هل يجيز القانون اللبناني جلسات المحاكمة الافتراضية؟


2020-09-01    |   

هل يجيز القانون اللبناني جلسات المحاكمة الافتراضية؟

يعاني القضاء اللبناني من التأخير في البت بالقضايا لأسباب عديدة، منها: النقص في عدد القضاة، وعدم تجهيز بعض قصور العدل لوجستياً ومكننتها لتفعيل العمل القضائي، وعدم تحفيز القضاة الذين يصدرون أحكامهم ضمن المهل بالرغم من كل هذه الصعوبات.

وقد تفاقم التأخير مع تعليق الجلسات وتأجيلها المتكرّر منذ انتفاضة تشرين الأول 2019 والتظاهرات الشعبية التي رافقتها، ومن بعدها بسبب التدابير الصحية والوقائية المتّخذة لمكافحة جائحة الكورونا، بحيث أصبحنا نقترب من كارثة حقيقية في القضاء.وبالفعل، من المرجّح أن تزيد الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان عدد الدعاوى المتعلّقة بالصرف التعسفي والتنفيذ وتحصيل الديون والإفلاس، الخ. إلى جانب التداعيات الناتجة عن الوضع الأمني بعد الإنفجار المروّع في مرفأ بيروت.

فلا بدّ من إيجاد حلّ سريع، لا سيما أن انعقاد بعض الجلسات ضروري ولا يمكن استبدالها بتبادل اللوائح في القلم كما يحصل حالياً لا سيما في القضايا المدنية.

فهل يمكن، في ظل النصوص القانونية السارية المفعول، اللجوء إلى الجلسات الإفتراضية في لبنان مثلما يحصل في دول أخرى أو في التحكيم الدولي، وبالأخص مؤخراً، لتأمين استمرارية العمل بالرغم من تدابير الوقاية المفروضة نتيجة وباء الكورونا ومع تطوّر الوسائل التقنية التي تسمح لكل شخص الحضور بالصوت والصورة عن بعد بواسطة الانترنت عبر تطبيقات على الهاتف أو الحاسوب، مثل:Zoom, Microsoft Teams, BlueJeans…؟

سنبيّن فيما يلي أن الجلسات الافتراضية جائزة قانوناً في لبنان (القسم الأول)، شرط التقيّد عملياً بمبادئ المحاكمة العادلة (القسم الثاني).

القسم الأول: قانونية الجلسات الافتراضية في لبنان…

في المبدأ، لا تمنع القوانين اللبنانية استبدال الجلسات التقليدية التي تجري حضورياً في قاعات المحاكم بجلسات افتراضية تتمّ عن بعد بواسطة الانترنت (أ)، ولا تُبطل الجلسات الافتراضية شكلاً (ب).

أ- عدم منع الجلسات الإفتراضية قانوناً

لم يرد في القانون اللبناني أي نص صريح يمنع الجلسات الإفتراضية، بل على العكس، أوضحت المادة 372 من قانون الأصول المحاكمات المدنية (أ.م.م.)[1] أن حق الدفاع مبني على سماع الخصم أو تمكينه من إبداء دفاعه. وقد أعطت المادة 364 من القانون نفسه القاضي سلطة السهر “على حسن سير المحاكمة وله في سبيل ذلك الحق بمنح المهل وباتخاذ ما يلزم من تدابير“. بناء على النصين السابقين، يمكن للقاضي اتخاذ ما يلزم من تدابير لسماع فرقاء النزاع، مثل اللجوء الى تقنيات الجلسات الافتراضية عن بعد، كلّما استدعى حسن سير المحاكمة ذلك.

ويؤكّد قانون أصول المحاكمات المدنية في مادته 136 هذا التوجّه، إذ أنه يجيز استعانة القاضي بالتقنيات الحديثة في عمليات التحقيق من خلال “اللجوء إلى التسجيل الصوتي أو البصري أو السمعي البصري لكل أو بعض عمليات التحقيق التي يباشرها”. وبما أن الجلسات الإفتراضية مبنية على الاتصال المباشر بالصوت والصورة بفرقاء النزاع مع إمكانية التسجيل السمعي البصري من خلال التطبيق المستعمل نفسه، فيقتضي اعتبارها جائزة قانوناً لهذا السبب أيضا.

أما قانون أصول المحاكمات الجزائية (أ.م.ج.)، فيكتفي بفرض إجراء المحاكمة “بصورة علنية وشفاهية” كما جاء في مادته 178، وهو أمر جائز بوسائل وتطبيقات الاتصال المرئي والمسموع عن بعد المعتمدة في الجلسات الإفتراضية، مع إمكانية بثّها مباشرة على موقع إلكتروني أو في قاعة المحكمة لتأمين طابعها العلني.

أما المادة 250 أ.م.ج. المتعلّقة بالإجراءات أمام محكمة الجنايات، فتضيف، بعد ذكر شفاهية المحاكمة، إمكانية تسجيلها “بالصورة الصوتية أو البصرية” من قبل رئيس المحكمة.

ولا يجب أن يشكّل توقيع إفادة ما أمام المحكمة عائقاً في هذا المجال: فلحين تفعيل التوقيع الإلكتروني للمستندات الرسمية في لبنان بمرسوم وفقاً للمادة 8 من قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي للعام 2018، يبقى ممكناً للقاضي تحديد طريقة الإستحصال على توقيع صاحب العلاقة على إفادته في قلم المحكمة، عندما يفرض القانون ذلك[2].

في جميع الأحوال، بدأ بعض القضاة في لبنان يقترحون على الفرقاء عقد جلسات افتراضية في خطوة جريئة وفعّالة للتخفيف من اكتظاظ المحاكم في ظلّ انتشار وباء الكورونا. ونذكر في هذا المجال على سبيل المثال:

  • في القضايا الجزائية، اعتمد الاستجوب عن بعد مع عدد من الموقوفين في المخافر أو السجون عن طريق اتصال عبر تطبيقات عدة منها الواتساب فيديو أو الزوم أو غيره؛
  • وفي دائرة تنفيذ بيروت، يعرض الرئيس فيصل مكّي على الفرقاء إمكانية حضور جلساته عن طريق تطبيق Zoom، وفي حال وافقوا على ذلك خطياً، تجري الجلسة بحضور أصحاب العلاقة (أو بعضهم) عن بعد (بالصوت والصورة) وتبثّ الجلسة مباشرةً على شاشة في قاعة المحكمة حيث يجلس القاضي لتأمين طابعها العلني. يبقى أن الفرقاء ووكلاءهم متردّدون حتى الآن في اعتماد هذا الخيار الحديث العهد، ونادراً ما يقبلون به حتى الآن.

برأينا، يمكن للقاضي اللبناني، على ضوء النصوص القانونية السابق ذكرها، فرض الجلسة الافتراضية حتى لو رفضها فرقاء النزاع، شرط أن تراعي عملياً مبادئ المحاكمة العادلة (يراجع القسم الثاني أدناه من هذه الدراسة)، لا سيما أن الجلسة الافتراضية لا تبطل مبدئياً في الشكل كما سنراه فيما يلي.

ب- عدم إمكانية إبطال الجلسات الافتراضية شكلاً

لنفترض أن القاضي ألزم الفرقاء بإجراء جلسات افتراضية وحدّد موعدها ومتطلباتها التقنية، فهل يمكن للفريق المعترض أن يطلب بطلان هذه الإجراءات لعيب في الشكل؟

تنص الفقرة الأولى من المادة 59 من قانون أصول المحاكمات المدنية الواردة في فصل الدفوع الإجرائية، على ما يلي:

“لا يجوز إعلان بطلان أي إجراء لعيب في الشكل إلا إذا ورد بشأنه نص صريح في القانون أو كان العيب ناتجاً عن مخالفة صيغة جوهرية أو متعلقة بالنظام العام وإذا أثبت الخصم الذي يتمسك بالبطلان وقوع ضرر له من جراء العيب المذكور.

بناء عليه، لا يمكن إبطال إجراءات الجلسات الافتراضية لعيب في الشكل الّا عند توافر شرطين مجتمعين:

الشرط الأول: في حال مخالفة الإجراءات نصا صريحا أو صيغة جوهرية أو متعلّقة بالنظام العام،

والشرط الثاني: إثبات الخصم طالب الإبطال تضرّره من تلك الإجراءات.

فبالنسبة للشرط الأول، سبق أن أثبتنا عدم وجود أي نص صريح يمنع الجلسات الافتراضية. فهل تكون الجلسات الافتراضية مخالفة لصيغة جوهرية أو متعلّقة بالنظام العام؟

يمكن الرجوع في هذا المجال إلى اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان في دعاوى متعلّقة بالمافيا الإيطالية حيث أجريت جلسات عن بعد بتقنية الاتصال المرئي والمسموع: فقد أثيرت أمام المحكمة الأوروبية مسألة تلاؤم تلك الجلسات مع مبادئ المحاكمة العادلة المنصوص عنها في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان[3]. واعتبرت المحكمة الأوروبية في قراراتها أن الجلسات بتقنية الاتصال المرئي والمسموع تتلاءم مع مبادئ المحاكمة العادلة إذا كانت تؤمن عملياً متطلبات المحاكمة العادلة[4].

وبما أن مبادئ المحاكمة العادلة مطبّقة في لبنان ليس فقط بموجب القوانين اللبنانية[5]، بل أيضاً بموجب الاتفاقات الدولية المصادق عليها من قبل لبنان، وأهمّها الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ينص في مادتيه 8 و10 على مبادئ المحاكمة العادلة بطريقة مماثلة لتلك المنصوص عنها في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان، فلا يمكن اعتبار إجراءات الجلسات الافتراضية في لبنان مخالفة لمبادئ المحاكمة العادلة، وبالتالي لا تخالف صيغة جوهرية أو النظام العام، إلا إذا اعتمدت تقنيات لا تؤمّن عملياً متطلّبات المحاكمة العادلة.

وبطبيعة الحال، إن الجلسة الافتراضية التي لا تؤمّن متطلّبات المحاكمة العادلة تلحق في الوقت نفسه ضرراً أكيداً بفريق أو أكثر من فرقاء النزاع، فعندها فقط يجتمع الشرطان لإبطال الجلسة الافتراضية لعيب في الشكل وفقاً للمادة 59 أ.م.م.

فيقتضي التطرّق إلى شرط تقيّد الجلسات الافتراضية عملياً بمبادئ المحاكمة العادلة.

القسم الثاني: شرط التقيّد عملياً بمبادئ المحاكمة العادلة

على التقنيات والوسائل المعتمدة لعقد جلسات افتراضية أن تؤمّن حسن تطبيق مبادئ الوجاهية وعدم الإنحياز وعلنية المحاكمة (أ)، إذ أنها ضمانة لإصدار القضاء اللبناني أحكامه في مهلة معقولة (ب).

أ – مراعاة مبادئ الوجاهية وعدم الإنحياز والعلنية

لا يمكن عقد جلسة افتراضية قبل التأكد من إمكانية ولوج جميع فرقاء النزاع في التوقيت المحدّد للجلسة الى التطبيق المعتمد من قبل المحكمة لاجراء الجلسة عن بعد، أي يجب توافر التطبيق لدى الفرقاء والمحكمة، على حاسوب مجهّز بكاميرا وميكروفون أو على هاتف خلوي ذكي، مزوّد بالإنترنت دون انقطاع. ولعل أفضل وسيلة للتأكّد من ذلك هي الحصول على موافقة الفرقاء الخطية لإجراء جلسات افتراضية عن بعد.

فإذا استحال على أحد الفرقاء استعمال التطبيق بسبب أزمة كهرباء أو إنترنت أو عدم توافر حاسوب مجهّز أو هاتف ذكي مثلاً، لا يمكن إجراء الجلسة الافتراضية دون المساس بمبدأ عدم انحياز المحكمة الذي يحتّم تأمين المساواة بين الفرقاء من جهة، ومبدأ الوجاهية وحقوق الدفاع من جهة أخرى.

وعلى القاضي أن ينظّم مداخلات الفرقاء بالتساوي فيما بينهم لكي يتسنّى لهم عرض موقفهم على قدم المساواة.

أكثر من ذلك، وفي حال كانت الجلسة الافتراضية مخصّصة لاستجواب الشهود أو الخبراء، على القاضي أن يتّخذ الاحتياطات اللازمة للتأكّد من عدم تأثير أي فريق على الشاهد أو الخبير، سواء باستدعاء الشاهد أو الخبير ليحضر وحده أمام المحكمة في حين يشارك الفرقاء عن بعد، أو عن طريق التأكد بواسطة الكاميرا أو شخص منتدب من المحكمة أن الغرفة التي يدلي فيها الشاهد أو الخبير شهادته/ إفادته خالية من أي شخص آخر أو وسيلة تواصل يتمّ استخدامها للتأثير على أجوبة الشاهد أو الخبير.

وتخوّل العديد من التطبيقات الحديثة فصل المشاركين في “غرف استراحة وهمية” (break out rooms)، مما يسمح مثلاً للمحكمة تنظيم استجواب كل شاهد على حدة في حين ينتظر سائر الشهود في “غرف الاستراحة” حيث لا يسمعون ولا يرون ما يجري خلال استجواب غيرهم.

كما تخوّل التطبيقات تسجيل الجلسة الافتراضية بكاملها، فيصبح للقاضي امكانية إعادة مشاهدة أي مداخلة أو استجواب لتكوين قناعته أو تصحيح خطأ أو غموض وارد في محضر المحاكمة.

أما مبدأ علنية المحاكمة، فيمكن مراعاته بكل سهولة إما من خلال البث المباشر للجلسة الافتراضية على شاشة في قاعة المحكمة أو بواسطة البثّ المباشر على شبكة الإنترنت (livestream)، علماً أن استعمال الإنترنت في هذا المجال يضمن مبدأ العلنية بطريقة أفضل وأوسع في زمن الكورونا والتباعد الاجتماعي والتدابير الوقائية المتّبعة لدخول قصور العدل.

يبقى للقاضي أن يضع خطة بديلة تطبّق في حال حدوث أي عطل تقني أو انقطاع في الاتصال أو تدخل غير مرغوب – من أي شخص غير القاضي – في إدارة الجلسة، وقد تتضمّن تلك الخطة تأجيل لموعد الجلسة الافتراضية أو دعوة أحد الخصوم أو الشهود إلى قاعة المحكمة في موعد لاحق…

عليه، تكون قانونية الجلسات الافتراضية عن بعد معلّقة على مراعاتها مبادئ الوجاهية وعدم الإنحياز والعلنية السابق ذكرها، في حين أن تأجيل الجلسات المتكرّر منذ تشرين الأول 2019 قد يجعل من الجلسات الافتراضية وسيلة مهمّة لتأمين مبادئ المحاكمة العادلة من ناحية وجوب صدور الحكم في مهلة معقولة.

ب – صدور الحكم في مهلة معقولة

تنص المادة 4 أ.م.م. على أنه “لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفاً عن احقاق الحق (…) أن يتأخر بغير سبب عن اصدار الحكم…”.

وبذلك، تجسّد المادة 4 أ.م.م. ليس فقط أحد مبادئ المحاكمة العادلة كما سبق ذكره أعلاه، بل أيضاً المقولة الشهيرة[6]“Justice delayed is justice denied”، أي ما تعريبه أن التأخر في إحقاق الحق هو بمثابة استنكاف عن احقاق الحق.

وإذا كانت الجلسات الافتراضية عن بعد تؤمّن استمرارية وفعّالية عمل القضاء اللبناني، من خلال تجنّب التأخير الناتج عن تأجيل الجلسات، في زمن هو بأمسّ الحاجة إلى ذلك، يبقى أن العديد من المحاكم غير مجهّزة تقنياً لتأمين مستلزمات الجلسات عن بعد من أجهزة كومبيوتر إلى خطوط إنترنت سريعة إلى توفر التغذية بالكهرباء دون انقطاع…

وبالنتيجة، يقتضي العمل على تأمين تلك المستلزمات التقنية لعقد الجلسات الافتراضية عن بعد من قبل المحاكم اللبنانية لأن النصوص اللبنانية ومبادئ المحاكمة العادلة التي ترعاها تكرّس قانونية هذه الجلسات، لا بل عدم اللجوء إلى الجلسات الافتراضية في ظل كل هذه الظروف سيؤخّر حتماً صدور الأحكام من قبل القضاء اللبناني في مدّة مقبولة ويعرقل تطبيق مبادئ المحاكمة العادلة في لبنان.


[1]  المادة 372: “لا يصح على الاطلاق اصدار الحكم ضد خصم لم يجر سماعه او يمكن من ابداء دفاعه”.

[2] مثلاً المادة 189 أ.م.ج. بالنسبة لافادة الشاهد.

[3]  أي “الحق في مرافعة علنية وعادلة خلال مدة معقولة أمام محكمة مستقلة وغير منحازة مشكّلة طبقاً للقانون”.

[4] Laure Milano, « Visioconférence et Droit à un Procès Equitable », RDLF 2011, chron. n°08,

وهي تستند الى قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان تاريخ 5/10/2006 (رقم 04/45106) مارسيلو فيولا ضد إيطاليا، وتاريخ 27/11/2007 (رقم 02/35795) اسكيوتو ضد إيطاليا، وتاريخ 27/11/2007 (رقم 00/58295) زاغاريا ضد إيطاليا.

  

[5] كالمادة 372 أ.م.م. السابق ذكرها بالنسبة لحق الدفاع والمادة 373 أ.م.م. بالنسبة لمبدأ الوجاهية والمادتين 376 أ.م.م. و178 أ.م.ج. بالنسبة لمبدأ العلنية…

[6] للسيد وليام غلادستون، رئيس الوزراء الإنكليزي في أواخر القرن السابع عشر.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، تشريعات وقوانين ، لبنان ، محاكم مدنية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات