ما أن انتشر خبر نية رئيس الحكومة سعد الحريري بالاستقالة صباح الثلاثاء في 29 تشرين الأوّل، حتى ظهرت بوادر تحركات لمناصري أحزاب السلطة (حركة أمل وحزب الله) في اتجاه المعتصمين في وسط بيروت. وعليه، أمكن اللبنانيين أن يشهدوا من على شاشات التلفاز هجوما من مناصري هذه الأحزاب ضد المعتصمين السلميين، انتهت بتدمير المخيم الذي أقاموه في ساحات الاعتصام. الصحافي ماهر الخشن من المفكرة كان هنالك وهو يدون هنا شهادة مفصلة عن تفاصيل هذا الاعتداء (المحرر). 

 

جسر الرينغ بين شعارات حزبيّة والنشيد الوطنيّ

الهجوم بداية تلقاه المعتصمون على جسر الرينغ، الذين كانوا يقطعون الطريق في الاتجاهين. فحوالي الساعة الثانية عشرة تقريبا، تعرض عشرات منهم للضرب من قبل معتدين يحملون العصي والسكاكين والحجارة وزجاجات المياه. واستكمل المعتدون هجومهم ليشمل تكسير بعض الأثاث والخيم المتواجدة هناك. وفيما قفز بعضٌ منهم من جسر الرينغ إلى الشارع السفليّ (أسفل أوتوستراد فؤاد الشهاب)، ليواصلوا اعتداءاتهم على المعتصمين بطريقة وحشيّة وثّقتها كاميرات الإعلام والكاميرات الخاصة، تدخلت قوى مكافحة الشغب، للوقوف أمامهم. فركض إذ ذاك أنصار أحزاب السلطة وأعدادهم تتزايد باطّراد إلى ناحية برج الغزال، ليعتدوا على المعتصمين المجمّعين هناك. عادت ووصلت عناصر مكافحة الشغب، ليفصلوا بين الطرفين. إذ ذاك حصل تراشق هتافات: ففيما هتف أنصار تلك الأحزاب: "لبيّك يا حسين" و"لبيّك يا زينب"، كان يقابلهم إلقاء النشيد الوطنيّ اللبنانيّ من جهة المعتصمين. ومن بين صفّي قوّات المكافحة، تمكّن بعض الأنصار من الاختراق والوصول إلى جهة المعتصمين حيث قاموا بضربهم وتكسير بعض الخيم، ليتدخّل الجيش حينها.

أصبح جسر الرينغ في تلك الأثناء مقسوما بين مجموعة من المعتصمين لجهة برج الغزال يقف أمامها الجيش، ومجموعة من مناصري الأحزاب تقف أمامها قوّات مكافحة الشغب، وفي الوسط يقف صحافيّون ومصوّرون. أمّا على الجهة الثانية من الجسر، حيث كان يتواجد عدد قليل من القوى الأمنية، أي على الطريق المؤديّة إلى الحمرا، أنزل المناصرون يافطة كتب عليها "لبنان ينتفض" وقاموا بحرقها. وكان مناصرو الأحزاب يكيلون الشتائم للناس القادمين من تحت الجسر لمساندة المعتصمين، الذين انقسموا بين داعين للبقاء على الرينغ وداعين للنزول إلى ساحة رياض الصلح لمساندة رفاقهم هنالك.

بعد عشرين دقيقة، تراجع مناصرو الأحزاب إلى جهة الخندق الغميق وتبعتهم قوّات مكافحة الشغب، وبقي عناصر الجيش في مكانهم. تزايد عديد المتجمعين في تلك الناحية المطلّة على الطريق المؤديّة إلى ساحة رياض الصلح. وقد ردّد هؤلاء هتافات داعمة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، وأمين عام حزب الله حسن نصرالله. ولوحظ إذ ذاك تساهل من قبل قوات مكافحة الشغب إزاء تنقّل مناصرين الأحزاب في اتجاه المعتصمين. لم يتوقّف رمي هؤلاء بالحجارة أو زجاجات المياه الفارغة، وحين حاول بعضهم الاختباء تحت مبنى شركة touch للاتّصالات، منعوا من قبل رجال الأمن التابعة له. لم تمضِ دقائق قبل أن يتدافع عدد من المناصرين نزولا من الرينغ نحو طريق شركة touch، وتبعهم عدد من قوّات مكافحة الشغب دون منعهم من الاقتراب من المعتصمين. تنقّل هؤلاء قليلا قبل أن يتجمّعوا بجانب الشركة المذكورة ويهتفوا "أبو هادي، أبو هادي". في الوقت ذاته، شاهد المعتصمون على جسر الرينغ لجهة برج الغزال مناصرين آخرين يتدفقون من مفرق الجميّزة ممّا سبّب حالة هلع بينهم. وإذ هرعوا طلبا لحماية عناصر الجيش المتواجدين هنالك، وقف هؤلاء أمامهم قبل أن يتلقّوا أوامر بالعودة إلى الخطّ الذي كانوا عليه سابقا. وحين اقترب أنصار الأحزاب من المعتصمين، تقدّمت العناصر الأمنيّة وأنشأت خطّا فاصلا بين الطرفين، وسط حديث بينهم عن تجمهر آخر في الجميّزة وطريق النزول من بشارة الخوري (قرب فلافل صهيون).

 

خيم الشهداء والعازاريّة تتكسّر أمام أعين القوى الأمنيّة

على المقلب الآخر، ركض عدد كبير من مناصري الأحزاب باتجاه مبنى مجلس شورى الدولة سابقا متوجّهين إلى رياض الصلح (من ناحية مبنى الإسكوا) وتبعتهم قوى مكافحة الشغب الذين كانت أعدادهم قليلة. حاول بعض المعتصمين أن يمسكوا بما وصلت إليه أيديهم من عصي خشب وحديد ليدافعوا عن أنفسهم، وقابل ذلك محاولة تهدئة من قبل آخرين، معتبرين أنّ انتفاضتهم يجب أن تكون سلميّة ورافضين أن تتفاقم الأحداث وتؤدّي إلى عراكٍ، قد يكون داميا. عادت قوى مكافحة الشغب لتقف أمام المتظاهرين في رياض الصلح وأمام الأنصار الواقفين إلى جانب حائط الإسكوا. وقامت بعض النساء المتظاهرات (ومعهنّ رجل مسنّ) بالوقوف أمام معتصمي رياض الصلح لمنع حصول أي تشابك مردّدين كلمة "سلميّة". وردّد هؤلاء كلمة "لبنان" في مواجهة الشعارات الدينيّة والطائفيّة التي كان مناصرو الأحزاب يطلقونها من ناحية الإسكوا. وقد شكك العديد من المعتصمين آنذاك بإمكانية أن يؤدي وقوف النساء أمام المناصرين لتخفيف وطأة الهجوم، كونهم تعرّضوا لنساء قبل ساعة على جسر الرينغ.

أبعدت قوى مكافحة الشغب المعتصمين في رياض الصلح إلى وسط الساحة. وقد تساءل بعض هؤلاء حول مدى جدوى حمل العصي للدفاع عن النفس، وسط مواقف لعدد من النساء الواقفات في الصفوف الأمامية: "لا نريد أن تنزف نقطة دم من أحد، بغض النظر عن زعيمه، كلنا لبنانيّون"، و"المسألة مسألة وقت ليكتشفوا أنّهم أيضا ضحايا مثلنا ويدفعون الثمن. نحن هنا لندافع عنهم أيضا"، و"ثورة تدافع عن مدرسة رسميّة ومستشفى حكوميّة واقتصاد منتج هي ثورة جميع اللبنانيّين. لا يمكن أن ننجح إلّا إذا وقفوا إلى جانبنا. وندعوهم للانضمام إلينا".

ومن جانب حائط مبنى الإسكوا، توجّه مناصرو الأحزاب بسرعة إلى العازاريّة وساحة الشهداء (من الشارع الخلفيّ وليس من ساحة رياض الصلح) حيث قاموا بتكسير الخيم وحرقها، وتكسير الصوتيّات وحاولوا حرق مجسّم القبضة في ساحة الشهداء، وشوهدت حالات سرقة لما كان في الخيم من هواتف جوّالة أو حواسيب أو محفظات شخصيّة. وأمام ما يحصل، وفي موقف مستغرب، لم تتدّخل قوى مكافحة الشغب التي كانت تسير ببطء من رياض الصلح ومن جسر الرينغ.

في هذه الأثناء، حاول بعض المعتصمين التوجّه إلى ساحة العازارية لتوقيف المخرّبين أو التحدّث إليهم، أمّا آخرون فكانوا يمنعونهم من ذلك: "اتركوهم يفشّوا خلقهم". وهرعت بعض المعتصمات الغاضبات إلى القوى الأمنيّة يطلبن منها التدخّل لإنقاذ الناس والخيم. وكان جواب عناصر قوى الأمن المكرر عند طلب المساعدة خلال الهجوم هو: "ما عنّا أمر". كان المشهد في ساحة الشهداء والعازاريّة مقزّزا: المعتدون من مناصري الأحزاب يكسّرون ويحرقون ويضربون من يحاول التكلّم معهم، والجيش يقف على مفرق الشهداء لناحية الصيفيّ دون أن يتدخّل، وقوى مكافحة الشغب "تكزدر" آتية من رياض الصلح ولم تتدخّل إلا بعدما انتهى التكسير واقترب المخرّبون من المعتصمين الواقفين تحت مسجد الأمين، مقابل العازاريّة. حينها وقفت قوى مكافحة الشغب من دون أن تنجح في منع حصول الاعتداءات، من رمي زجاجات المياه والخشب على المعتصمين وتهديدهم والاستهزاء بهم. اعتبر بعض المناصرين أنّهم هم أصحاب الأسبقية في التظاهر وتسكير الطرقات، وكان يستشف من كلامهم تململ من نمط حياة المعتصمين. يذكر أنه حصل بين المعتصمين وشبّان من الخندق الغميق نقاش في 25 تشرين الأوّل، علما أنّ أحدا من هؤلاء الشبان لم تظهر مشاركته في الاعتداء.

 

متظاهرو رياض الصلح عالقون بين أحزاب السلطة وأجهزتها الأمنيّة

انتهى دور المناصرين في ساحة الشهداء وساحة العازارية ليعودوا من خلف مبنى العازاريّة ويزحفوا إلى ساحة رياض الصلح صارخين "شيعة، شيعة"، ليلاقوا فيها ما يقارب الخمسين متظاهرا الذين أصبحوا محاصرين من معظم الجهات (المنافذ المؤدية إلى شارع المصارف وساحة النجمة والسراي مغلقة جميعها)، دون وجود لقوى مكافحة الشغب إلا خلف الأسلاك. اختبأ بعض المعتصمين في الطريق إلى كراج أحد المباني هناك الذي ظلّ مقفلا رغم المناشدة بفتحه كي لا تتمّ محاصرة المختبئين، أمّا البعض الآخر ففُتح له منفذ صغير إلى شارع المصارف بعد مناشدة العناصر الأمنيّة الواقفة هناك. حاولت إحدى المعتصمات مخاطبة المعتدين على الساحة قائلة لهم: "نحن معكم، لماذا تقومون بضربنا؟"، ليجيب أحدهم: "نحن لا نضربكم. نحن نكسّر الخيم التي تقطع طريقنا فقط".

لم تتدخّل قوى مكافحة الشغب حتّى انتهى المناصرون من تكسير الخيم وحرق ثلاثة منها. وقد هدف تدخّلهم إلى منع المناصرين (الذين يحملون السكاكين والعصي) من ضرب المعتصمين وليس تفريقهم أو إيقافهم. ورغم ذلك، تعرّض بعض هؤلاء للضرب، واستمرّت القوى الأمنيّة في إعطاء الجواب ذاته عند كل طلب للحماية: "ما معنا أمر"، وبالأخص حين طلب شبّان وشابّات رياض الصلح منهم أن يرموا قنابل مسيلة للدموع لتفريق المناصرين. استمرّت حالة الهلع في رياض الصلح لنحو ربع ساعة، تمكّن خلالها المناصرون من الاقتراب من شارع المصارف حيث يتواجد المعتصمون. وفي هذه الأثناء تحديدا، أطلقت قوى المكافحة قنبلة غاز يتيمة لتفرقة المناصرين، بالإضافة إلى بعض طلقات من الرصاص المطّاط ممّا أدّى إلى خروج المناصرين من رياض الصلح إلى جهة الرينغ مجدّدا، حيث تفرّقوا هناك.

الجدير ذكره هنا أنّ العناصر الأمنيّة لم تعتقل أيّا من الذين قاموا بالتكسير أو ضرب المعتصمين، إنما منعت المتظاهرين الآخرين من الدخول إلى الساحات حيث كان يجري التكسير، بحجّة أنّهم يريدون سلامتهم. وهذا الأمر يُظهر تناقضاً في تعاطي قوى الأمن مع أحداث الانتفاضة الشعبية منذ بدايتها، حيث اعتقلت قوى الأمن عشرات المتظاهرين في تظاهرة 18 تشرين الأول، عدا عن استخدام العنف المفرط على متظاهرين سلميين.

نحو ساعتين، استمرت الاعتداءات وقع خلالها عشرات المصابين. وحين طلب المعتصمون من القوى الأمنية السماح لهم بالدخول مجددا إلى رياض الصلح لمساعدة هؤلاء، تم دفعهم. من ثم طلب المحامي مازن حطيط (وهو أحد أعضاء لجنة المحامين المدافعين عن المتظاهرين) من القوى الأمنية السماح له بالدخول للساحة لإسعاف المصابين، فأمسكوا به وانهالوا عليه ضربا رغم أنه كشف لهم صفته، ليتمّ نقله إلى المستشفى لاحقا. والجدير ذكره، أنه شوهد في صفوف قوى مكافحة الشغب عناصر بثياب مدنيّة، وعناصر من حرس المجلس قاموا بضرب المتظاهرين بأيديهم أو البنادق التي كانت بحوزتهم.

 

 

مقالات ذات صلة:

بيان اتهامي برسم النيابات العامة والرأي العام: هجمة البلد ليست عفوية بل موجّهة ومنسّقة