كيف تتهيّأ القوى السياسية لاحتمال امتداد العدوان؟ خطط “طوارئ” على قياس النفوذ السياسي


2023-11-04    |   

كيف تتهيّأ القوى السياسية لاحتمال امتداد العدوان؟ خطط “طوارئ” على قياس النفوذ السياسي
قذائف الفوسفور فوق كروم الزيتون على أطراف كفركلا

منذ بدء العدوان على غزة في السابع من تشرين الأوّل، واللبنانيون والمقيمون يعيشون في حال من القلق والترقّب من توسّع المعارك في الجنوب وحصول عدوان ثانٍ مماثل على بلادهم. وفي غضون أسابيع، عاد شبح عدوان تموز 2006 ليسيطر على وجدانهم، وبدأ بعضهم في أخذ الحيطة والحذر كلّ على طريقته وضمن إمكانياته. ويدرك هؤلاء عيشهم في كنف دولةٍ تمرّ بأسوأ انهيار اقتصادي وسياسي ومعيشي وحتى مؤسساتي، حتى أنّ بعضهم يعتقد أن الخطة الرسمية المكتوبة ستبقى عاجزة عن تأمين الدعم الكامل والكافي أو تنظيم النزوح في حال الاضطرار إليه، وقد لا تكون قابلة للتطبيق على الأرض والأهم فعّالة، خصوصًا أنّ ما رشح عنها لغاية اليوم لم يتعدّ توزيع بعض الفرشات والأغطية الرقيقة على بعض النازحين في مدارس صور. 

ويتمحور قلق المعنيين بالاضطرار للنزوح من المناطق المستهدفة، والتي قد يتم استهدافها، بالدرجة الأولى حول تأمين مأوى آمن ضمن تصنيف قابل للتغيُّر خصوصًا أنّنا، وبعد جرائم الإبادة في غزة، نتحدث عن عدو لا سقف لوحشيته وانتهاكاته وهو ما تثبته جرائمه المرتكبة يوميًا ومباشرة على شاشات التلفزة في طول القطاع وعرضه. ومع السكن الآمن، وهو أساسي، يأتي همّ تأمين تكاليف المعيشة والأدوية في حال حصول حرب موسّعة إضافة إلى المياه والكهرباء المقطوعة أصلًا.

يحصل هذا فيما يخيّم على المشهد العام في البلاد الانقسام السياسي المحتدم والذي عبّرت عنه مواقف سلبية بالقول “مش رح نفتح بيوتنا متل 2006″، مما دفع البعض، ممن يسكنون في المناطق المستهدفة تاريخيًا بالعدوان الإسرائيلي، إلى التدقيق في اختيار الأماكن الآمنة لهم أو على الأقل غير الرافضة لوجودهم. وهو ما عبّر عنه أحد المعنيين بالاستعداد لخطة الطوارئ في دردشة مع “المفكرة” “ما بدنا نكذب ع بعض، في تشنّج كبير بين اللبنانيين وبين بعض المناطق”.   

من هنا، يكتسب سعي بعض القوى السياسية والفعّاليات إلى الاستعداد للعدوان وفي رأسه استقبال النازحين من مناطق الخطر أهمية ملحوظة بخاصّة وأنّ المناصرين لهم يميلون بغالبيتهم حيث يميل “الزعيم”. ورصدت “المفكرة” على سبيل المثال لا الحصر، تغيّرًا في أداء بعض القرى في الشوف بالنسبة لتأجير أهالي الجنوب شققًا ومنازل بعد مبادرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط للإعلان عن مباشرته اجتماعات لتحضير الجبل والشوف لاستقبال النازحين في حال حصول عدوان على لبنان. وهو منحى تعلن عنه بعض القوى، مثل رئيس تيار الكرامة النائب فيصل كرامي، فيما تفضّل أحزابٌ أخرى عدم الخوض في التفاصيل كتيار المردة برئاسة النائب السابق والمرشح لرئاسة الجمهورية سليمان فرنجية، بالرغم من كون منطقتا زغرتا واهدن في رأس لائحة المناطق المقصودة. وبينما يقرر “حزب الله” عدم الإعلان عن خطته، تقول تقارير صحافية  إنّه على أتمّ الجهوزية والاستعداد لتنفيذ خطة إخلاء وتأمين النازحين. في المقابل، لا تريد بعض القوى السياسية، مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب، مناقشة فكرة الاستعداد من أساسها لرفضها دخول لبنان في أي مواجهة مع إسرائيل.

والحديث عن الجهوزية وخطط الطوارئ لدى الأحزاب لا ينفصل عن الأبعاد والمواقف السياسية لكل طرف تجاه “حزب الله”. فمنذ حرب تموز 2006 شهد لبنان سلسلة أحداث عمّقت الشرخ بين اللبنانيين ومنها أحداث السابع من أيار 2008، مرورًا بانتفاضة 17 تشرين 2019، وانفجار مرفأ بيروت في 2020، إلى أحداث الطيونة في 2021 وصولًا إلى الاشتباك السياسي حول انتخاب رئيس الجمهورية.

خطة “الاشتراكي”: الجبل جاهز بتنسيق مع “حزب الله”

غداة طوفان الأقصى، كتب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي على منصة “إكس” محذّرا “المجندين قهرًا من العرب والدروز في الجيش الإسرائيلي في فلسطين المحتلة” من “الاشتراك في الحرب في مواجهة المناضلين من حماس ومن الشعب الفلسطيني، وأن حركة التاريخ مهما طالت مع حرية الشعوب ….”. وأفاد هشام ناصر الدين، مفوّض الداخلية في الحزب التقدّمي الاشتراكي، في لقاءٍ مع “المفكرة”، أنّ جنبلاط عقد مباشرة اجتماعًا ضمّ جميع وحدات الحزب، لمناقشة احتمالات وقوع عدوان إسرائيلي على لبنان وضرورة الاستعداد له. من هنا وبالتعاون مع “حزب الله” وباقي القوى السياسية، قام الحزب الاشتراكي بوضع خطة طوارئ احترازية لاستقبال النازحين، تشمل جميع المناطق التي يتمتع فيها بنفوذ سياسي في الشوف وعاليه والمتن الأعلى وراشيا وحاصبيا.

وبحسب مصادر “المفكرة” أعلم جنبلاط مسؤولي الوحدات في حزبه أنّهم مع المقاومة في حال وقوع عدوان وإلى جانب الجنوبيين. وتفيد المصادر أنّ أهالي الجبل والشوف كانوا يتعاملون بحذر مع قرار فتح منازلهم للنازحين في حال العدوان من عدمه قبل خطوة جنبلاط. إلّا أنّ الحال تبدّل بعد إعلان الحزب خطة الطوارئ ولكنه لم يحدّ كثيرًا من استفحال إيجار الشقق واستغلال الوضع كما يحصل في كل مناطق لبنان.

وبحسب ناصر الدين، تمّ تشكيل لجان في جميع هذه المناطق منها: لجنة صحية تضمّ أطباء وممرضين ومسعفين من الحزب والجمعيات والهيئات التابعة له، ولجنة لوجستية تقوم بإحصاء العائلات ومعرفة احتياجاتهم. كذلك تم تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع “حزب الله” مهمّتها توجيه النازحين إلى المناطق “الآمنة” كي لا يتعرّضوا للخطر. وأضاف ناصر الدين أنّه تمّ مسح حوالي 150 مدرسة رسمية متواجدة في المنطقة تحتوي على 3000 غرفة، ستقوم باستقبال النازحين في حال اتخذ وزير التربية والتعليم العالي قرارًا بذلك. وتواصل المكتب التربوي في الحزب الاشتراكي مع جميع المدراء للكشف على المدارس وإعطاء تقارير عن حالتها واحتياجاتها، من توفّر المياه والوقود للتدفئة ومولّدات الكهرباء. وإذا كانت المدارس الرسمية تنتظر قرار وزير التربية، سيبقى قرار فتح المدارس الخاصة في المنطقة رهن مواقف أصحابها، بعيدًا عن تدخّل أو “مونة” الحزب الاشتراكي عليهم.

