الحفر في البلوك رقم 9 مستمر… والدخول إلى المكمن الغازي خلال أيام


2023-10-08    |   

الحفر في البلوك رقم 9 مستمر… والدخول إلى المكمن الغازي خلال أيام
رسم رائد شرف

روايات كثيرة تُنسج بشأن ملف الغاز في لبنان، لكن “أقواها” يبقى أن الاستكشاف في البلوك رقم 9 توقف تماماً، مع ما يترافق مع ذلك من أخبار وتحليلات عن “الخديعة” التي تعرّض لها لبنان بموجب الترسيم.

التدقيق في الأمر ينفي سريعاً أن يكون الحفر قد توقف فعلاً. لا بل أكثر من ذلك يبدو أن أياماً تفصل عن الوصول إلى النقطة المفصلية، والمتمثلة باختراق الطبقة الجيولوجية المسماة Tamar C، حيث يُرجّح أن تحتوي على مكامن الغاز. ففي التفاصيل تؤكد معلومات تقنية مستقاة من التقارير اليومية المرسلة من منصة الحفر أن الحفر الاستكشافي قد وصل أول من أمس إلى عمق 3530 متراً تحت مستوى سطح البحر، 1678 متراً منها في المياه. ما يعني أن الحفر قد اخترق أرض البحر بنحو 1900 متر.

هذه المسافة توضح أن العملية شارفت على نهايتها، خاصة أن مصادر تقنية تؤكد أنه بعدما كانت المسوحات ترجّح أن الطبقة الجيولوجية المراد الوصول إليها ستكون على عمق 4400 متر، تشير التوقعات المرتبطة بالحفر المباشر أن هذه الطبقة قد تكون على عمق ما بين 4000 و4200 متر، ما يعني اختصار المدة والمسافة المقدرة للوصول إليها. تؤكد المصادر أن الاستكشاف قد يصل إلى نهايته في نهاية الشهر (يستمر الحفر في طبقة Tamar C حتى الوصول إلى نهايتها بما يسمح بالحصول على المعلومات كافّة عن مساحة المكمن وحجمه ومكوّناته)، على أن يليها إخضاع كل المعلومات للتحليل الدقيق تمهيداً لتقديم تحالف “توتال” و”إيني” و”قطر للطاقة” تقريراً رسمياً مفصلاً بشأنها إلى وزارة الطاقة، كما حصل عند حفر البئر في البلوك رقم 4.

لكن في مقابل التناقض بين المفرطين في التفاؤل والمفرطين في التشاؤم، تدعو المصادر إلى التعامل مع المسألة بهدوء وواقعية. فتحذر من الإكثار في التفاؤل بالتوازي مع إنكار كلّ الشائعات التي تردّدت عن توقّف الحفر. فالإحداثيات التي ترجّح وجود الغاز لا تعني أن الغاز موجود فعلاً. هذا ما حصل على سبيل المثال في البلوك رقم 4. لكن مع ذلك، تبقى فرص إيجاد الغاز في الجنوب عالية بالنظر إلى ما يحصل من اكتشافات في محيط منطقة الحفر. وحتى لو تبين أن Tamar C لا يتضمن المكامن المرجوة، فإن الحفر سيُستكمل وصولاً إلى Tamar D. ما يعني أن الحفر سيستنفد كل الفرص المتاحة للوصول إلى المكامن المتوقعة، من دون التخلي عن الحذر أو التغاضي عن أن احتمال عدم توفر الغاز بكميات تجارية يبقى قائماً.

للمناسبة، وبالرغم من أن ثمة من يعتقد حتى اليوم، ومنهم رؤساء حكومات، أن الحفر في البلوك رقم 4 أسفر عن اكتشاف كمية كبيرة من الغاز لم تعلن عنها شركة “توتال” التي أعلنت لاحقاً أن البئر جافة لأسباب سياسية، إلا أن هيئة إدارة قطاع البترول تبلّغت من الشركة الفرنسية أنها ستسلم البلوك في 22 تشرين الأول الحالي، ربطاً بالاتفاقية الموقعة مع الدولة اللبنانية، نهاية هذا الشهر. فالاتفاقية لا تعطي الملتزم حقّ الحفر في البلوك إلى الأبد، بل تتضمن مدة محددة في حال لم تقم الشركة بحفر بئر ثانية خلالها تكون ملزمة بالتخلي عن حقها في الاستثمار. وهذا يعني إمكانية إعادة فتح البلوك أمام ملتزمين جدد، واستطراداً مراجعة كل الملفات التي تتضمن معلومات مستقاة من حفر البئر الأولى. 

وكانت انتشرت في الأيام الأخيرة أخبار عن صخرة اعترضت طريق الحفارة وأدت إلى توقف الحفر. التدقيق في الأمر أظهر بالفعل أن صخرة اعترضت طريق الحفارة نهاية شهر آب، إلا أن المسألة حُلّت تقنياً بعدها. وبحسب المعلومات، عندما وصل الحفر إلى عمق 1713 متراً، أي بعد تخطي عمق المياه بقليل، وتحديداً بعدما وصل الحفر في باطن أرض البحر إلى 35 متراً لم يستطع مواصلة الحفر في الموقع المحدد بموجب رخصة الحفر الموافق عليها من قبل وزارة الطاقة، نظراً لوجود صخور تمنع القيام بإدخال القميص الحديدي بقطر 36 إنشاً داخل أرض البحر. فكان على الشركة أن تختار بين حلّين:

  • إما تغيير مكان البئر إلى مسافة قريبة لتجنّب هذه الصخور.
  • إما إنزال رأس حفر بقطر 40 إنشاً لفتح المجال أمام إنزال القميص الحديدي.

ولما كان اعتماد الخيار الثاني سيستغرق وقتاً طويلاً، لجأ المشغل إلى الخيار الأول وهو تغيير مكان البئر بمسافة إجمالية تبلغ 31.7 أمتار من الموقع الأول. لكن لأن كان هذا التعديل يتطلّب تعديلاً في اتفاقية حفر البئر الاستكشافية ومن ضمنها إحداثيات الحفر، راسلت الشركة هيئة إدارة البترول في 6/9/2023 طالبة تعديل الإحداثيات المحددة في قرار الوزير الصادر في 16/8/2023 (رخصة الحفر). وبالفعل أوصت الهيئة بالتعديل، ثم أصدر وزير الطاقة في 12/9/2023 قرار التعديل الذي نص على إلغاء وثيقة رخصة الحفر الصادرة بموجب قراره السابق واعتماد وثيقة رخصة الحفر الجديدة. تقنياً انتهى الأمر عند هذا الحدّ، لكنه عاد إلى التفاعل إعلامياً عندما صدر قرار الوزير وليد فياض في الجريدة الرسمية (العدد 40 تاريخ 28/9/2023) الذي كشف النقاب عما حدث وفتح الباب أمام الكثير من الأقاويل والتحليلات. 

الشائعات طالت أيضاً دورة التراخيص الثانية، التي أشير إلى إلغائها لكن تبين أن الأمر ليس صحيحاً أيضاً. فالدورة التي أقفل باب التقديم إليها في 2 تشرين الأول أسفرت عن تقديم عرض وحيد من تحالف “توتال، إيني، قطر للطاقة” على كل من البلوكين. وفيما يبقى تاريخ فضّ العرض بيد هيئة البترول (متوقع خلال الأسبوعين المقبلين)، يُرجّح أن يأخذ التقييم التقني والإداري وقتاً قبل فتح العرض المالي. فستستفتح عروضها بعد أيام لكن مصادر مسؤولة تؤكد أنه لن يتم التعاقد على الاستكشاف في البلوكين المذكورين قبل انتهاء الاستكشاف في البلوك رقم 9. فإذا تبيّن وجود الغاز بكميات تجارية سيُطلب من التحالف تعديل عرضه بما يؤدي إلى حصول الدولة على نسبة أكبر من العائدات. فالوضع الذي كان سائداً عند تلزيم البلوك رقم 9 تغيّر. حينها حصلت الدولة على نسبة متدنية من العائدات بالمقارنة مع البلوك رقم 4 بسبب المخاطر التي تعترض الحفر، لكن بعد اتفاق الترسيم يفترض أن تكون هذه المخاطر قد تقلصت ما يعني إمكانية الوصول إلى عرض أفضل.

يبقى السؤال عن غياب المنافسة. ألا يستحق ذلك تأجيل دورة التراخيص تمهيداً لاحتمال تقدم عارضين جدد، أم أن الشركات الثلاث تحوّلت إلى المتعهد الوحيد للبحر اللبناني؟ يصرّ المصدر على وجوب أن يدرك الناس أن الشركات لا تقف في الطابور للاستثمار في لبنان أو حتى في الشرق المتوسط. ويوضح أن الشركات اليوم هي ثلاثة أنواع: إما أنها تركز على تطوير الحقول المكتشفة وبالتالي لا يهمها الدخول في استكشافات جديدة، وإما أن أولويتها هي العمل خارج المنطقة، أو أنها بدأت تركّز استثماراتها على الطاقات البديلة. وعليه، فإن الشركات المهتمة بالاستثمار في منطقة الحوض الشرقي للمتوسط تعدّ على أصابع اليد الواحدة، 3 منها تعمل في لبنان بالفعل. وتبقى الشركات الأميركية التي لا نعرف مدى اهتمامها. تجدر الإشارة هنا إلى أنه سبق أن تم التواصل مع شركات صينية لكنها أبدتْ عدم اهتمامها العمل في المنطقة. وعليه، يخلص المصدر إلى أنّ لبنان يملك اليوم عرضيْن في اليد (عرض لكل من البلوكين رقم 8 و9) فلندرسهما ونرى. ففي النهاية ليس لبنان مجبراً على التلزيم، ويمكن التفاوض على العرضين الفني والمالي وفي حال كانا مناسبين يمكن السير بالتلزيم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية