“العملاء وعوائلهم” في اقتراحي قانون: أما من منطقة وسطى بين العفو والمحاكمة؟


2011-09-08    |   

“العملاء وعوائلهم” في اقتراحي قانون: أما من منطقة وسطى بين العفو والمحاكمة؟

مجددا، وخلال الجلسة التشريعية، برزت قضية التعامل مع "العملاء" الذين فروا مع عوائلهم الى اسرائيل في 2000، وذلك من خلال اقتراحي قانون تقدم بهما كلا من النائبين ميشال عون في 4-8-2011 وسامي الجميل في 24-8-2011. ورغم الاختلافات بين الاقتراحين، فانهما ينبعان من اشكالية مشابهة، مفادها أن ثمة ضرورة لمناقشة أوضاع هؤلاء الأفراد وعوائلهم والذين باتوا "مشردين عن وطنهم وديارهم وأرزاقهم واقاربهم، يعانون آلام الغربة ويتجرعون مر الحياة، ويستنكفون عن العودة، بالرغم مما يعانونه، خوفا مما ينتظرهم من محاكمات" (العبارة مأخوذة من الأسباب الموجبة لاقتراح قانون عون).
فهل تبقى الدولة على موقفها المتشدد في وجوب تطبيق القانون ازاء هؤلاء، الذين يبقى خيارهم بين المنفى الذاتي أو التعرض للملاحقة والحبس؟ وهل يعتمد هذا المنطق مع الجميع أم فقط مع العملاء من دون عوائلهم، أم أكثر من ذلك فقط مع الذين ارتكبوا اعتداءات جسيمة بحق المواطنين؟ وأهم من كل ذلك، السؤال الآتي: أي امكانية جدية لاجراء نقاش مجتمعي جدي في هذه المسألة في ظل الصراع الذي يقوده بالأخص حزب الله ضد اسرائيل، والذي تفرع عنه خلال السنة الماضية عشرات الملاحقات ضد عملاء جدد طالبت أطراف فاعلة باعدامهم؟ فهل من امكانية لأي مناقشة منتجة، للتوصل الى أي تفاهم، يتضمن بشكل أو بآخر اعفاء هؤلاء أو بعضهم من الملاحقة بالتزامن مع المطالبة باعدام عملاء آخرين؟ فهل يشكل مرور الزمن مبررا كافيا علما أنه يعتقد أن الزمن آل الى تعزيز علاقاتهم مع هذا البلد الذي يعيشون فيه وليس الى محو آثارها؟ أم أن ظروف المناطق المحتلة قبل 2000 وظروف الفرار الى اسرائيل تميز بشكل كبير أوضاع هؤلاء عن أوضاع العملاء الجدد؟
ولدى الامعان في الاقتراح الأول وأسبابه الموجبة، نلحظ أنه سعى بخلاف الاقتراح الثاني، الى التخفيف من حجم الاشكالات والاعتراضات وحدتها، ليس فقط من خلال الأسلوب الذي اعتمده بل ايضا من خلال ما تضمنه. وهذا ما سعى بأية حال النائب ابراهيم كنعان الى ابرازه في معرض تقديم الاقتراح: فهو نتيجة لوثيقة التفاهم التي وقعها "التيار الوطني الحر" مع"حزب الله" العام 2006 والتي نصت على توفير الحل الأنسب للاجئين الى الأراضي المحتلة (اسرائيل) وللسجناءالسابقين في سوريا. كما سعى الى التأكيد على أهدافه الانسانية البحتة بعيدا عن التسييس والمزايدة. 
وبالفعل، وضمن هذا الاطار، ميز الاقتراح بين "اللبنانيين من ميليشيا جيش لبنان الجنوبي" الذين هم يخضعون للمحاكمة العادلة، والآخرين –بما فيهم عوائلهم من زوجات وأزواج وأولاد- والذين هم يستفيدون من منحة القانون. ونلحظ في هذا المجال أن الاقتراح قد افترض أن العمالة تحققت حصرا من خلال الانتماء الى "ميليشيا جيش لبنان الجنوبي" وهو افتراض قد يكون نتج عن ارادة التحيط ازاء التوسع في تعريف العمالة. لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي الى اخراج حالات من العمالة قد تكون أكثر خطورة كما قد تكون حالة أشخاص ارتبطوا مباشرة بجهاز الموساد أو ارتكبوا اعتداءات كبرى بحق المواطنين. وبذلك، بدا الفصل بين المستثنين من القانون والمستفيدين منه مبنيا على معيار واحد هو "الانتماء الى ميليشيا جيش لبنان الجنوبي" بمعزل عن الأفعال المرتكبة فعليا. فهؤلاء يحاكمون في جميع الحالات على أساس العمالة حتى ولو لم يرتكبوا اعتداءات ضد المواطنين، فيما المستفيدون لا يحاكمون مبدئيا مهما كانت الأفعال المرتكبة منهم.
وفضلا عن ذلك، فان الاقتراح أحجم عن اعطاء الوصف القانوني الصحيح للمنحة المقررة للفئة المستفيدة، والتي هي "العفو العام"، انما لجأ الى عبارة يراد منها انتاج المفعول ذاته. وهي الآتية: "السماح بالعودة الى لبنان من دون أي قيد او شرط" سوى تسجيل أسمائهم لدى وحدات الجيش اللبناني الموجودة عند نقطة العبور التي يسلكونها أثناء عودتهم من الاراضي المحتلة. وقد بدا صاحب الاقتراح من خلال ذلك وكأنه يهدف الى أمر من أمرين: اما القول أن هؤلاء لم يرتكبوا أي جرم فتظهر المنحة وكأنها تهدف فقط الى حماية هؤلاء ازاء التعسف في ملاحقتهم، واما انتاج مفاعيل العفو من دون البوح بذلك، لأسباب سياسية واضحة يراد منها تجنب أي ربط من اي نوع كان بين العفو والعمالة مع اسرائيل والتي لا تغتفر.
وما يؤكد ذلك هو ما ورد في الأسباب الموجبة والتي بدت بالواقع مجموعة من الأسباب التبريرية: ففرارهم قد حصل نتيجة "غريزة حب البقاء والمحافظة على الحياة" مما يجعله مبررا على أساس نظرية الضرورة التي تبرر ارتكاب جرم اذا حصل بهدف دفع خطر يتهدد الحياة. وما يزيد هذا المبرر قوة هو أن اسرائيل وأعوانها هم الذين أشاعوا الخوف من الأعمال الانتقامية قبل اندحارهم، الذي سرعان ما دحضته "وقائع التحرير فيما بعد". وهنا نلحظ كيف أن صاحب الاقتراح يحاول الذم باسرائيل التي بثت الخوف في نفوسهم ازاء مواطنيهم فوقعوا ضحايا لأعمالها المخادعة، ولم يتحرروا منها الا بعد فوات الأوان (الفرار الى الأراضي المحتلة)، في موازاة الاشادة بالمقاومة التي ما كانوا ليفرون منها لو عرفوا بما لديها من حكمة وتسامح. أما المبرر الثاني فهو أن فعلهم بالدخول الى الأراضي المحتلة لم يشكل أي اساءة الى الدولة والى أفراد المجتمع اللبناني، ولا سيما أن بعضهم كان آنذاك قاصرا، على نحو يميزهم عن العملاء الذين هم بالمقابل أخطأوا وأساؤوا، وأنه من غير المنطقي أخذ الجماعة بجريرة أفراد منها قد ارتكبوا الخطيئة. وهذا ما اضاف عليه النائب ابراهيم كنعان بقوله أنه لا تجوز معاقبة عائلات بكاملها، وأنه لا إمكان لمحاكمة شعب ومجتمع (النهار، 5-8-2011). أما المبرر الثالث فقد بدا مستمدا من تخلي الدولة –في اطار تفاهمات دولية- عن مواطنيها المقيمين في مناطق الاحتلال وتركهم لمصيرهم الأسود تحت نيره، مما يجردها من امكانية مساءلتهم. "فليست هناك أي سابقة تاريخية مماثلة لمحاكمة شريحة من شعب عزلت جغرافياً وبفعل ارادات خارجية".
ولكن، وأيا تكن اسباب التبرير، فان العبارات المستخدمة تبدو غير كافية من الناحية التقنية لوضع الفئة المستفيدة بمنأى عن اي ملاحقة. فما معنى "السماح بالعودة الى لبنان من دون أي قيد او شرط"؟ وهل هي تعني بالضرورة ابطال الأحكام الغيابية التي قد تكون صدرت بحقهم لفرارهم الى "الأراضي المحتلة" (اسرائيل)؟ هل هي تعني منع التعقبات أو اسقاطها أم انها تفتح الباب مبدئيا أمام الاستنساب؟ وألا يظهر من خلال ذلك أن صاحب الاقتراح لم يجد اشكالا في اعتماد عبارات مبهمة قد لا تؤدي الى النتيجة المرغوبة مغلبا بذلك اعتبارات المسايرة على أي اعتبار آخر؟
والى ذلك، فقد بدت المسايرة واضحة من خلال استخدام عبارة "الفرار" لوصف فعل الدخول الى اسرائيل، وأيضا من خلال استخدام عبارة "الأراضي المحتلة" للدلالة على اسرائيل فضلا عن عبارة "ميليشيا" للدلالة على جيش لبنان الجنوبي.
بالمقابل، فان اقتراح النائب سامي الجميل، الذي جاء كردة فعل عليه أو "استكمال له" كما صرح به لجريدة الجمهورية بدليل تقديمه بعد عشرين يوما فقط، بدا وكأنه يذهب في اتجاهات قد تكون مناقضة تماما على غير صعيد بل ربما كمن يستفيد من المناسبة لطرح مسائل تتجاوز العمالة في الأراضي اللبنانية المحتلة (مقابلة مع الجميل، الجمهورية، 25-8-2011). فالى المزايدة (التعبير مستخدم هنا من دون أي حكم قيمي) من حيث المضمون، فهو لم يجد حرجا في استبدال عبارة "الأراضي المحتلة" ب"الأراضي الاسرائيلية".
وقد تجلى هذا الاختلاف (المزايدة) في محلين اثنين:  
الأول، أنه شمل جميع الجرائم المرتكبة قبل 31 كانون الأوّل 2000 والمنصوص عنها في المواد 273 حتى 298 ضمنا من قانون العقوبات (وكلها مواد وردت في الفصول المتصلة بالخيانة والتجسس والجرائم الماسة بالقانون الدولي والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي).ويلحظ تاليا أن المشروع لا يقتصر فقط على "اللاجئين" الى اسرائيل وعوائلهم الذين عليهم ان يعودوا خلال سنة للاستفادة منه انما يشمل أي لبناني أينما كان مقيما، في كل جرم قد يتصل بالتعامل مع اسرائيل أو التآمر ضد الدولة والتجسس والخيانة قبل آخر سنة 2000. فما عدا ما بدا؟ وما علاقة هذا النص الشامل بالقضية الانسانية التي نشأت عن احتلال أراضي لبنانية قبل 2000 أو لجوء لبنانيين (او فرارهم) الى اسرائيل (الأراضي المحتلة) في اعقاب ذلك؟ وهذا الأمر يظهر بوضوح كلي عند الاطلاع على المبررات التي أدلى بها الجميل لجريدة الجمهورية: فهي مستمدة جزئيا من اقتراح عون لجهة أن الدولة هي "التي تركت الناس هنالك تحت نير الاحتلال"، فكيف تحاسبهم على ما هي مسؤولة عنه؟ ف"هؤلاء اضطرّوا للتعاطي مع إسرائيل لأنّ المنطقة كانت تحت الاحتلال، اضطرّوا لقبض معاشات لإعالة عائلاتهم، وإدخال أولادهم إلى المدارس والجامعات، ومعالجتهم في المستشفيات، وبالتالي هم يتعاطون مع أمر واقع مفروض عليهم".ويضيف اليها الجميل بأن اقتراح عون غير منطقي اذ لا يعقل أن تعود عوائل اللبنانيين من دون أفرادها المتورطين في العمالة. ومن النافل القول أن ليس من شأن هذه الحجج أن تبرر بحال من الأحوال توسيع العفو ليشمل جميع الجرائم المشار اليها أعلاه قبل نهاية سنة 2000.
والثاني، فضلا عن أنه استخدم مفردة العفو العام من دون أي مواربة، فقد عمد الى استخدام عبارات من شأنها أن تؤدي الى توسيع مفاعيله بأكبر قدر ممكن: ف"لا يجوز إحالة أي من القضايا أو الدعاوى أو الملفات المشمولة بهذا القانون على أي مرجع قضائي، وتنتفي حكماً صلاحية جميع المحاكم العادية والاستثنائية بإعادة المحاكمة أو الطعن في الأحكام التي صدرت، ويطلق سراح المحكومين في الجرائم فور صدور هذا القانون في الجرائم المشمولة بهذا القانون وتعتبر النيابة العامة التمييزية المرجع الصالح لتنفيذ أحكام هذا القانون.كما تمحى آثار جميع الأحكام التي صدرت بالجرائم المذكورة أعلاه وتعتبر كأنّها لم تكن وتشطب قيودها أينما وجدت وخاصة في مختلف السجلات العدلية".
وكأنما يراد ليس فقط ازالة العوائق القانونية أمام عودة الأشخاص الموجودين حاليا في اسرائيل، انما أيضا تنظيف سجلاتهم وسجلات سائر العملاء الذين حكم عليهم لجرائم عمالة مرتكبة قبل نهاية 2000 من أي أحكام صدرت بحقهم ومحو آثارها بالكامل فيما يشبه عملية طمس للماضي وللوقائع التي تثبتت منها الأحكام، ليس فقط في المدونات العامة كالسجل العدلي انما في كل مكان، على نحو قد يجعل أي تذكير بهذا الماضي أو أي تحقيق تاريخي بمثابة "اعتداء". ويظهر بوضوح مدى الاختلاف بين العبارة الخجولة الواردة في اقتراح عون والتي خلت من اي اشارة الى العفو والمطولات الواردة في اقتراح الجميل في وصف مفاعيل العفو. وأخطر من ذلك، فقد نص الاقتراح على منع المحاكمة، ليس فقط بالنسبة الى جرائم العمالة المحددة أعلاه انما بالنسبة الى أي قضايا أو دعاوى أو ملفات يشملها القانون المقترح، مما قد يؤدي الى اعفاء الجرائم المتلازمة لجرائم العمالة والمشمولة معها في الملفات القضائية نفسها، وعلى رأسها جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد المواطنيين كالتعذيب والقتل المتعمد، تحت غطاء اعفاء هذه الجرائم.   
 
الا أنه وأبعد من هذه الاختلافات الجزئية، فان اقتراحي عون والجميل ينسجمان الى حد بعيد، ولا سيما في خلفية الأسئلة التي يطرحانها أو يغيبانها.
فالموقف من العمالة قد حدد ليس بنتيجة تقويم موضوعي للمسؤولية في ظروف الاحتلال، انما انطلاقا من مواقف سياسية محددة سلفا وبشكل عام، ومن دون أي تفصيل. فيما ترك كلا الاقتراحين جانبا مجموعة من الجرائم والاعتداءات الجسيمة المرتكبة ضد الدولة أو المواطنين في هذا الاطار، والتي ربما يرقى بعضها الى مستوى جرائم حرب. وهكذا، لم يجد اقتراح عون مكانا لأي نقاش بشأن العفو عنهم، رغم قوله ان الدولة هي التي تركتهم تحت نير الاحتلال أو ايضا أن بعضهم كان مرغما على العمالة. كما لم يتحرى عن امكانية عودة عوائلهم في حال ابقاء امكانية الملاحقة ضدهم كأنما الأمر ليس مهما. كما أن الجميل لم يجد أي مبرر لاستثناء الذين احتلوا مناصب عالية أو ارتكبوا اعتداءات جسيمة أو جرائم حرب ضد المواطنين أو الدولة، وكأنما خطورة الجرم المرتكب أمر ثانوي أمام ارادة "طي صفحة الحرب". واللافت أن كلا النائبين وصف اقتراحه بأنه مبني على اعتبارات انسانية داعيا الآخرين الى عدم المزايدة، فيما أن عمقه، بما نص عليه او لم ينص عليه، سياسي بامتياز.
أما الأمر الثاني الذي اتفق عليه المشروعان –وهو نتيجة مكملة لما تقدم- فهو حصر الخيار مجددا بين متناقضين: فاما ملاحقة ومعاقبة كما في حال اي جرم آخر واما عفو عام في سياق طمس الماضي و"طيه" (محوه بشكل كامل). وكأنما المشرع ما يزال عاجزا عن رؤية الحلول الوسط كاشتراط العفو بالمصارحة أو اتخاذ قرار عام بتوثيق الاعتداءات على المواطنين في ظل الاحتلال أو استثناء جرائم الحرب أو الجرائم الجسيمة المرتكبين ضد مواطنين، على نحو يبقي لاعتبارات العدالة ومعها للضحية حيزا واسعا في مقاربة المستقبل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، عدالة انتقالية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني