أحكام “ثقيلة” في حق قادة حراك الريف في المغرب: المحكمة توزع ثلاثة قرون سجنا على 46 معتقل


2018-06-27    |   

أحكام “ثقيلة” في حق قادة حراك الريف في المغرب: المحكمة توزع ثلاثة قرون سجنا على 46 معتقل

بعد جلسات ماراثونية كانت تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، أسدلت، أمس الثلاثاء، غرفة الجنايات الابتدائية، بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، الستار على المرحلة الابتدائية من ملف ما عرف إعلاميا بـ “قادة حراك الريف” (أو الحسيمة) أو “الزفزافي ورفاقه”، بالحكم 310 سنوات نافذة موزعة على 46 معتقلا، في حين لم يتم تبرئة أيّ من المعتقلين.

أحكام ثقيلة.. وتهم أثقل..

وحكمت المحكمة على كل من ناصر الزفزافي (39 عاما) الذي يوصف بزعيم الحراك، ونبيل أحمجيق الرجل الثاني في الحراك، وسمير إغيد ووسيم البوستاتي بالسجن مع النفاذ لمدة 20 سنة بعدما دانتهم باتهامات تتعلق بالتآمر للمس بأمن الدولة.

وأدانت المحكمة بتهم تتعلق أيضا بالتآمر للمس بأمن الدولة كلا من محمد حاكي ومحمد بوهنوش وزكريا أدهشور الذين حكمت عليهم بالحبس لمدة 15 عاما، في حين حكمت على مجموعة ثالثة من سبعة أفراد بالسجن لمدة 10 أعوام بعدما دانتهم بتهم مماثلة.

وأدين بقية المتهمين بجنح أقل خطورة مثل المشاركة في تظاهرة غير مرخصة او إهانة القوات العمومية أو انتحال صفة، وتراوحت الأحكام الصادرة في حقهم ما بين 5 سنوات سجنا وغرامة 5000 درهم (حوالي 500 دولار) بالنسبة لـ 10 أشخاص، و3 سنوات سجنا مع غرامة 2000 درهم (حوالي 200 دولار) بالنسبة ل8 أشخاص، وسنتين سجنا مع غرامة 1000 درهم (حوالي 100 دولار) بالنسبة ل21 شخصا، بينما اقتصرت عقوبة أحد المتهمين على غرامة 5000 درهم.

وآخذت المحكمة المعتقلين بمجموعة من التهم الثقيلة، من بينها تدبير مؤامرة للمس بالسلامة الداخلية للدولة، وارتكاب عمل والمشاركة في ارتكاب جناية المس بسلامة الدولة الداخلية عن طريق التحريض بارتكاب اعتداء الغرض منه إحداث التخريب والتقتيل في أكثر من منطقة، والمس بالسلامة الداخلية، عن طريق تسلم مبالغ وهبات وفوائد أخرى مخصصة لتسيير وتمويل نشاط ودعاية من شأنها المساس بوحدة المملكة المغربية وسيادتها وزعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي، وإهانة هيئة منظمة وإهانة رجال القوة العامة أثناء قيامهم بمهامهم ، والتحريض علنا ضد الوحدة الترابية للمملكة.

ويأتي الحكم القضائي الابتدائي، الصادر أمس الثلاثاء، بعد 84 جلسة محاكمة، امتدت لأكثر من سنة.

غضب..

بمجرد النطق بالأحكام، عمت حالة من الغضب والاحتجاج في صفوف عائلة ومساندي المعتلقين، معتبرين أن الأحكام “مبالغ فيها”، في حين وصف مُحامو الدولة الأحكام بـ”المخففة”.

ورفع مساندو المعتقلين داخل قاعة المحكمة وببهوها، شعارات منددة بهذه الأحكام، وأخرى تتهم الدولة بالفساد. فيما دخلت إحدى قريبات المعتقلين في حالة هستيرية من البكاء، وبدأت بالصراخ: “حسبي الله ونعم الوكيل”، وهتف آخرون قائلين: “لك الله يا وطني”.

ورفع المحتجون شعارات من قبيل “يا مغربي، يا مغربية، المحاكمة عليك وعلي، مسرحية”، وتوعد آخرون بـ”العودة إلى الشارع”.

ووصفت المحامية سعاد البراهمة في تصريحات للصحافيين، الأحكام بـ”القاسية جداً”، معتبرة أن الملف هو امتحان للدولة المغربية ومدى التزامها بالمواثيق الدولية وحقوق الانسان، خاصة تلك التي تنص على الحق في التعبير والحق في الشغل وغيرها من الحقوق الأساسية.

وزادت “ذنب هؤلاء الناس، أنهم خرجوا للاحتجاج، الذي يعتبر حقاً دستورياً مشروعا”، مشددة على أن “الملف كان امتحانا لاستقلالية القضاء، وامتحان لمدى احترام الدولة للمواثيق الدولية لحقوق الانسان”.

من جهته، اعتبر منير كجي، أحد النشطاء الأمازيغ، في تصريح عقب إصدار الحكم، أن “الأحكام تبين بالملموس عدم استقلالية القضاء”، واصفا المحاكمة بـ”المسرحية ذات الإخراج السيء”. وقال إن “هذه الأحكام القاسية، سيكون لها تأثير كبير على المسار الديمقراطي في البلاد”، مشدداً على أن “الجميع تحت صدمة هذه الأحكام الجائرة والظالمة”.

بالمقابل وصف المحامي محمد كروط عن المطالبين بالطرف المدني هذه الأحكام بـ”المخففة مقارنة مع التهم الموجهة للملاحقين والعقوبات التي ينص عليها القانون”، علما بأن بعض تلك العقوبات تصل الى الإعدام في القانون الجنائي المغربي، بحسب قوله في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية.

احتجاج وتحقيق..

وتجدر الإشارة إلى أن المعتقلين المحكوم عليهم، قد اعتقلوا على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها مدينة الحسيمة (شمال المغرب)، على خلفية مقتل محسن فكري، بائع للسمك، سنة 2016، طحنا داخل شاحنة للأزبال. وكان محسن فكري توفي يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016، بعدما صادرت السلطات المحلية داخل ميناء مدينة الحسيمة، كمية من سمك “أبو سيف”، بدعوى أن اصطياد هذا النوع من الأسماك ممنوع، لأنه في فترة راحة بيولوجية، وأمر أحد رجال الشرطة بطحن السلعة في شاحنة النفايات. وكرد فعل احتجاجي، خاصة أن محسن فكري، كان قد استثمر مبلغاً ماليا كبيراً في شراء تلك الأسماك، صعد ورفاقه إلى شاحنة الأزبال لمنع عملية إتلاف السلعة، إلا أن آلة طحن النفايات قامت بسحق محسن فكري، في حين استطاع باقي رفاقه النجاة بأرواحهم.

واندلعت الاحتجاجات بمدينة الحسيمة مباشرة بعد إعلان وفاة محسن فكري، انتقلت إلى نواحي المدينة، وأيضاً باقي المدن المغربية، خاصة الكبرى منها. والتي طالب فيها المحتجون بفتح تحقيق فوري في حادث وفاة محسن فكري، وأيضاً خلفيات مصادرة سلعته، وهو الشيء الذي استجابت له النيابة العامة.

وفي اليوم الموالي للحادث 29 أكتوبر، أمر الوكيل العام للملك بمحكمة استئناف الحسيمة بفتح تحقيق في مصرع محسن فكري. وفي نفس اليوم، أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني بلاغا توضح فيه أن لا علاقة لعناصر الأمن بمصرع بائع السمك، مشددة على أنه كان حادثا غير متعمد.

وأمر الملك محمد السادس، في الثلاثين من نفس الشهر، بفتح تحقيق في الملف، كما أصدر تعليماته لوزير الداخلية بالتوجه إلى مدينة الحسيمة لتقديم التعازي لعائلة المتوفي.

وبعد ثلاثة أيام من التحقيق، خلصت التحقيقات التي فتحتها النيابة العامة، إلى كون مقتل محسن فكري “لم يكن متعمداً”. لكنها في المقابل أحالت 11 شخصا إلى قاضي التحقيق، منهم موظفان اثنان من وزارة الداخلية المغربية، وممثل وزارة الصيد البحري وطبيب بيطري.

مطالب موسعة..

ولم تمنع ملاحقة بعض المسؤولين المواطنين من الاستمرار في الاحتجاج، إذ توسعت دائرة المظاهرات المنددة بالحادث، والرافعة لمجموعة من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وطالب المحتجون الحكومة بإتمام مجموعة من المشاريع التنموية، إلى جانب توفير فرص للشغل، ورفع التهميش والعزلة عن المنطقة. إلى جانب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ومحاسبة المسؤولين المتورطين في تهميش المنطقة، وتعثر المشاريع التنموية بها.

وركز قادة الحراك على “سلمية” مظاهراته، التي من أشهرها “مسيرة الورود” و”مسيرة الأكفان”، بالإضافة إلى المسيرة التي وصفت بـ”الجماهيرية”، على خلفية تشييع محسن فكري الذي وصف بـ”شهيد الحراك”.

وفي السادس والعشرين من ماي، وعقب مقاطعة الزفزافي لخطبة الجمعة في أحد المساجد بالمدينة، معتبراً أن فيهاُ “تجييشا ضد الحراك”، أصدرت النيابة العامة أمرا باعتقاله، واعتقل يوم 29 ماي 2017، لتتوالى الاعتقالات في صفوف نشطاء الحراك، ومتابعتهم بتهم ثقيلة.

زلزال سياسي..

في أكتوبر 2017، قام الملك محمد السادس، بإعفاء أربعة وزراء من الحكومة الحالية، وأبلغ عددا من الوزراء السابقين بعدم رضاه عنهم وحرمانهم من أي مسؤولية مستقبلا. كما أقال مدير المكتب الوطني للماء والكهرباء وعددا من المسؤولين الإداريين، وذلك على خلفية نتائج تحقيقات رسمية في تعثر مجموعة من البرامج التنموية بمنطقة الحسيمة، والتي كان أغلبها موضوع احتجاج من طرف نشطاء الحراك.

ودعا الملك للإسراع بتنزيل المشاريع المبرمجة، مشددا على ضرورة أخذ العبرة من المشاكل التي عرفها البرنامج التنموي منارة المتوسط، لتفادي الاختلالات والعوائق التي قد تعرقل إنجاز الأوراش التنموية بمختلف جهات المملكة.

وجدد الملك الدعوة لاتخاذ كافة الإجراءات التنظيمية والقانونية، لتحسين الحكامة الإدارية والترابية، والتفاعل الإيجابي مع المطالب المشروعة للمواطنين، في إطار الاحترام التام للضوابط القانونية، في ظل دولة الحق والقانون، بحسب تعبير البلاغ.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، محاكمة عادلة وتعذيب ، حراكات اجتماعية ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية