أدى بتاريخ 05-09-2015 إفتتاح مغازة متخصصة في بيع المشروبات الكحولية في ضواحي مدينة الجم التونسية إلى تظاهرات غاضبة قادها محتجون استنكروا إسناد رخصة النشاط. أذعنت السلطة المحلية سريعا للمحتجين وأعلنت في ذات اليوم "تجميد" رخصة البيع. تاليا، وبتاريخ 23-10-2015، سحبت  وزارة التجارة الرخصة التي سبق وصدرت عنها. عدت الشركة صاحبة الترخيص هذا القرار مخالفا للقانون وطعنت فيه أمام المحكمة الإدارية التي قبل رئيسها بداية سنة 2016 طلب إيقاف تنفيذ مقرر السحب بما كان يعني فتح المغازة مجددا. حاول ممثل الشركة "صاحبة الترخيص" بتاريخ 06-01-2016 تجسيد ذلك على أرض الواقع فكانت تظاهرات احتجاجية أكبر وأكثر عنفا أدت بوالي المهدية لأن يصدر قرارا في غلق المحل مؤقتا لاعتبارات أمنية، وهو القرار الذي أوقف رئيس المحكمة الإدارية تنفيذه مجددا بدعوى عيب الاختصاص.

هنا وبتاريخ 23-03-2017 حاولت صاحبة الرخصة للمرة الثالثة فتح أبواب مغازتها بما أدى لانتفاضة جديدة رافقها قطع للطرقات. وعندها، أصدر وزير الداخلية قرارا في غلق المحل "لأسباب تهمّ النظام والأمن العامّ بالجهة". ولم يقبل هذه المرة الرئيس الأول للمحكمة الإدارية الاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ هذا القرار، بما فرض أن تبقى الرخصة معلقة والمحل الذي كان من المفترض أن تستغل به والواقع على بعد كيلومترات قليلة من الجم وقريبا جدا من منطقة السواسي مغلقا. وهنا اعتبرت عضوة مجلس نواب الشعب، ليلى الوسلاتي بوصلاح في تعليقها حول الأحداث التي عرفتها جهة الجم التي ترشحت عنها في تصريحات إعلامية لها أنّ "الأهالي ثاروا بعدما اتّبعوا جميع الطرق المشروعة في الاحتجاج، ملاحظة أنها قدّمت عريضة للسلطة الجهوية جمعت 4000 توقيع ووقّعت عليها 35 جمعية أهلية. أضافت أن الأحزاب السياسية أصدرت بيانات للتنديد بفتح المتجر الذي تشوبه شبهة فساد. من جهته، اعتبر محامي الشركة صاحبة الرخصة منير البكّوش في تصريح خاص بهذا التحقيق أن هذه القضيّة "مثال نموذجي عن الفساد"، ليضيف قوله: "لو كنّا في دولة تحترم قوانينها لما تمّ التراجع عن رخصة أسندت بمقتضى القانون". وليعتبر أن موكلته "كانت ضحية تحامل واضح نتج عنه إخلال بمبدأ المساواة المضمون دستوريا".

في ذات المربع الجغرافي للأحداث وبعيدا عن اختلاف التقييمات وتحديدا بضواحي السواسي، تعمّدت بتاريخ 12-09-2018 مجموعة من بائعي الخمر خلسة اختطاف ناشط مستجد في مجالهم أراد منافستهم واغتصبوه وتركوه معلقا مشدود الوثاق لشجرة زيتون[1]، عله يكون عبرة لغيره ممن يظن دخول مجالهم سهلا. وهنا  يبدو الخروج من هذا المجال صعبا على من اعتاده كما تخبرنا الواقعة الحاصلة بتاريخ 05-07-2019 والتي تعلقت بشاب كان يبيع الخمور خلسة بأرياف ولاية القيروان. ولما حاولت أمه منعه من ذلك أضرم النار في جسده بما أدى لوفاته ولئن لحقت بعمته التي حاولت إنقاذه حروق بليغة.

تؤشر حكاية الجم على أهمية رخصة بيع الخمر في نظر من يتحصل عليها كما تكشف التباس استغلالها بقيم اجتماعية وثقافية عقائدية قد تكون من أسباب تقييدها. وتُبيّن المقاربة بين هذه الواقعة والواقعة التي شهدها "الفضاء الخفي" للجهة القريبة منها أي "السواسي"، على كون النظام القانوني لتجارة المشروبات الكحولية يتداخل مع تجارة تخرج عنه بما يكون معه المنع سببا للانتشار والزجر مدخلا للفساد.

 

تجارة المشروبات الكحولية المعدة للحمل[2] النظامية:

ينظم القانون عدد 14 المؤرّخ في 18 فيفري 1998[3] تجارة المشروبات الكحولية المعدّة للحمل، فيفرض في الفصل 14 منه على من يرغب في تعاطيها تحصيل "ترخيص إداري مسبق"[4]. وعليه، تخرج هذه التجارة عن مبدأ حرية الاستثمار الذي يكرسه الفصل الرابع من مجلة الاستثمار[5].

نظم التشريع أمر الترخيص فأناط صلاحية إسناده بوزير التجارة لكنه فرض أن يستند هذا الوزير في قراره لرأي وزير الداخلية. "كما فصل الشروط التي يتعين احترامها لاسناده والتي تمثلت كما بينها القرار المشترك بين وزير التجارة والصناعات التقليدية ووزير الداخلية والتنمية المحليّة، المؤرّخ في 14 ديسمبر 2006 في أن يكون الشخص الطبيعي أو الممثل القانوني للشخص المعنوي الراغب في تعاطي هذا الصنف من التجارة نقي السوابق العدلية أو مستردا لحقوقه. كما يفرض ذات القرار أن يستجيب المحلّ المخصّص لتعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدّة للحمل للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل في مجالات السلامة وحفظ الصحة والنظافة والتهيئة الترابية والتعمير وحماية المحيط. وأن يكون المحلّ موجودا بمنطقة تتلاءم مع هذا الصنف من التجارة، ويجب أن تكون المسافة الفاصلة بين المحلّ والمعالم الدينية والمساجد والمؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية والرياضية والصحية لا تقلّ عن ثلاثمائة متر".

يتوجّب هنا على الرّاغب في الحصول على رخصة تجارة الكحول المعدّة للحمل أن يقدّم ملفّا في الغرض يحتوي بطاقة إرشادات ومطلبا لوزارة التجارة. تحيل وزارة التجارة بعد التأكد من استكمال الملف لأوراقه الأمر لوزارة الداخلية التي تختص في "البحث الأمني وفي الفحص التقني للمحلّ". ويقصد بذلك كما أفادنا إطار بوزارة التجارة يشرف على مصلحة الرخص البحث في "تأثير الموقع على الأمن العامّ وعلى حركة المرور" من جهة والتأكد من كون طالب الترخيص بعيدا "عن الشبهات علاوة طبعا على ما يشترط فيه قانونا من نقاوة سوابق عدلية".

يؤكد مصدرنا الذي طلب عدم الكشف عن هويته وعبر لنا صراحة عن كونه يتمنى أن يسحب نظر هذا الملف من وزارته دون أن يبرر سبب تمنيه ذاك: "أن نظر مطالب الترخيص الذي يستغرق عادة مدة تتراوح بين الأربعة والخمسة أشهر يتم في شفافية تامة". وقد قدم لنا دليلا على تلك الشفافية ما قال أنه التزام "وزارة الداخلية في حال اقتراحها رفض الطلب بتعليل موقفها هذا"، وبكون وزارته "تلتزم بدورها بأن تعلم كل من تقدم لها بطلب ترخيص ورفض بمبررات الرفض كما وردت من مصدرها". يكفي حسب المسؤول الإداري هذا التعليل لتحقيق الشفافية المطلوبة ولتكذيب ما روّج من حديث عن الفساد فيه. فحسبه من "المستحيل أن يكون هناك تربّح من هذه الرخص اليوم"، لكونه "هناك أكثر من جهة تتدخّل في الموضوع ممّا يصعّب عملية الرشوة والارتشاء والتي كان من الممكن حصولها في السابق أي قبل الثورة، لما كانت هذه الرخص تسند بتوصية من المسؤولين الجهويين أي الولاة والمتعمدين ودون تعليل".

تغيب الشفافية عن محدثنا مع الخروج من الحديث العام وطرح سؤال حول عدد الرخص التي أسندت فيكون الجواب " الأمر ليس سرا وهو يمكن أن يكون معلوما". نلح في السؤال فيرشدنا لتقديم طلب نفاذ للمعلومة. نتقدم بهذا المطلب. ورغم ذلك، يغيب الجواب ليحضر تأكيد من مخاطبنا عن "كون الرخص التي كان عددها سنة 2004 159 رخصة مفصلة بين 29 رخصة بيع جملة و79 رخصة بيع بالتفصيل و21 رخصة ممنوحة للمغازات الكبرى[6] لم يتطور عددها كثيرا إذ أنه حاليا لا يتجاوز 165". "هذا ما يمكن أن أجيبكم به"، يقول لنا. ويرفض تفصيل الجواب فيما تعلق بتوزيع هذه الرخص، هذا التوزيع الذي نرجح أنه تأثر حتما بانقطاع أصحاب رخص قديمة عن النشاط وبتطور نسبة استحواذ "المغازات الكبرى" على هذا السوق المربح. وربما يكون هذا الاستحواذ الذي يحيل لنفوذ كبار أصحاب الأعمال من أسباب التعتيم الذي طرأ  والذي برره من سألنا مباشرة بكون الأرقام لم تكن يوما "مخزّنة لدى الإدارة المركزية لكونه هناك من يقوم بتغيير عنوان نقطة البيع، وآخر يغيّر ممثّله القانوني، وغيرهم يغيّر الصفة التي تحصّل بموجبها على رخصة من شخص معنويّ إلى شخص طبيعيّ"، ولكون الإدارة "لم تجرِ مسحا لمعرفة من ما يزال يستخدم رخصته من عدمه".

 

شبهات الفساد تلاحق نظام الرخص

قد يكون نظام التراخيص المعتمد مبررا لكنه لا ينفي أن التراخيص الإدارية تشجع على الفساد وتوجد له مناخات تلائم تفشيه. فهي كما أكدت ذلك أستاذة القانون جنان الإمام "وزيادة عن كونها قيداً لحرية التجارة والاستثمار، هي أحد المداخل الهامّة للفساد، بما تؤدي له من منطق الزبونية والولاء واستغلال النفوذ والرشوة وهو ما يجعل هذه التجارة المربحة امتيازا تحتكره حفنة من المتنفّذين." يجد موقف الإمام مؤيده فيما حفظته ذاكرة متابعي التلفزات التونسية من وقائع قضية التحيل التي تورط فيها المنشط التلفزي "سمير الوافي" والتي تلخصت وقائعها في تحصله على مبلغ مالي هام من أحد أصحاب الأعمال التونسيين بدعوى تقديمه رشوة لمسؤولين حكوميين سيسهلون للمعني تحصيل رخصة بيع خمور[7].

يحدثنا أمني سامي فيما أصر على كونه دردشة عن الموضوع فيقول "وزراء الداخلية يحصلون على نسبة من "سعر" الرخصة مقابل إمضائهم على قرار الإسناد. "كلّ الوزراء استفادوا وإن كان بدرجات."... "رخص بيع المشروبات الكحولية مجال يخضع للسمسرة التي يكون فيها وزير الداخلية نفسه طرفا فهو الّذي يوقّع على مقترح الرفض أو القبول". يرفض الأمني أن نتعمق في حديثنا ويؤكد أن ما قاله غير قابل للنشر على لسانه. يغيب الخوف من الحديث عن هذا الموضوع عن الوزير والناشط السياسي لزهر العكرمي الذي يؤكد أنه و"على حدّ علمه، يبلغ الحدّ الأدنى لسعر بيع رخصة تجارة الكحول المعدّة للحمل 500 ألف دينار". وقد دفعنا قوله  لسؤال الوزير ورئيس الحكومة الأسبق وعضو مجلس نواب الشعب الحالي علي العريض حول رخص بيع الخمر المعد للحمل في فترة عمله على رأس وزارة الداخلية فكان رده "بكون هذا الملف من "الجزئيات التي لا يمكن تذكّرها في مسار عمل الوزير"، موضّحا أن "لا علم له بالمعايير المعتمدة لإسناد الرّخص قبل الثورة ولكنه يرجّح أنها نفسها التي اعتمدت بعد الثورة مع وجود حالات محاباة بكل تأكيد". وبسؤاله عمّا يقصد بقوله "محاباة" وعمّا إذا كان قد عايش محاولات تأثير عليه في نظر هذه المطالب غايته مساعدة أشخاص في الحصول على رخص، أجاب العريض بالنفي. وقد شدّد على أنّه لا يعني بقوله "حدوث ذلك أمامه" بل أن رخص بيع المشروبات الكحولية "ككلّ الأعمال التجارية يحاول الناس التدخّل لتيسيرها وفي بعض الأحيان لا تنتبه كوزير إلى ذلك التدخّل". تمادينا في السؤال وحدثنا الوزير السابق عما سمعنا من أسعار الرخص فكان رده: "أحيانا أقرأ في الصحف عن ذلك، لكن في الفترة التي كنت فيها وزيرا لم يعترضني هذا الأمر"، مضيفا "طاقم الوزارة كان يعرف أنه مع سياسة التضييق في مثل هذه الرّخص." ليضيف "عندما كانت تأتيني قرارات اللجنة المشتركة، كنت أوافق عليها عموما ولا أذكر أنني رفضت طلبا. لكنني لم أكن أشعر بالارتياح إزاء إسناد ترخيص لبيع الخمور لأنّني ضدّ شرب الخمر واستهلاكه وأعتقد أن أضرار ذلك أكبر من فوائده".

قدم لنا نظام الرخص في بداية عملنا على كونه النظام الذي يضمن الشفافية ويقطع مع الفساد. خلال عملنا عليه، اصطدمنا بقانون صمت ناعم حجب عنا ما طلبنا من معطيات كما وجدنا ما ينذر بفساد يتم من حين لآخر الحديث عنه لكن الجميع يتحاشى البحث عن حلول جدية له خوفا من الرأي العام، هذا الرأي العام الذي حدثنا جانب منه عن تجارة الخمر خلسة كمكمل لنظام التراخيص.

 

تجارة الخمر خلسة: مقاربة أمنية لظاهرة معقدة

يسلط القانون التونسي عقوبة على من يتعمد الإتجار في المشروبات الكحولية المعدة للحمل بدون رخصة عقوبة السجن لمدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وعام واحد وبخطية مالية تتراوح بين المائة والألف دينار[8]. قسوة القانون وتشدد المحاكم في تطبيقه لا تمنع من أن يكون عدد من يضبطون بصدد ممارسة هذه الجنحة هاما كما تخبرنا بذلك التغطية الإعلامية لنشاط الوحدات الأمنية .

حاولنا معرفة حجم هذه التجارة المجرمة فتقدمنا بطلبي نفاذ للمعلومة في الغرض الأول لوزارة العدل والثاني لوزارة الداخلية. كان جواب وزارة العدل أن مصالحها لا تمسك مثل هذه المعطيات الإحصائية، فيما كان رد وزارة الداخلية صمت، تبريره فيما يبدو لنا ضجرها مما سبق من أسئلة وجهت لها بمناسبة هذا التحقيق. دفع فقر المعلومة الرسمية لسؤال أمنيين وقضاة ومحامين باشروا مثل هذه القضايا فكانت الأجوبة متطابقة تقريبا ومفادها أن الربح الوفير الذي تحققه هذه التجارة الممنوعة تدفع من ينخرطون فيها لعدم القطع معها كما تؤدي لأن ينخرط أفراد العائلة جميعهم فيها. ويؤكدون أن أسرا كاملة في عديد الجهات والأحياء تمتهن هذا وتصر على الاستمرار فيه رغم تعدد مرات سجن أفرادها.

بمساعدة من إحداها، تواصلنا مع بائع الخمر خلسة حمدي الذي قبل أن يحدثنا عن نشاطه المحظور وأن يستقبلنا في بيته الكائن بحي التضامن قريب من وسط العاصمة تونس. كان أول ما شاهدنا بمحل سكنى حمدي تكدس صناديق الخمر والجعة. وبسؤالنا له عنها، قال ستباع جميعها في وقت وجيز زبائني يعرفون كيف يصلون إليها. طرق التواصل معهم متعددة منها التوصيل لمكان آمن أو تحميل حاجياتهم من منزلي هذا. هنا كان سؤالنا ألا تخشى أنت وزبائنك أعين الأمنيين خصوصا وانك معروف بهذا النشاط لديهم. ذكر السؤال حمدي بغضبه ضد الأمنيين الذين ساءه منهم أنهم يتعمدون في عدد الحالات ضبط حرفائه في طريق خروجهم من الحي ويحجزون عنهم بضاعتهم. قال أنه لا يفهم سبب ذلك لكونه يعتقد أنه لم يخطئ في حقهم وحق الدولة التي ظلمته مرتين الأولى بعدم تمكين أمثاله من العمل جهارا وطبق القانون والثاني بجعله وحرفاءه دوما تحت تهديد الملاحقات.

"أنا أريد أن تكون لديّ رخصة كي أتمكّن من بيع الكحول في إطار القانون إلاّ في حال هداني ربّي وتركت المجال نهائيا بالطّبع". هو يعتقد أنّه ليس مخطئا تجاه الدولة كونه يتاجر في الكحول بشكل غير قانوني. "أنا مخطئ تجاه الله لا تجاه الدولة. فالجعّة التي أبيعها الدولة نفسها تصنّعها وتبيعها، وأنا أقتنيها من شخص لديه رخصة ... ما أحققه من ربح أشتري به أكلا وثيابا لأطفالي ولا أقوم بتهريبه إلى الخارج مثلا".

زوجة حمدي وهي امرأة محجبة ثلاثينية تحمل بين يديها رضيعهما. تحمست بعد سماع هذا الحديث فخرجت عن صمتها لتقول "لقد أصبحت مهيّئة نفسيّا لأن يقوم أعوان الأمن بمداهمة البيت ومصادرة البضاعة وتوقيف زوجي… صرت أعرف كيف أتعامل مع الوضع". في طريقنا لمغادرة الحي الذي يقيم به حمدي يعلمنا من توسط لنا في موعدنا معه أن من ينخرط في مثل هذا النشاط تكون علاقته مركبة مع الأمن: فهو من جهة موضوع ملاحقة لكنه من جهة ثانية مصدر معلومة أي مرشد مهم في النسيج الأمني. وأهمية المعلومات التي يوفرها يتم مقايضتها بتساهل معه. هذا التساهل الذي قد يكون سببه أيضا درجة كرم التاجر هذا الكرم الذي قد يترجم  ماليا أو في مسكرات مجانية.

بحثا عن فهم أفضل للظاهرة بعيدا عن تصورها الأمني والقضائي، طرحنا السؤال على الباحث في علم الاجتماع  فؤاد غربالي الذي اعتبر أن "بيع الخمر خلسة هو جزء لا يتجزّأ من الاقتصاد غير النظامي الحضري الذي تلجأ إليه الفئات الشعبية التي تعيش على هامش العمل والاقتصاد المنظّمين، فبيع الخمر خلسة صار جزءا من النسيج الاقتصادي للمجموعات المهيمن عليها إلى جانب التهريب وبيع المخدرات".

ويعزو غربالي ظهور هذا النوع من الاقتصاد إلى ارتباطه بالنزعة الاحتكارية والرقابة المفرطة التي تمارسها الدولة على سوق الخمور، قائلا "مردّ هذه الرقابة هو اقتصادي بالأساس وأمني أيضا، فالدولة حين تعطي رخص بيع الخمور تكون قادرة على مراقبة الجميع. بيع الخمر خلسة هو كسر للممنوع وتجاسر على نطاق اقتصادي تحتكره الدولة."

ويضيف مستدركا "لكن إذا ما تأمّلنا الواقع مليّا سنجد أن الدولة وهي تدير الهامش كثيرا ما تصمت عن باعة الخمر خلسة منتهجة سياسة عين رأت وعين لم تر. فهي تتيح بذلك هامشا للممنوع في ظلّ غياب بدائل اقتصادية جدية خاصة في النطاقات الجغرافية التي تخلت عنها الدولة الاجتماعية وتركتها لحسابها. لكنّها في الآن ذاته تستخدم مساحة الممنوع تلك من أجل مزيد من الابتزاز. ابتزاز الباعة عن طريق الرشاوى الصغيرة التي يقدمها هؤلاء للبوليس مقابل الصمت لكن ابتزاز للمتساكنين من خلال مزيد من الوصم وتشديد الرقابة الأمنية."

غاب على أرض الواقع الاعتبار القيمي والعقائدي في تنظيم تجارة الخمور في شقيها الممنوع والمرخص فيه. وحضر في المقابل حديث عن فساد ينجح في أن يستثمر في المباح  بذات قدرته على النجاح في الاستثمار في المجرّم. وقد لا يكون هذا الأمر حكرا على تجارة الخمور إذ أنه يصح أيضا في غيرها من الأنشطة الممنوعة والتي يحتاج طرح السؤال حولها جميعا جرأة مجتمعية أكبر.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا

 

 


[1]    السواسي نافسهم في بيع الخمر خلسة فاختطفوه واغتصبوه -  13-09-2018 الصباح .

[2]   يخضع افتتاح الحانات و المطاعم السياحية التي يرخص في توزيع الخمور بها لنظام قانوني خاص  يختلف عن نظام تجارة المشروبات المعدة للحمل ويخرج عن مجال عملنا هذا .

[3]   المنقّح بالقانون عدد 76 المؤرّخ في 2 أوت 2004

[4]   يعرّف الأمر الحكومي عدد 417 لسنة 2018 المؤرّخ في 11 ماي 2018 والمتعلّق بإصدار القائمة الحصرية للأنشطة الاقتصادية الخاضعة لترخيص وقائمة التراخيص الإدارية لإنجاز مشروع وضبط الأحكام ذات الصلة وتبسيطها الرّخصة أو الترخيص بأنّها "الموافقة المسبقة التي تقدّمها السلطة الإدارية لطالبها إذا توفّرت فيه الشروط القانونية المستوجبة إمّا لممارسة النشاط الاقتصادي أو لإنجاز مشروع."

[5]   القانون عدد 71 لسنة 2016 مؤرخ في 30 سبتمبر 2016  يتعلق بقانون الاستثمار

[6]   معطيات رسمية تم عرضها   من وزير التجارة الأسبق منذر الزنايدي فقد في جلسة  جلسة مناقشة  مجلس النواب تنقيح قانون بيع المشروبات الكحولية المعدّة للحمل، عام 2004، -  الرائد الرسمي للجمهورية التونسية مداولات مجلس النواب 27 جويلية 2004 -

[7]  تقدمت زوجة أعمال وابنها وابن شقيقتها بشكاية ضدّ  المنشط التلفزي سمير الوافي ذكرا فيها أنه أوهمهما على مساعدتهما   في تحصيل رخصة نقطة لبيع المشروبات الكحولية. وقد تحصل منهما كمقابل لذلك على مبلغ مالي قدره 800 ألف دينار تونسي   وقد  اثبت حكم جزائي  نهائي  إدانة الوافي فيما نسب له من اتهام بالتحيل .

[8]  الفصل الثالث من القانون عدد 14 لسنة 1998