MAN Enterprise تبني السفارة الأميركية على حساب لبنانيين أصيبوا خلال العمل


2023-09-20    |   

MAN Enterprise تبني السفارة الأميركية على حساب لبنانيين أصيبوا خلال العمل

لم يكد عبد الرحمن الرفاعي ينهي عامًا في عمله مع شركة “مان انتربرايز” MAN Enterprise المتعهّدة بناء مقر  السفارة الأميركية الجديد في عوكر، حتى سقط أرضًا إثر انهيار جدار اسمنتيّ على ظهره. أصيب الرفاعي بكسر في الظهر وآخر في الحوض، وفقد بعدها الإحساس بقدميه، وأصيب بعجز كامل، ليصبح مقعدًا على كرسي متحرّك، عاطلًا عن العمل وعن ممارسة مهنته وبالتالي إعالة عائلته وحتى نفسه.

باشر الرفاعي العمل “نجّار باطون” مع شركة “مان انتربرايز” اللّبنانية، وساهم في إنشاءات بناء السفارة الأميركية في تشرين الثاني 2019، ووقّع عقد عمل براتب مقداره 800 دولار. كان يخرج يوميًا من منزله عند الساعة الثالثة فجرًا، ولا يعود قبل انتصاف الليل، فيعمل 11 ساعة متواصلة في عوكر. مع ذلك كان راضيًا كون عمله يؤمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لعائلته في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد.

يروي الرفاعي لـ “المفكرة القانونية” معاناته مع حادث العمل “دمّر حياته”، ويضيف: “وقف عدد من العمال على السقالات لإنهاء العمل، وبدأت أعمال صبّ الباطون التي لا تنتظر إلى اليوم التالي. وخلال العمل، انهار الجدار وأنا تحته، شعرت بعظامي تتكسّر”.

عند نقله الى المستشفى، أجريت له صور شعاعية، ولم تتمّ معالجته. طلبت منه إدارة المستشفى المغادرة، وبمساعدة زملاء عمله، غادر المستشفى في حافلة صغيرة (فان) إلى منزله في عكار. لغاية اليوم، لم يتمكّن الرفاعي من الحصول على تقرير طبّي من المستشفى يثبت إصابته بكسور في فقرات ظهره من جرّاء الحادث، للحصول على تعويض مالي من الشركة. وعليه، يتّهم الأخيرة بـ “التدخل ودفع الرشى لتغيير الوقائع”، إلى حد وصل الأمر بأحد الأطباء إلى كتابة تقرير طبي يشير فيه إلى أنّه مصاب بديسك منذ مدة طويلة، وفق ما يقول الرفاعي.

شهادة عبد الرحمن الرفاعي، تلتقي أيضًا مع معاناة عيسى العويسي المصاب بكسر في يده ووليد الحلبي المعطّلة يده اليسرى بسبب حادث عمل وقع أثناء عمله في الشركة عينها، وأدى إلى أيضًا إلى بتر إبهامه، إضافة إلى عدد كبير من عمّال البناء المصابين وغير المصابين المصروفين من عملهم، وفق “سيناريو خطته ونفذته الشركة المشغّلة “مان انتربرايز”، كما تؤكد شهادات العمال الذين أدلوا بها خلال اعتصامهم يوم الاثنين في 18 أيلول الجاري (2023) أمام مقر الشركة في الأشرفية، بدعوة من نقابة عمال البناء ومشتقاتها في بيروت وجبل لبنان (CWSL).

براءات ذمّة غير قانونية وتحايل ووعود وهمية

في التفاصيل، يتبيّن أنّ قصة انتهاك حقوق العمال لا تقتصر على عدم التعويض على من أصيبوا خلال العمل، إذ صرفت شركة “مان إنتربرايز ش.م.ل” العشرات من العمال اللبنانيين الذي تخطّى عددهم 200 عامل، بينهم مصابون بحوادث عمل، و”دفعتهم”، كما يقولون، إلى التوقيع على براءات ذمّة مقابل مبالغ زهيدة تراوحت ما بين 400 دولار و3 آلاف دولار، مع وعود شفهية بأنّه سيتم استخدامهم في مشاريع أخرى في السعودية، أو في مشاريع الشركة الأميركية الأم “هاربرت” Harbert. 

لم يكن لدى العمال خيار آخر غير التوقيع على كتاب الصرف أي براءة الذمة “إذ استغلت الشركة ظروفهم الاقتصادية الصعبة وتحايلت عليهم ببراءات ذمة وهمية، لكنها غير قانونية”، وفق ما يقول رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبدالله لـ “المفكرة”. وبالتالي، يضيف عبدالله: “وضعنا هذا الأمر في إطار عملية الصرف التعسّفي والتعدي على حقوق العمال، ما دفع النقابة إلى تقديم شكوى، لدى وزارة العمل، بخاصّة أنّ الشركة تذرّعت بالظروف الاقتصادية التي لا يمكن البناء عليها للصرف، بل كان يتوجّب عليها قانونًا التشاور مع وزارة العمل لتحديد القدرة على الصرف من عدمها”.

من جهته، ينفي وكيل الشركة المحامي روجيه فرنسيس، في اتصال مع “المفكرة”، صرف عمّال من الشركة، ويقول “خلص شغلهم معنا، وحصلنا على براءة ذمة ودفعنا لهم كلّ مستحقاتهم”. ويتابع: “لم نجبرهم على التوقيع، ما حدا ضربهم على إيدهم وكل ما يقال غير ذلك هو كلام لا أساس له من الصحة”.

ويعتبر فرنسيس أنّ “شكوى العمال لدى وزارة العمل تفتقر لأي سند قانوني”، متّهمًا العمال ونقابتهم بـ “ممارسة الابتزاز على الشركة”. ويستغرب عدم لجوء العمال إلى مجلس العمل التحكيمي الذي يتمتع بصلاحية الفصل وحكمه ملزم “إذا كانوا فعلًا على حق”، وفق ما يقول. ويضيف: “أبرزنا براءات الذمة أمام المفتش وتمّ استدعاؤهم والتأكّد من صحة التواقيع، وكلّها صحيحة، وتم توثيق ذلك في محضر”.

من جهته، يؤكد المفتش والمحقق في وزارة العمل وديع الحاج لـ “المفكرة”، تقديم عدد من العمال المصروفبن شكوى في نيسان الماضي بواسطة رئيس نقابتهم كاسترو عبدالله. ويشرح قائلًا “استمعنا إلى طرفي النزاع، وتبيّن لنا أنّ الشركة قد أنهت عمل العمّال، بعد أن جعلتهم يوقعون على براءات ذمة، استنادًا إلى المادة 50 من قانون العمل وتحديدًا الفقرة “و”. وتنصّ المادة على أنّه يحق لصاحب العمل أن يصرف عماله في حال استجد وضع اقتصادي، أو عند انتهاء المشروع الذي يعملون به، إلّا أنّ المشترع فرض على صاحب العمل موجب التشاور مع وزارة العمل لوضع برنامج نهائي لإنهاء العقود وفقًا للمادة 50/و من قانون العمل، وهذا ما لم تقم به الشركة حيث أنّها لم تقدّم كتاب تشاور إلى الوزارة، ما يشكل مخالفة لقانون العمل”.

ويضيف الحاج أنّ الوزارة اتخذت إجراءاتها في هذا الشأن، وسجّلت محضر ضبط للشركة. وفي هذا الوقت بدأ بعض العمال بالتنازل عن الشكوى بموجب كتاب لأنّ الشركة عادت وتعاقدت معهم في مشاريع أخرى. ويتابع “نحن اليوم ننتظر استكمال كلّ المستندات، بانتظار الوزارة للبتّ في موضوع الشكوى”، لافتًا إلى جلسة سيعقدها مع محامي الشركة وسيحضرها النقابي عبدالله بناء على طلبه، نهار الجمعة المقبل ليبنى على الشيء مقتضاه.

المصروفون بالعشرات والمصابون من دون تعويضات

بدأت شركة “مان انتربرايز” العمل في مشروع بناء المقر الجديد للسفارة الأميركية في عوكر منذ 5 سنوات، وهو مشروع يُعتبر من أكبر المشاريع في لبنان. وبناء على فوزها بالمشروع، تعاقدت الشركة مع أكثر من 2000 عامل لتنفيذ المشروع، منهم 1200 عامل لبناني، وما يزيد عن 800 عامل أجنبي غالبيتهم من جنسيات آسيوية. ويوضح عبدالله لـ “المفكرة” أنّ الشركة بدأت منذ أوائل العام 2023 بصرف مئات العمال اللبنانيين، واستبدالهم من خلال تعاقد باطل، مع عمال غير لبنانيين، معتبرًا أنّه “ليس لهذا الأمر علاقة بالظروف الاقتصادية للشركة، وإنّما الهدف منه تخفيض الرواتب التي كانت مرتفعة نسبيًا للعمال اللبنانيين، مقارنة بأجور العمال الأجانب لا سيما الآسيويون منهم”.

ويعدد عبدالله المخالفات التي ترتكبها الشركة في حق العمال، بدءًا من عدم تأمين السلامة المهنية، مرورًا بعدم تسجيلهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصولًا إلى حرمانهم من التعويضات العائلية ومنح التعليم والإجازات ودفع الساعات الإضافية. ويشرح أنّ من يتعرّض لحادث عمل يحتاج إلى أكثر من ساعة للخروج من الموقع لصعوبة تخطّي الحواجز الأمنية للسفارة والحراسات، إضافة إلى عدم السماح لسيارات الإسعاف بالدخول إلى المبنى.

وحمّل كاسترو مسؤولية الانعكاسات السلبية لعدم معالجة المصابين الى أصحاب الشركة والمدير التنفيذي ومديرة شؤون الموظفين الذين، برأيه، يقومون بالتلاعب وطمس الحقائق وبإخفاء التقارير الطبية التي لم يتمّ تسليمها للمصابين وتحديدًا للمصاب عبد الرحمن الرفاعي الذي يُعتبر “بمثابة العامل الميت الحي”. وعليه، يؤكد كاسترو أنه “يجب رفع الصوت بوجه الإدارة التي تخلّت عن مسؤوليتها الإنسانية بالدرجة الأولى بموضوع طبابة المصابين في حوادث العمل منذ فترة طويلة، وهو ما يمكن اعتباره “إعدامًا لحياتهم ولعائلاتهم” واضعًا ذلك كلّه برسم أصحاب الشركة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، تحقيقات ، حركات اجتماعية ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية