السلطة تستشرس في الدفاع عن النظام متسبّبة بإصابة مئات المتظاهرين: أسلحة مؤذية جديدة وفحص مخدرات وتوقيفات خلافاً للقانون


2020-08-11    |   

السلطة تستشرس في الدفاع عن النظام متسبّبة بإصابة مئات المتظاهرين: أسلحة مؤذية جديدة وفحص مخدرات وتوقيفات خلافاً للقانون
الصورة لماهر الخشن

لم يغادر المحامي فراس حمدان ساحات الثورة منذ انتفاضة تشرين 2019، ينتقل من زاوية إلى أخرى يوثّق من موقعه في لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية ومناصرو بعض القوى السياسية على الخارجين إلى الشارع طلباً للتغيير واستعادة وطن منهوب وسليب. وحدها قنبلة محشوّة بحبيبات الخردق انفجرت بفراس لتستقر حبّة خردق في عضلة قلبه متسببة بنزف في غشاء القلب، وفق ما أكد زميله في المهنة واللجنة وصديقه المحامي مازن حطيط لـ”المفكرة القانونية”. يقول حطيط أنّ حمدان خضع لعملية قلب مفتوح تمكّن خلالها الأطباء من وقف النزيف في غشاء القلب، لكنهم لم ينَلوا من حبة الخردق التي استقرّت في عضلة قلبه تجنّباً لتعريض حياته للخطر. والبحث جارٍ اليوم لتحديد معدن حبة الخردق في ما لو كانت من النحاس أو الحديد لتحديد كيفية تعايش حمدان مع بقائها في جسده وفي قلبه تحديداً.

شربل جوزف ابراهيم، لم يغادر بدوره ساحات الثورة منذ 17 تشرين. اعتاد ابن الـ18 عاماً أن يتظاهر في جونيه لكن مع انفجار مجزرة بيروت جاء مدفوعاً بحماسه لمساعدة المتضررين ورفع الأنقاض وتنظيف منازلهم ثم أكمل نحو ساحة الشهداء. هناك وقف شربل ينشد شعارات الثورة إلى أن شعر بضغط هائل ليجده مَن حوله مضرّجاً بدمائه، وقد غرز الخردق في وجهه وجسده، ولسوء حظه دخلت حبّتان من الخردوق في عينه. خضع شربل لعميلة تنظيف وتقطيب لجرح العين وسيخضع لعملية ثانية يوم الجمعة المقبل، ولا يعرف إذا كان سيستعيد نظره أم لا. “ناطرين العملية” يقول لـ”المفكرة”، فيما تضيف والدته سهى خليل بمرارة أنّ الطبيب قال لها “أشكري ربك إبنك بعده طيب، وعنده عين غير مصابة يشوف فيها”، لتعتبر أنه لا يمكن أن “يتدنى سقف أمالنا في وطننا إلى حدود اعتبار خسارة عين وإصابة من دون وفاة فعل علينا أن نحمد الله عليه، ولماذا؟ لأن ابني خرج كما شبان وشابات لبنان من أجل الحق بالعيش في وطن عادل لجميع أبنائه، ولم يكن ينهب أو يقتل أو يؤذي مطلق إنسان”.

أكثر من 728 شخصاً أصيبوا في تظاهرة السبت 8 آب ونقل أكثر من 170 منهم الى المستشفيات، وفق معطيات لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين والصليب الأحمر والجمعية الطبية الاسلامية. هناك سبعة على الأقل من بينهم أصيبوا في أعينهم ورؤوسهم وقلوبهم إما نتيجة القنابل التي تحتوي حبيبات الخردق، أو الرصاص المطاطي أو ذلك الحي منه. من بين هؤلاء قصّر ومواطنون عاديون وصحافيون ومحامون وأطباء لم تميّز بينهم القوى العسكرية والأمنية التي من المفترض وفق قانون الطوارئ الذي أعلنه مجلس الوزراء في 5 آب 2020، أن تخضع لسلطة الجيش وتعمل تحت إمرته. كان أداء السلطة يوم السبت تجاه الخارجين إلى الشاراع للتعبير عن غضبهم من مجزرة مرفأ بيروت وجريمته، على قاعدة من أخطأه الانفجار لن يخطئه قمع التظاهرات، وهكذا كان.

“جعلوني أتبوّل أمام 7 اشخاص وسخروا من حجم عضوي”

شاب قاصر في الـ17 من عمره وثّق على حسابه على تويتر إصابته نتيجة الضرب المبرح الذي تعرّض له: “انهال عليي نحو 50 عسكرياً بالضرب، وكنت أصيح بهم أني قاصر وأنه لا يحق لهم تعنيفي بهذه الطريقة من دون جدوى. بعدها سلّموني لقوى الأمن الداخلي التي اقتادني عناصرها بعد ضربي بقسوة أيضاً وتكبيل قدمَي إلى ثكنة الحلو ليحشروني مع عشرين موقوفاً غيري في غرفة 3 بـ4 أمتار بلا طعام أو ماء أو رعاية صحية”. والأسوأ أنّ القوى الأمنية أخضعت القاصر نفسه، كما غيره من الموقوفين لفحص تعاطي مخدرات: “جعلوني أتبوّل أمام نحو سبعة أشخاص، وهذا كان قاسياً جداً عليّ، وجعلوا الآخرين يسخرون من حجم عضوي الذكري”. ختم القاصر تغريدته كما ختم شربل ابراهيم شهادته لـ”المفكرة” بـ”أنّ ما حصل لن يثنينا عن النزول إلى الشارع طلباً للتغيير والثورة”.

شربل قرر أن يشتكي من ضمن ملف تعدّه لجنة المحامين بالتعاون مع نقابة المحامين مع 14 مصاباً ومعتقلاً تم الإعتداء عليهم في تظاهرة السبت “وهناك آخرون أيضاً سينضمّون إلى رافعي الدعاوى، ولكن لدينا 14 متظاهراً ومتظاهرة يريدون المضي بشكاويهم” وفق المحامي مازن حطيط.

تصف رئيسة “المفكرة” وعضو لجنة المحامين المحامية غيدة فرنجية عنف الأجهزة الذي حصل خلال يوم السبت بـ”الأعنف منذ انتفاضة 17 تشرين 2019، حتى أنّه أشد من العنف الذي شاهدناه في كانون الثاني 2020 تجاه المنتفضين“. وفقاً لفرنجية، رصدت اللجنة “للمرة الأولى استخدام أسلحة جديدة ومؤذية كالقنابل التي تحتوي على الخردق، علماً أنّ الرصاص المطاطي والخردق يمكنهما أن يتسبّبا بالوفاة إذا لم يتم استخدامهما وفقاً للمعايير الدولية، كأن يتمّ إطلاقهما على الأقدام ومن مسافة بعيدة”. وسارعت القوى الأمنية من أمن داخلي وجيش إلى إصدار بيانات تنفي فيها الجهتان استخدامهما الرصاص المطاطي أو الحي.

واستناداً إلى المعطيات الأوّلية والتسجيلات المتداولة لعناصر باللباس المدني، يبدو “أنّ شرطة مجلس النواب كان لها دوراً بارزاً في استهداف المتظاهرين، لا سيما عن طريق قنابل تحتوي على ذخائر الخردق، كما عن طريق القنص على المتظاهرين مباشرة”. وأصدرت كل من  قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني بياناً نفيا فيه أن يكون أي من العناصر باللباس المدني ممن توزعت صورهم على وسائل التواصل الإجتماعي وهم يطلقون النار على المتظاهرين من ضمن عديدها.  وبناء على تطبيق حالة الطوارئ العسكرية التي أعلنها مجلس الوزراء في 5 آب من قصر بعبدا (علماً أنّه لم يتم نشر مرسوم إعلانها حتى اليوم)، وكوننا شهدنا أول تظاهرة حاشدة في ظلّها حيث استلم الجيش مهام حفظ الأمن في بيروت، تتساءل فرنجية عن الجهة التي كانت تمتثل لها شرطة مجلس النواب المشتبه بقيام بعض عناصرها بالاعتداء على المتظاهرين سواء بقنابل الخردق أو القنص أو وسائل أخرى.

وكانت لجنة المحامين أصدرت بياناً وثقت فيه رصدها للعنف “المفرط وغير المتناسب والمخالف لقواعد مكافحة الشغب” الممارس على المتظاهرين من قبل الجيش والأجهزة الأمنية مشيرة إلى توقيف 20 متظاهراً بينهم 4 قصّار وإصابة عشرات آخرين بينهم إصابات خطرة. وختمت اللجنة بيانها بمطالبة السلطات القضائية وقيادة الجيش بفتح تحقيق فوراً في أعمال العنف الممارسة بحق المتظاهرين. وذكّرت اللجنة أنه “لا مفرّ من تغيير هذا النظام السياسي المجرم الذي فجّر منازلنا وقتل أرواحنا وأحلامنا”.

تقبّل العنف الثوري

وسجّلت أحداث يومي السبت والأحد معطيين أساسيين تمثّلا أولاً: بتغيُّر ملموس في المزاج الشعبي تجاه التظاهر العنفي في ما يبدو انعكاساً لحال المواطنين بعد تفجير المرفأ ومجزرته التي دمّرت عاصمة البلاد. ولم يدن الذين دخلوا الوزارات وصادروا بعض الملفات، بل على العكس امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي ترحيباً مع أسئلة عما إذا كانت بعض الملفات الني تنضح فساداً قد وقعت بين أياديهم. حصل هذا برغم البيان الأول الذي صدر عن القوى الأمنية ويصف المتظاهرون بالقتلة المشاغبين على خلفية مقتل أحد العناصر الأمنية، برغم أن التحقيقات لم تنته ولم تثبت مسؤولية أي من المتظاهرين عما حدث.

وتعليقاً على توقيفات السبت ترى عضو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين نيرمين السباعي التي قابلت الموقوفين في ثكنة الحلو أنّ الأمر كان يحصل على قاعدة “قشة لفة” ، حيث تم توقيف شاب كان يقف في ساحة التظاهر عند الخامسة من عصر السبت وقبل بدء التظاهرات بشكل جدي، فيما أوقف اثنان كانا بصدد الإتيان بدراجتيهما الناريتين، وهكذا كثُر غيرهم”.  وتصف معاملة الموقوفين الـ20 في ثكنة الحلو على طريقة “كبش المحرقة وسط غليان عناصر القوى الأمنية نتيجة مقتل أحد عناصرها، برغم عدم علاقة الموقوفين بالأمر حيث تم إخلاء سبيل 18 موقوفاً من بين 20، وأبقي على اثنين في ملفّات لا علاقة لها بالتظاهر”.

توقيف وفحص تعاطي مخالف للقانون

وسيق الموقوفون إلى ثكنة الحلو، وفق السباعي لصالح “فصيلة وسط بيروت حيث أصدر المدّعي العام التمييزي غسان عويدات إشارات بتوقيفهم لمدة 24 ساعة”. وتؤكد سباعي أنّه لم يتمّ التحقيق مع الموقوفين القصّر الأربع، ولم يتم فتح محاضر لهم ومع ذلك تم توقيفهم وهذا مخالف للقانون، حيث لا يمكن توقيف مطلق شخص من دون فتح تحقيق”.  وتوقفت سباعي عند إخضاع جميع الموقوفين لفحص تعاطي المخدرات، ومن ثم تمّ التحقيق مع بعضهم من قبل مكتب مكافحة المخدرات، وهذا ليس قانونياً أيضاً، إذا أنهم ليسوا موقوفين في ملف يرتبط بالمخدرات، كما أنه يعمم ذهنية البحث في القدرة الذهنية والإدراكية للمشاركين في الثورة”. وكانت السلطة قد استخدمت هذا الإجراء في حراك 2015 (حراك النفايات)، وعادت عنه يومها نتيجة اعتراض لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.

وتشير سباعي إلى تعرّض الموقوفين للضرب في الساحة وفي الآليّة التي سيقوا بداخلها، كما تعرّض أحد الموقوفين الذي أبقي على توقيفه في ملف سابق للضرب في ثكنة الحلو، مشيرة إلى رفض القيّمين على ثكنة الحلو الإتيان برعاية صحيّة للموقوفين، وعدم الاستجابة لطلب لجنة المحامين بدخول الصليب الأحمر للكشف عليهم.

وتعليقاً على إخضاع الموقوفين لفحوصات المخدرات، أصدر عدد من الجمعيات العاملة في مجال الوقاية والعلاج والتأهيل والحد من مخاطر استخدام المخدرات والطب النفسي بياناً الإثنين 10 آب 2020، رفضت فيه “رفضاً قاطعاً الممارسات غير القانونية التي تساهم في التهميش والوصم، عن غير حق لمجموعات من الشبان والشابات وعائلاتهم ومجتمعاتهم”. واعتبرت الجمعيات في بيانها أنّ إخضاع الموقوفين لهذه الفحوصات هو انتهاك للمعاهدات الدولية، لحقوق الإنسان، لمبادئ الصحة العامة والحق بالخصوصية وانتهاك للحريات العامة والشخصية. كما هو انتهاك فاضح لقانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة لا سيما المادة 6 منه والتي تنص على أنه “لا يجوز القيام بأي عمل طبي، ولا تطبيق أي علاج من دون موافقة الشخص المعني المسبقة”. ورأت أن قرار إجراء الفحص و”إن جاء من النيابات العامة التمييزية مباشرة هو دون مسوّغ قانوني أو شبهة على استخدام المخدرات”.

ودعت الجمعيات القضاء اللبناني، وبالأخص النيابة العامة التمييزية إلى: الالتزام بالمبادئ العالمية لحقوق الإنسان والتي تكرس الحق في الحياة بدون التعرض للكرامة الإنسانية وانتهاك الحقوق، وإلى احترام الدستور اللبناني الذي يضمن حق المواطنين اللبنانيين في التعبير عن آرائهم، والالتزام بالقانون اللبناني، خاصة المادة 6 من قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة، وتطبيق قانون المخدرات اللبناني رقم 673/1998 والذي يكرس مبدأ العلاج كبديل عن العقاب في قضايا المخدرات، خاصة وأن الإستراتيجية المشتركة بين الوزارات لمكافحة المخدرات والإدمان في لبنان 2016-2020 تنص في مادتها 1.3.2 على “مراجعة القوانين بحيث يتم إلغاء تجريم استخدام المواد غير المشروعة بما يتماشى مع المعاهدات الدولية ومبادئ الصحة العامة”.

وقعت البيان جمعيات: شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للحد من مخاطر استخدام المخدرات-مينارة، وسكون المركز اللبناني للإدمان، وجمعية العناية الصحية (SIDC)-مركز إسكال للحد من المخاطر والعلاج من المخدرات، وجمعية عدل ورحمة-AJEM، والمجلس الأهلي لمكافحة الإدمان-صيدا، وتجمع المؤسسات الأهلية-صيدا، والمفكرة القانونية وجمعية نسروتو-أخوية السجون في لبنان، والجمعية اللبنانية للطب النفسي.

إرهاق القطاع الصحي بأكثر من 177 مصاباً

 وتؤكد عضو لجنة المحامين المحامية مايا دغيدي أنّ نحو 177 متظاهراً ومتظاهرة نقلوا إلى مستشفيات بيروت عدا عن مئات حالات الإسعاف على الأرض نتيجة العنف الممارس بحقهم، وهو ما أرهق القطاع الصحي الذي يتعامل جاهداً في ظلّ نقص المستلزمات الطبية مع فيروس كورونا من جهة، ومع نحو 5500 ضحية بين شهيد وجريح نتج عن مجزرة المرفأ، حيث علت صرخة بعض المستشفيات طالبة عدم نقل مصابين وجرحى إليها لعدم قدرتها على استيعاب المزيد.

وتصف دغيدي التي كانت في مستشفى أوتيل ديو وتواصلت مع العديد من المصابين أن معظم الذين نقلوا إلى المستشفى “كانوا مخردقين، حيث أصيب زميلنا المحامي فراس حمدان بقنابل الخردق في قلبه وأنحاء مختلفة من جسده، كما أصيب شاب في عينه، فيما انفجر طحال متظاهرة نتيجة الخردق الذي أصابها في بطنها”.

 وبعدما اشارت إلى موافقة نحو 14 مصاباً حتى الآن على رفع شكاوى، لفتت إلى تخوّف البعض من معرفة أسمائهم ومن الانتقام منه برغم مصابهم الأليم.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، أحزاب سياسية ، تحقيقات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، لبنان ، مجزرة المرفأ