الارتفاع الجنوني للأسعار سيستمرّ ما دام سعر صرف الدولار الأميركي مستمر بالارتفاع أيضاً، والعكس قد يحدث في حال انخفض سعر الصرف. هذه المعادلة هي التي تحكم عمل مستوردي المواد الغذائية، في بلد استورد في العام 2018 وحده منتجات غذائية بقيمة 3.5 مليار دولار، ما يشكّل حوالي 80 بالمئة من حاجاته الغذائية، وذلك وفقاً لأرقام المديرية العامة للجمارك. معادلة أخرى تطرحها جمعية حماية المستهلك: خفض الأسعار ليس مستحيلاً إذا قررت الدولة التدخّل لضمان "الأمن الاجتماعي". وما بين هاتين المعادلتين حكومة يستعرض رئيسها بزيارة تفقّدية حملت طابعاً دعائياً لأحد المراكز التجارية الكبرى (زيارته الى سبينس في 8 نيسان)، ووزارة اقتصاد تكتفي بتسطير محاضر ضبط لا جدوى منها، في حين يقدم وزير الاقتصاد أرقاماً مضلّلة لواقع ارتفاع الأسعار.

وزير الاقتصاد راوول نعمة الذي قدّم في السابق حلاً سحرياً لخفض الأسعار عبر الطلب من اللبنانيين مقاطعة تناول البيض والدجاج لأيام لكي تنخفض أسعارها، ها هو يطرح اليوم نسباً غير دقيقة لارتفاع الأسعار بدون وجود أية خطة لضبطها بل مجرّد محاضر ضبط لا جدوى منها، في وقت يؤكد أحد التجار أنّ غلاء الأسعار "لا يزال في مراحله الأولى". ففي تغريدة على تويتر في 28 نيسان أشار نعمة إلى أنّ نسبة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بلغت 55%، مع العلم أنّه حتى 31 آذار الفائت كانت أسعار السلع والخدمات ذات الاستهلاك اليومي للعائلات، أو ما يسمّى بالسلة الغذائية، قد ارتفعت بنسبة 58% على الأقل بحسب أرقام جمعية حماية المستهلك. وقد صرّح رئيس الحكومة حسّان دياب في 8 نيسان بأن ارتفاع الأسعار وصل إلى 70 بالمئة وذلك خلال جولة "مفاجئة" له مع نعمة في أحد محال السوبرماركت.

هذه الزيادة في الأسعار أمر "مرفوض" لكون لقمة عيش اللبنانيين "خط أحمر وممنوع المس بالأمن الغذائي من قبل التجار"، بحسب دياب. فما هي الإجراءات التي ستقوم بها الحكومة اللبنانية ووزارة الاقتصاد، وضمنها مصلحة حماية المستهلك، انسجاماً مع تصريح دياب؟ وهل سنشهد انقطاعاً لسلع أساسية من الأسواق اللبنانية بسبب عدم قدرتنا على استيرادها؟

ماذا تفعل وزارة الاقتصاد حيال ارتفاع الأسعار؟

اقتراحات راوول لخفض الأسعار والنّسب غير الدقيقة التي يقدّمها حول ارتفاعها تقدّم صورة عن طريقة عمل الوزارة في التعامل مع هذه الأزمة. فكل ما تقوم به الأخيرة، من خلال مصلحة حماية المستهلك هو تنفيذ جولات على نقاط البيع في مناطق مختلفة، للتأكّد من عدم التلاعب بالأسعار، وتقوم بتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين. وكانت الوزارة قد سطّرت حتى تاريخ 6 آذار الماضي 354 محضراً.

مقابل ذلك، يقول زهير برو، رئيس جمعية حماية المستهلك، بأن محاضر الضبط التي تسطّر بحق نقاط بيع المواد الغذائية وتجار السوق بالمفرّق "لا تجدي نفعاً ما لم يتمّ معالجة مسبّبات هذه الأزمة لا نتائجها". ويسأل برو عن سبب عدم توجّه الوزارة لمراقبة الأسعار من منبعها: "المستوردون وهم من النافذون والمقرّبون من السياسيين".

ويشير المحامي واصف الحركة إلى إجراءات أخرى يمكن لوزارة الاقتصاد أن تقوم بها للحد من التلاعب بالأسعار وصولاً لتخفيضها، إذ يسمح قانون حماية المستهلك وقانون العقوبات اللبنانية للوزارة بإقفال المؤسسات عند تكرارها للمخالفة، ومخاطبة النيابة العامة لاتخاذ إجراءات تصل لحد الاقفال الفوري ومصادرة السلع، وذلك لكون مصلحة حماية المستهلك هي ضابطة عدلية كسواها من الأجهزة المعاونة للقضاء.

ولكن على أرض الواقع، تؤكد المديرة العامة لوزارة الاقتصاد عليا عبّاس من جهتها أنّ "2 أو 3 محاضر ضبط فقط، من أصل 354 محضراً، طلبنا فيها من القضاء إغلاق المؤسسة المخالفة". اللافت أنّ القضاء رفض هذه الطلبات، كما رفض عدداً كبيراً من طلبات الوزارة لمصادرة سلع من داخل محال أو لدى تجّار، "ونحن لا نستطيع أن نقوم بأيّة خطوات إضافية بدون موافقة القضاء"، على ما تقول عبّاس.

تذبذب سعر الصّرف ينعكس تفاوتاً في نسب الارتفاع

من ناحية أخرى، يقول هاني بحصلي نقيب مستوردي المواد الغذائية إن أسعار السلع والمواد الغذائية لم ترتفع، إنما سعر صرف الدولار الأميركي هو الذي يرتفع وينعكس ارتفاعاً في الأسعار. لكن لماذا يختلف سعر السلعة ذاتها بين مجل تجاري وآخر؟ يعود ذلك إلى تغيّر سعر صرف الدولار، إذ تصل نسبة زيادة سعر الصرف إلى 20 بالمئة بين يوم وآخر، والتاجر لا يمكن أن يبيع السلع والمواد الغذائية بالسعر نفسه الذي استوردها به، بل وفق تغيّر سعر صرف الدولار لكي يستطيع تأمين الدولار اللازم لمعاودة استيراد السلع لصالح السوق اللبناني.

"لا أحد يراقب ارتفاع الأسعار بشكل جدي، بخاصة أنّ ليس كل ارتفاع مرتبط فعلاً بأزمة الدولار"، بحسب المحامي الحركة. من هنا ضرورة أن تقوم الوزارة برقابة فعلية لعملية الاستيراد وتسعير التجار للمنتجات، لتستطيع أن تقيّم فعلاً ما هي السلع التي ارتفع سعرها بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وما هي السلع التي ارتفع سعرها بفعل شجع التجّار.

وعن طريقة تسعير السلع يقول الحركة: "من غير المعقول أن يسعّر التجار السلع التي اشتروها على سعر منخفض بحسب السعر الجديد المرتفع للدولار، فهم قد حققوا أرباحاً تسمح لهم بإعادة استيراد المواد الغذائية من جديد". إزاء عجز الحكومة اللبنانية عن ضبط ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي، المطلوب من الحكومة أن تقوم بتثبيت أسعار "السلة الغذائية"، وهو تدبير لجأت إليه دولة عدّة في أزمات مماثلة. وقد سبق لجمعية حماية المستهلك أن قدّمت اقتراحاً يقضي بدعم قطاعات أساسية مثل الحبوب واللحوم ومشتقات الحليب وتحديد سعرها من قبل وزارة الاقتصاد. وتقترح الجمعية استيراد الدولة مباشرة لهذه السلع ودعمها، لتجنّب تحوّل هذا الدعم إلى دعم للتجّار لا السلع، أسوة بما حصل في دعم القمح والبنزين والشمندر السكري.

ماذا عن السّلع المنتجة محلّياً؟

ووسط كل ذلك يفرض سؤال نفسه: لماذا ارتفعت أسعار السّلع المنتجة محلياً؟ يجيب نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي بأن قسماً كبيراً من المواد الأوّلية تستورد من الخارج، وهي التي تؤثر على ارتفاع أسعار المنتجات المصنعّة محليّاً، ولو ليس بنفس ارتفاع أسعار السلع المستوردة.  

اللافت في كلام بحصلي رفضه فكرة "أننا ندفع ثمن النموذج الاقتصادي" غير المنتج، معتبراً أنّ إجراءات تخفيف الاستيراد عبر دعم الإنتاج المحلي وإيجاد بدائل للأسواق اللبنانية يمكن أن يخفف من الاستيراد بنسبة لا تتخطى الـ20 بالمئة.

مقابل هذا المشهد القاتم، يؤكد نقيب أصحاب السوبرماركات نبيل فهد أنّ إقبال المستهلكين على شراء المنتجات المصنّعة محلياً ارتفع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، علماً أن سعرها قد ارتفع حتى 30 بالمئة لبعض السلع. ويرى في أزمة ارتفاع أسعار السلع المستوردة فرصة لازدهار الصناعة المحلية. فلدى زيادة الإنتاج المحلي، تنخفض كثيراً كلفة الإنتاج بالنسبة للمؤسسة، ما يعزز من قدرتها التنافسية في الأسواق اللبنانية.

يلفت فهد إلى أنه عند كل ارتفاع ملحوظ لسعر صرف الدولار، يُقبل المواطنون على شراء المنتجات القابلة للتخزين بكميات كبيرة، وذلك تفادياً لشرائها وفق الأسعار الجديدة. كما يشير إلى أن شراء الأصناف الثانوية، أو الكماليات، كالشوكولا والمكسّرات وغيرها قد انخفض بنسبة 70 بالمئة.