محامو الحراك (6): الإعلام، ممارسة حق الدفاع في قضايا الشأن العام

،
2016-04-18    |   

محامو الحراك (6): الإعلام، ممارسة حق الدفاع في قضايا الشأن العام

ظهور المحامين عبر وسائل الإعلام، أدى الى إعادة طرح العديد من الإشكاليات حول ممارسة المحامي لمهنته، لا سيما في الأوساط القانونية. وقد أثارت تصريحات المحامين ردود فعل عديدة، سواء على صعيد النقابة أو القضاء كما ذكرنا سابقا. وعلى إثر قرار أبو غيدا، صدر عن لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، بيان نشر على موقع المفكرة القانونية، جاء فيه:

“لجان المحامين قد وجدت نفسها مضطرة أمام تنامي حدة القمع ضد المتظاهرين والتدخّل السياسيّ السافر في التوقيفات وفي عمل المحكمة العسكرية، على تطوير أدوات وأساليب عملها، بالتنسيق مع مجموعات الحراك الشعبي ومع أهالي الموقوفين…. اضطر المحامون إلى الاحتكام إلى الرأي العام من خلال وسائل الاعلام، في سياق ممارسة حق الدفاع. فما نحن بصدده ليس دفع ملاحقة قانونية ضدهم، إنما بالدرجة الأولى، دفع إرادة سياسية منهجية في قمع المتظاهرين من خلال القضاء[1].

ركّز إذا هذا البيان على أهمية، لا بل ضرورة إحتكام المحامين للإعلام في قضايا الشأن العام. فما كان دور الإعلام بالتأثير، سلبا أم إيجابا على عمل المحامين وبالتالي على التوقيفات؟ وكيف ينظر المحامون لدور الإعلام؟ وإلى أي مدى يمكن فعلا الحديث عن أن المحامين قد كسروا إلى حدّ ما حديّة أنظمة النقابة التي تقيد حديثهم في الإعلام؟

أ‌.       المحامون: الإعلام الحليف القديم الجديد

يجد جميع المحامين الذين تم الاستماع الى شهاداتهم، في خروجهم عبر الإعلام خلال الحراك مسألة ضرورية في إطار قيامهم بدورهم في الدفاع عن حرية الرأي وتعسف السلطة. وتتعدد أشكال تعبير المحامين عن خلفيات ظهورهم الإعلامي وإدلائهم بتصريحات وأسبابها، الا أنها تتمحور بشكل أساسي حول ضرورة حماية الموقوفين من أشكال التعسف بالتعامل معهم، مع ما يستدعيه الأمر من إعلان لما يحصل في الخفاء للفت النظر إلى المشكلة القائمة.

الإعلام من الأولويات، فهو وسيلة الشعب الذي يشكل مصدر السلطات، للاطلاع على الأحداث”.

“اتساع هامش التعسف بالتعامل مع المتظاهرين، في قضية رأي عام حادة شكلت الدافع للإدلاء بتصريحات للإعلام من الشارع. استخدمت الإعلام للضغط من خلال دعوة الناس للنزول الى الشارع، كما نعيت القضاء وتكلمت عن استقلالية قضاة التمييز وهذه كانت رسالة للقاضي أبو غيدا”.

” الإعلام كان ضرورة للفت النظر لما يحصل، لا سيما في ظل مشكلة معروفة في لبنان وهي أن ما يحدث في الدوائر الرسمية يتم تحت الطاولة”. وبما أن “هذه الممارسات تحصل وتستمر في ظل عدم الكلام عنها، يصبح ظهور المحامين عبر الإعلام واجباً”.

يشير المحامون إلى أن الإعلام ساعد للوصول الى الرأي العام. فالظهور عبر الإعلام خلال الحراك أدى إلى تغيير الفكرة التي كانت سائدة وكانت تشبه الـ”تابو” داخل أروقة النقابة، وهي ظهور المحامين عبر وسائل الإعلام. ذلك أن استغراب المحامين الزملاء لظهور المحامين المتطوعين في مرحلة أولى، ما لبث أن تحول الى نقاش أدى الى شبه تغيير الفكرة السائدة وتقبل ظهور المحامين.

“كرأي عام ومحامين لولا الإعلام ما كنا وصلنا الى ما وصلنا اليه”.

في هذا الشأن، يوضح المحامون الذين التزموا في إطار العمل داخل اللجان أن التصريحات عبر الإعلام لم تكن “إعتباطية”، بل جاءت في إطار تنظيمي الى حد ما. وقد دارت نقاشات عديدة حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها في ظهور المحامين في الإعلام، وتحديد ما يجب قوله وما يجب ألا يتم تناوله من قبل المحامين. فمثلا، إتفقت لجنة الدفاع عن المتظاهرين ألا تذكر أسماء الموقوفين.

“أهم ما حافظت عليه لجنة الدفاع عن الموقوفين ولم يحافظ عليه آخرون هو حقوق الموكلين، بمعنى ألا تتم محاكمتهم بالإعلام من خلال التصريح بأسمائهم من دون احترام خصوصيتهم أو لحقهم بالدفاع وقرينة البراءة”.

كما وحاول المحامون “حماية” اللجنة من خلال إعتبار تصريحاتهم الإعلامية تمثلهم شخصيا، دون أن يكون هنالك “ناطق رسمي” بإسم اللجنة.
حاولنا تحييد لجنة المحامين كإطار عن أي من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيه أي محامٍ. لذا عندما نظهر على الإعلام، نتكلم بصفة شخصية وليس بصفة عضو في اللجنة، وذلك لحين صدور القرار الشهير (أي قرار الصادر عن قاضي التحقيق أبو غيدا).

إعتمد إذا المحامون إستراتيجية معينة في الظهور على الإعلام، مفادها التنسيق بينهم بعد خروجهم من المحكمة.

“التزم المحامون بأمور بروتوكولية فيما بينهم، وبعد كل جلسة كنا نتفق على المحامي الذي سيصرح باسم الجميع”.

إلا أنه، وعلى الرغم من محاولات التنظيم وإعتراف المحامين بأهمية الظهور في الإعلام، لا ينفي بعضهم حصول تجاوزات في هذا الشأن. ويعود ذلك لتعدد اللجان وضعف التنسيق بينها في البداية، بالإضافة الى بعض التصرفات الفردية التي أتت خارج إطار الاتفاقات بين المحامين. في هذا الإطار، يسجل أحد المحامين أن في المرحلة التي تحول فيها الإعلام الى العمل على طريقة “السكوب”، ازداد خلالها عدد المحامين الذين ينسّقون عملهم في إطار اللجان. ويعتبر أن هذه المرحلة كانت خالية تقريباً من الضوابط وسمحت بحدوث العديد من الأخطاء.

 “لم يعد من الممكن أن نحصر المعلومات التي تظهر في الإعلام بتلك التي تأكدنا منها. وأصبحنا في هذه المرحلة نطلب من الإعلام الإتصال بنا للتأكد من المعلومات قبل نشرها. غير أن تفاقم الأخطاء التي قام بها بعض المحامين جعل بعض المحامين يمتنعون عن الظهور في الإعلام”.

فقد أعرب المحامون من جهة أخرى إنزعاجهم من تصويرهم “على أنهم محبون للظهور”، مصرّين على أن التجاوزات شكلت الإستثناء وبالتالي لا يمكن تعميمها على تجربتهم. وقد أدت هذه الإنتقادات إلى إتخاذ بعض المحامين مواقف ضد الظهور في الإعلام، خوفا من لصق هذه التهمة بهم.

من ناحية أخرى، يركز البعض الآخر انتقاداته للإعلام لتهافته على نشر الخبر دون التأكد منه، فيجده يسعى نحو “السكوب” وزيادة عدد المشاهدين. فتعتبر محامية أن الإعلام لم ينقلب على الحراك، بل تراجع كما تراجع الحراك نفسه، والناس ضمنه. ذلك أن الإعلام اقتصر دوره على عكس صورة الناس وطرح تساؤلاتهم عن الصفقات التي تحصل، من دون أن يقدم إضافة. فقد واكب الإعلام الحراك حتى النهاية.

أن اشكالية الظهور عبر الإعلام ليست وليدة الحراك، حيث أن النقابة لطالما تحفظت خلال السنوات الأخيرة على ظهور المحامين في الإعلام.

ب‌.   نقابة المحامين ومسألة ظهور المحامين في الإعلام

بادرت نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 8 تشرين الأول 2015 إلى إرسال تعميم للمحامين، بقي خالياً من أي موقف واضح أو إلزام، ليقتصر على تذكير المحامين بمضمون المادة 39 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، وذلك تحت عنوان ذات صيغة حمالة للتفسيرات، فهل هو تمنّ أم إلزام أم تحذير مسبق؟ فقد أرسل النقيب السابق جورج جريج للمحامين بريداً إلكترونياً تحت عنوان “التقيّد بالضوابط القانونية والنظامية للظهور الإعلامي”.وقد جاء فيه:

” إن نقيب المحامين في بيروت، يذكّر الزملاء المحامين بوجوب التقيّد الدقيق بقانون تنظيم مهنة المحاماة ونظام آداب مهنة المحاماة ومناقب المحامين حول استخدام وسائل الإعلام كمنبر للحديث عن الدعاوى الموكلة إليهم، ويشدد على أن لا اجتهاد في معرض النص الواضح للمادة التاسعة والثلاثين من نظام آداب المهنة (…)”.

في السياق عينه، استمعت المفكرة القانونية لرأي مفوض قصر العدل ناضر كسبار، حول خروج المحامين في الإعلام. يميز كسبار بين حالتين للمحامي. فهو “المواطن” وله بهذه الصفة أن يصرّح، ككل المواطنين ضمن “حدود اللياقة والقانون”. أما الخروج عن حدود اللياقة المختصر بالقول “لا نقبل بالنفايات، نريد محاسبة الفاسدين…” أو أي تعبير في هذا السياق العام. فالخروج عن هذه الحدود بالنسبة للمحامي “ممنوع”. أما بالنسبة لصفته كمحامٍ، فأولاً يجب ألا يخرق سرية التحقيقات، وعليه أن يطلب إذن النقيب قبل الادلاء بأي تصريح إلا إذا كان يتعلق بالقضايا الكبرى، وفقاً للمادة. ويجد كسبار أن مسألة تحديد ما هي القضايا الكبرى تبقى صعبة ومحل نقاش، بالتالي “لا ضرر أن يسأل المحامي النقيب قبل خروجه عبر وسائل الإعلام بمطلق الأحوال، فالنقيب أب المحامين“. فلا يمكن للمحامي أن يخرج بدفاعه الى الشارع، وفقاً لرأي كسبار.

يعتبر كسبار أن خروج المحامين عبر وسائل الإعلام في قضايا ينظر بها القضاء أو الإدلاء بتصريحات ضد القضاة، تشكل “ضغطاً على القاضي”، الأمر الذي يمكن تصنيفه على أنه ” تدخّل في شؤون القضاء”. بالمقابل، “يمكن لأي شخص أن يعطي رأيه بالنسبة للقرار بعد صدوره”.

كما يضيف أن ظهور المحامين في الإعلام، دفع بزملاء لهم للاتصال بالنقيب مستنكرين هذا الظهور فبادر النقيب لإرسال التذكير بنص المادة 39 للمحامين. فـ”لا خسارة ان يستأذن المحامي نقيبه ليصرح بملاحظاته على موضوع مثل التوقيفات، أو وجود قاصرين موقوفين...”. وفي إطار المادة 39 أيضاً، فللمحامي أن “يصرح للإعلام في إطار المبادئ العامة دون الخوض في مسائل تفصيلية خاصة بقضية محددة“. مثال أن “يوضح الأصول التي يجب أن تطبق عندما يتم توقيف قاصر، والإعلام يقرر إذا احترمت ام لا“. فالسؤال بالنسبة لكسبار: “لماذا نفتح المجال لحصول ضغوطات على القاضي؟”

أما المحامون المتطوعون فقد أثنى عدد منهم على عدم تدخل النقابة بظهور المحامين عبر الإعلام، وكأنها أجازته ضمناً. بينما نقل أحد المحامين حديثاً خاصاً حصل بينه وبين أحد أعضاء مجلس النقابة، على خلفية الحراك، إعتبر فيه عضو المجلس أن المحامين“يتبجحون على الإعلام”.

“آخر فترة، الكثير من المحامين ظهروا على الإعلام في العديد من القضايا بأن ذلك في قضايا رأي عام، والنقابة كانت متساهلة بهذا الموضوع. وفي موضوع الحراك النقابة أعطت الغطاء المعنوي من خلال إعطاء التكليفات. النقابة ضمن رأيين، البعض متشدد بأمر الظهور الإعلامي، والبعض الاخر أقل تشدداً”.

إلا أنه، وعلى الرغم من موقف النقابة المحايد إزاء الظهور الإعلامي لمحامي الحراك، فإنه يشكل تقدماً بالنسبة للتوجه السلبي، أو التقليدي الجامد الذي اتبعته النقابة في مراحل سابقة. فكانت توترات حادة حصلت سابقاً بين النقابة وبعض المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية، أهمها استدعاء المحاميين نزار صاغية وكارلوس داوود إلى التحقيق تبعاً لانتقاد مشروع تعديل نظام آداب المهنة في مقالة نشرت في العدد الأول للمفكرة القانونية، بعنوان “إقتراح تنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية” في تموز 2011.[2]

[1] لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين: سنبقى سدا منيعا في مواجهة أي قمع للتظاهر، الوكالة الوطنية للإعلام، 27 تشرين الأول 2015.

[2] لمى كرامة، المحامون المناصرون للقضايا الإجتماعية في لبنان، دراسة أولية لعالم مهني هامشي، في طور النشر، المفكرة القانونية ومنظمة PILnet
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني