند التصويت على قانون إزالة صور الزعماء، الأمر الذي امتعض منه برّي: "فش عندي تزوير". وفي مداخلة أخرى، حذّر برّي نديم الجميل من الاستمرار بمداخلته التي تتبنّى خطاب الشارع تحت طائلة توجيه ملاحظة له وطرده من الجلسة. واعتبر، في موضع آخر، أنّ الكلام عن الشارع ومشاكل الأزمة  يبعد الجلسة عن جوّ التشريع. وتجلّى موقف برّي حين علّق مستغرباً ما ذكره النائب جورج عقيص عن ظلم عدد كبير من الموظفين الذين من حقّهم أن يدخلوا إلى قطاعات الدولة: "لازم الظلم يجي بديهيّ بهالبلد!".

وبدوره، أظهر الحزب الاشتراكيّ عبر نوّابه، تأييده لخطاب الإنتفاضة. فصرّح عضو اللقاء الديمقراطيّ بلال عبدالله عن دعمه للانتفاضة وعن حلم الحزب الاشتراكيّ بالوصول إلى دولة علمانيّة. أمّا لبنان القوي، فركّز نوّابه على الأزمة الاقتصاديّة والماليّة، وحمّل باسيل المسؤولية لحاكم مصرف لبنان، معتبراً أنّه أعجز من "سَوْق البلد" في ظلّ الأزمة، ولوّح النائب المنشق عن كتلة "لبنان القويّ" ميشال ضاهر بانفجار اجتماعيّ سيمنعهم من عقد جلسات أخرى، مستخدماً هذه الحجّة لطلب التصويت على اقتراحه.

المجلس النيابيّ يضع الحكومة في موضع الاتّهام والتوبيخ

منذ بداية الجلسة، كانت الأنظار موجّهة إلى الحكومة ووزرائها الذين توسّطوا صالة اليونيسكو بين رئاسة المجلس وبين النوّاب، ولم يترك بعض النوّاب أيّة فرصة من توجيه الملاحظات للحكومة، بلهجة شديدة في مداخلات متعدّدة. أوّل الملاحظات كانت لرئيس المجلس الذي علّق على أحد مشاريع الحكومة بأنّه يترك مجالاً للنقاش حوله ليلفت نظر الحكومة إلى أنّ كلّ القوانين يجب أن تمرّ على "المطبخ النيابيّ". ومعلّقاً على أحد مشاريع القروض، وجّه برّي رسالته لدياب: "رحم الله امرء عرف نفسه فوقف عنده"، محذّراً من استفاقة اللبنانيّين على مبالغ لا يتحملّونها. وتابعت الرئاسة الأسلوب نفسه بالتعامل مع الحكومة، وسمح برّي للفرزلي بالكلام في اليوم الثاني من الجلسة ليوجّهه ناحية الحكومة منادياً رئيسها بـ"يا هو" وطالباً منه أن "يصلّي على النبي"، وتساءل الفرزلي عن البطء في أداء الحكومة وأضاف (موجهاً الكلام لدياب): "أنا سأقول لك، صلّ على النبي. سأقول لك عن سبب البطء سواء تعلم أو لا تعلم، سيظلّ الوضع متدهوراً". وفي مداخلة سابقة، وجّه الفرزلي رسالة شديدة اللهجة لوزراء الحكومة محذّراً إيّاهم من محاولة استمالتهم للشعب في تغريداتهم ومهدّداً بطرح الثقة كما سبق بيانه.

 وتجّلت هذه العلاقة مع الحكومة بجملة "ما حدا بيفرض عليي شي" التي وجّهها برّي لدياب في ختام الجلسة، وحاول دياب سريعاً تبرير نفسه، ونفى أن يكون في صدد السعي لفرض شيء.

وكان قد سبق ذلك توجيه بري كلاماً فوقيّاً لعدد من الوزراء منهم وزيرة العدل ماري كلود نجم أو وزير الصحّة حمد حسن. فقد طلب برّي من هذا الأخير الكلام: يا وزير الصحّة احسملي هالموضوع، يلا لشوف!"

ووجّه بعض النوّاب أسئلة ومساءلات للحكومة، ففي بداية اليوم الثاني من الجلسة، طلب النائب فريد البستاني إعطاء الحكومة مهلة أسبوعين للتقدّم بخطة ماليّة واقتصاديّة إنقاذيّة. وكان كلّ من النائبين جورج عدوان ومحمّد الحجّار وجّها أسئلة للحكومة عن الوضع الماليّ، وحمّل عدوان الحكومة مسؤولية الأزمة الماليّة وتمنّى على الوزراء الانكباب على الخطّة. وفي ظلّ توجيه سؤال لدياب ـ وكان الأخير يتحدّث مع وزير الاتّصالات طلال الحوّاط ـ قال باسيل للوزير: "وإنت يا وزير الاتّصالات شفلنا شو وضع الخليوي، حاج موّقفه بالنصّ". في نهاية الجلسة فقط، حاولت وزيرة الدفاع زينة عكر أن تدافع عن حكومتها وأن تبرّئها من تهم النوّاب، ولكن كان معظم النوّاب قد خرجوا من القاعة: "استلمنا وما في ولا ليرة".

 

"العفو العامّ" يجمع الأطراف المتعادية

كان موضوع العفو العام أحد أهمّ الاقتراحات التي توجّهت إليها الأنظار، بخاصّة أنّه طرح خلال الانتفاضة الشعبيّة التي رفضته ونجحت في تعطيل انعقاد الجلسة في حينها. واللافت أنّ كتلة المستقبل (بهيّة الحريري) وكتلة التنمية والتحرير (ياسين جابر-ميشال موسى) تقدمتا باقتراح، واتفّقتا على ما بدا واضحاً قبل جلسة 21 نيسان على جمع الاقتراحين معاً. وكان من الواضح الترحيب الذي أعلنه برّي والحريري عن كيف تمرّ الاتفّاقات السياسيّة لتمرير المصالح الخاصّة، وكاد النقاش حول العفو يتجّه إلى التصويت على الاقتراحين سويّة، بحيث قامت بهيّة الحريريّ بجمع الاقتراحين في ورقة واحدة، واعتبر برّي أن الاقتراحين إضافة إلى تعديل بهيّة الحريري الجديد هي "تلاتة بواحد" (في إشارة إلى إعلان شهير عن مسحوق تنظيف). أمّا نائب الحركة علي حسن خليل فاعترض على طلب الوقت لقراءة الاقتراحين سويّة.

"لبنان القوي" سجلّ اعتراضه عبر النائبين الياس بو صعب الذي اعترض على الاستسهال في التصويت على قانون عفو عام، وجبران باسيل الذي استنكر عدم درس الحكومة لهذا الاقتراح، واستخدام حجّة اكتظاظ السجون بسبب الكورونا. ووصل الأمر إلى طلب مناقشة جميع الاقتراحات المتعلّقة بالعفو العام في مهلة 15 يوماً في اللجان المشتركة.

يبقى أنّ مجرد وضع اقتراح العفو العام المقدم من النائبين جابر وموسى في صيغته الأصلية على جدول الأعمال فسر كمسعى لإعلان النية في كسر الانتفاضة.