كذلك لحظت الخطة المستشفيات والمراكز الصحية في المنطقة، للوقوف عند قدراتها وهي: مستشفى عين وزين، مستشفى الشويفات، إثنان في عاليه، مستشفى الجبل في المتن الأعلى، إضافة إلى مستشفيات سبلين وقبرشمون وراشيا وحاصبيا الحكومية.

كذلك نُفّذ مسح لمراكز الرعاية الصحية الأوّلية المتواجدة في المناطق عينها، والتي بلغ عددها 62 مركزًا. وهي على الرغم من محدودية تقديماتها إلّا أنّ بإمكانها أن تساعد بسدّ حاجة من أدوية ومتابعات صحية.

وأضاف ناصر الدين أنّه تمّ التواصل مع جميع مراكز الصليب الأحمر الدولي والدفاع المدني في المنطقة للوقوف عند قدراتهم ونوعية تقديماتهم وفقاً للاحتياجات.

وأفاد ناصر الدين أنّه خلال عدوان تموز 2006، استقبل الجبل في المدارس حوالي “30 ألف عائلة أي 150 ألف شخص، ويومها أدّت المنظمات الدولية والهيئة العليا للإغاثة دورًا مهمًا في سدّ جميع الاحتياجات، أمّا اليوم فلا يمكن معرفة ما سيتم تقديمه”.

وأضاف أنّ هناك تواصلًا مع جميع الجهات الرسمية، التي ستكون المسؤول الأوّل عن جميع العمليات وأنّ الحزب التقدمي سيكون داعمًا لها، من قائمقامين ومحافظين. كذلك تم التنسيق مع الأجهزة الأمنية ووحدات الجيش اللبناني التي من مهامها ضبط الأمن. كما تم التباحث بشأن السوريين النازحين الهاربين من القرى المتاخمة حيث ستُخصص لهم مدارس لإيوائهم.

وعلى الصعيد المادي واللوجستي، أضاف ناصر الدين أنّه سيتمّ النظر بامكانيات وتقديمات الهيئة العليا والإغاثة وحزب الله الذي يمتلك خطة إجلاء ودعم متكاملة، ومناقشة سبل سد العجز في حال وجوده.

ويرى ناصرالدين أنّ هناك شبه استنفار صامت من جميع الأحزاب والجهات، وهي مستعدة للتحرّك ما إن يدق ناقوس العدوان، كما يحصل تنسيق مع باقي الأحزاب كالحزب الديمقراطي، والحزب القومي السوري الاجتماعي، الجماعة الإسلامية، التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، إضافة إلى الحزب الشيوعي، حيث تمّ عقد اجتماعات دورية للتأكيد على التواصل والتنسيق في حال حدوث عدوان.

مناطق التيار الوطني حاضنة رغم العتب السياسي

وعلى الرغم من المواقف الضبابية لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من احتمال تمدّد العدوان إلى لبنان، إلاّ أنّ نائب رئيس التيار الوطني الحرّ للشؤون الإدارية، غسان خوري، أكد للمفكرة العمل على وضع خطة طوارئ وإن بقيت بالعموميات، حيث رفض الخوض في تفاصيلها وإحصائياتها. وقد اعتبر أنّ التيار في حال وقوع الحرب مستعد كما هو دائمًا في معظم الأزمات التي مرّت بها البلاد، على حدّ قوله، مُشيرًا إلى أنّ “الوطني الحرّ” لديه لجنة مركزية خاصّة بالطوارئ، تقوم بمتابعة ومقاربة كافة المواضيع. وأضاف أنّ التيار المتواجد في جميع المناطق اللبنانية لديه عدد من الفرق التي تعمل وتهتم بالمواضيع كافة. فهناك لجنة مهتمة بالشأن اللوجستي التي من مهامها استقبال النازحين في المناطق كافة، وهناك اللجنة الطبية التي تضمّ أطباء، بينما قام بمسح ميداني لجميع الإمكانيات المتوفرة لمسح الاحتياجات، من دون الخوض في التفاصيل.

فرنجية مرشح الحزب للرئاسة، احتضان بالأفعال فما هم الأقوال

على الرغم من رفض تيار المردة التعليق رسميا على خطة الطوارئ، بحسب ما جاء على لسان المتحدث الإعلامي للتيار سليمان فرنجية في اتصالٍ بـ”المفكرة”، إلاّ أن الكثر من الجنوبيون انتقلوا فعلياً للعيش في مناطق نفوذ المردة، كفعل تحصيل حاصل لحليفٍ لحزب الله ومرشحه لرئاسة الجمهورية، وهو ما أكدته أكثر من عائلة أمنت منازل في منطقتي زغرتا واهدن، وبعضهم انتقلوا إليها بالفعل.

وكان سليمان فرنجية، رئيس حزب المردة قد نشر على منصّةإكس في 25 تشرين الأول قائلاً: “البلد أهم منا جميعاً وحرصنا على البلد كما حرص المقاومة على لبنان ومن الضروري المواجهة بوحدة”.

كرامي “خطة ضمن الإمكانيات”

يؤكد رئيس تيار الكرامة، النائب فيصل كرامي، في اتصالٍ مع “المفكرة”، أنّه في حال وقوع الحرب سيقف إلى جانب أهله وأبناء بلده، وأنه سيقدّم الدعم اللازم ضمن إمكانياته المحدودة، وأنّهم في طرابلس قاموا بتجهيز المستشفى والمستوصف التابعين للتيار وهما المستشفى الإسلامي ومستوصفات الكرامة بالأدوية اللازمة، كذلك سيضع المدارس الثلاث التابعة له في التصرّف لاستيعاب النازحين. وأشار إلى أنّ البلاد قبل الحرب تحتاج إلى خطة طوارئ وكذلك مدينة طرابلس، “كيف بدي أمّن بيوت للنازحين وأهل طرابلس ما عم يلاقوا بيوت، ولا ماء ولا كهرباء”. وفنّد كرامي الجهات الواجب عليها تقديم المساعدة في حال وقوع حرب أوّلها الحكومة التي وضعت خطة طوارئ وصفها بـ “الخيالية” ومجرّد حبر على ورق “بدّي حط خطة كهرباء وأنا ما عندي كهرباء، وبدي حط خطة مياه وطرابلس ضلّت 4  أيام بلا مياه، بدنا نحط خطة صحة وأنا ما عندي أدوية”.

ويعتبر كرامي أنّ على البلديات تحمّل مسؤولياتها أيضًا لناحية الإشراف وتسيير أمور الناس، ليستدرك سائلًا كيف ستقوم البلديات بدورها وهي مفلسة؟ لافتًا إلى أنّ بلدية طرابلس تعاني من مشاكل إدارية ومالية جمّة. ورأى أنّ عمل الجمعيات وفعاليات المنطقة سيكون من منطلق جهد شخصي وفردي.

الكتائب و”القوات”: الأولوية هي منع وقوع الحرب

في اتصالٍ مع “المفكرة” اعتبر شارل جبّور، مسؤول التواصل في حزب القوات اللبنانية، أنّ خطة حزبه الأولى هي رفض وقوع الحرب ومحاولة منعها، كما جرّ البلاد إليها من قبل حزب الله، مع ضرورة نشر الجيش اللبناني على الحدود”. وبعدما شرح أنّ البلاد في وضع كارثي وسيّئ، ولا قدرة لأحد على تحمّل وزر الحرب وأعبائها، اعتبر أنّ خطة الطوارئ هي مسؤولية الدولة اللبنانية وليس الأحزاب، ولكن في حال وقوعها فسيتمّ التعامل مع نتيجتها بحسب قوله، “إذا صارت الحرب القوّات إلهم حضور بالمناطق والقرى”.

 بدوره، يرفض حزب الكتائب، في اتصالٍ مع “المفكرة”، التعليق على موضوع الجهوزية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية