مختار بلدة الطيبة الذي لم يحتمل العدو إصراره على الصمود


2023-12-16    |   

مختار بلدة الطيبة الذي لم يحتمل العدو إصراره على الصمود

كحال كثر من كبار السن الجنوبيين الذين أبوا ترك قراهم ومنازلهم في ظلّ العدوان الإسرائيلي، مفضّلين الصمود في أرضهم، كذلك مختار بلدة الطيبة الجنوبية المحرّرة حسين منصور الذي لم يكن “النزوح” خياره يوماً، فاستشهد في قريته نهار 11-12-2023 بصاروخ إسرائيلي أصابه من دون أن ينفجر. 

يسبقه صيته، “خدوم كثير”، بهذه العبارة يصفه معظم أبناء القرية. ومنصور البالغ من  العمر 78 عامًا عمره هو أكبر من عمر “الكيان الصهيوني”، تحفر التجاعيد في وجهه تاريخًا من الصمود، ولد وعاش حياته في قريته التي لا تبعد سوى أمتار قليلة عن الحدود مع فلسطين المحتلة. كان مع والده يزرعان الأرض ويحرثانها، ويذهبان إلى فلسطين قبل “النكبة” لبيع المنتوجات. ولطالما كانت الأراضي والجبال والوديان التي استولى عليها الكيان الصهيوني وفصلها عن لبنان بالجدران والبوّابات، ملاعب لمنصور وأترابه، كانوا الأدرى بزواياها ومغاورها. وبعد نشوء الكيان الصهيوني عايش منصور جميع الاعتداءات الاسرائيلية على  المنطقة، وأبى، حتى خلال الاحتلال الذي استمر من العام  1982 لغاية العام 2000،  أن يخرج من قريته.

هاجر والده إلى السعودية وبقي منصور وأخوته يحصّلون تعليمهم، فتخرّج المختار من دار المعلمين وعمل كأستاذ للغة العربية في قريته.

أدى المختار دورًا بارزًا في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، في تعليم الأجيال الصاعدة في المنطقة المحتلة، موفّرًا لهم فرصة لتحصيل العلم في قريتهم بدل النزوح إلى بيروت ومناطق أخرى.

في التسعينيات انتقل منصور من العمل في قطاع التعليم، للعمل في القطاع العام فعُيّن مأمور نفوسٍ بالإنابة عن منطقة مرجعيون المحتلة من العام 1990 لغاية العام 2000 وكان حريصًا على مساعدة الناس وأهالي المنطقة، “يومية يومية كان يطلع من الطيبة على مرجعيون، وياخذ معه كل معاملات الناس كرمال ما يتعذّبوا على الطريق”، يقول أحد أبناء قريته لـ “المفكرة”. كذلك دأب المختار خلال الاحتلال على مساعدة المزارعين في قرى مرجعيون، وبخاصّة مزارعي التبغ، فكان يسرّع في حصولهم على الأوراق والمستندات اللازمة وعلى توزيع المساعدات الزراعية وغيرها.

ويخبرنا نجله الدكتور نادر منصور، عن كمّ المضايقات التي كان يتعرّض لها منصور على يد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذين اعتقلوه أكثر من ثلاث مرات في محاولات منهم للتضييق عليه ودفعه للنزوح عن المنطقة، ويضيف في اتصالٍ مع “المفكرة القانونية” أنّهم لطالما وضعوا منزلهم تحت المراقبة، وكانوا يتتبّعون والده خلال تنقّلاته.

ومنصور أب لسبعة أولاد، حصّلوا جميعهم تعليمهم الأساسي والثانوي في ظلّ الاحتلال، وتخصّص منهم الطبيب والمهندس وأساتذة ومعلمات، هم أيضًا تربّوا على حب الأرض والصمود، وهو جدّ لحوالي 18 حفيدًا، ما زال معظمهم صامدين في القرية، ويؤكد نادر لـ “المفكرة”، أنّ تشبّثه بالأرض زاد بعد استشهاد والده.

في نهار استشهاده كان المختار يمارس رياضة المشي كعادته كلّ يوم وخلال عودته دعاه صديقه، للانضمام إليه وسبعة من أبناء القرية لشرب القهوة. وتحت شجرة المشمش جلس المختار. تحدّث عن عجز إسرائيل عن ترهيبهم، وبدأ يحكي عن السنوات الطويلة التي مضت عليه في القرية التي تدفعه إلى البقاء رغم العدوان. 

يروي صديقه لـ “المفكرة” أنّه لم يكن قد مرّ عشر دقائق على جلوسه، حتى استهدف المنزل بقذيفةٍ اصطدمت أوّلًا بالجدار ثمّ ارتدّت على جسد المختار منصور فأوقعته شهيدًا على الفور. ولم يصب أحد من الحاضرين. “حتى طريقة موته كان فيها خدمة للناس ومساعدة مثل ما طول عمره يعمل”، يقول الصديق بأسى وفخر معًا.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية