72 ضحية أجنبية قضوا في تفجير المرفأ.. جلّهم بلا إقامات أو بوالص تأمين


2021-09-30    |   

72 ضحية أجنبية قضوا في تفجير المرفأ.. جلّهم بلا إقامات أو بوالص تأمين
صورة مركّبة لعدد من الضحايا الأجانب الذين قضوا في تفجير مرفأ بيروت

أعدّت “المفكّرة القانونية” هذا التقرير بالتعاون مع “جمعية “روّاد الحقوق” التي تقدّم الدعم القانوني لضحايا تفجير مرفأ بيروت من الأجانب.

مرّ عام وشهر على تفجير مرفأ بيروت ولا تزال الأعداد الرسمية للضحايا اللبنانيين والأجانب الذين قضوا في الفاجعة غير دقيقة، وهي تتفاوت بين اللوائح الصادرة عن المؤسّسات الرسمية وتلك الصادرة عن جمعيات المجتمع المدني والصحافيين الساعين للوصول إلى الأعداد النهائية. ففيما تشير اللوائح لدى القوى الأمنية إلى وجود 214 ضحية، تجاوز العدد 219 ضحية في إحصاء جمعية “مبادرة العدالة الاجتماعية والاقتصادية -معاً”، وفيما أحصت القوى الأمنية 50 ضحية أجنبية، تجاوز العدد 72 ضحية أجنبية وفقاً للتعداد الخاص بـ”المفكرة القانونية”. فارق التعداد هذا ربّما يحرم عدداً من أهالي الضحايا غير المدرجين على اللوائح الرسمية من الحصول على المساعدات والتعويضات التي أقرّتها الدولة اللبنانية لضحايا التفجير.

وكانت السلطات اللبنانية قد أصدرت قوانين ومراسيم عدّة لمنح أهالي الضحايا مساعدات مالية، بعض هذه القوانين لم يميّز بين ضحية لبنانية وأخرى أجنبية مثل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة البالغة 30 مليون ليرة لبنانية لورثة كلّ ضحية فوق العشر سنوات من العمر، والقانون رقم 196 /2020 الذي سمح لهم بالاستفادة من التعويضات والتقديمات المقدمّة لأهالي شهداء الجيش. وفي المقابل ميّز القانون رقم 194/2020 بينهما في نصّ المادة الثامنة منه لجهة الاستفادة من تقديمات صندوق الضمان الاجتماعي وتغطية وزارة الصحّة. ومؤخراً تقدّم النائب جورج عطاالله من كتلة لبنان القوي باقتراح قانونٍ (لم يتمّ إقراره بعد) يستثني منه ذوي الضحايا غير اللبنانيين من التعويضات المقرّرة قانوناً لجميع الضحايا، مفترِضاً أن يكون جميع الضحايا الذين قضوا في التفجير لديهم تأمين على الحياة وبذلك يمكن لذويهم الاستفادة من تعويض شركات التأمين. 

لكن على الرغم من مراعاة معيار المساواة بين الضحايا اللبنانيين والأجانب في النصّين الأوّلين (قرار الهيئة العليا للإغاثة والقانون 196/2020) وعدم التمييز بينهما في شكل النص، إلّا أنّ قلّة قليلة من ورثة الضحايا الأجانب تمكّن إلى اليوم من الحصول على المساعدات: لم يتمّكن إلّا أربعة من ورثة الضحايا الأجانب من تحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة لغاية أيلول 2021، وذلك بسبب صعوبة تحصيل جميع الأوراق المطلوبة. كما قامت السلطات المعنيّة بتطبيق القانون رقم 196/2020 بالتمييز بين الضحايا الأجانب واللبنانيين إذ لم يتمكّن أي أجنبي لغاية شهر أيلول 2021 من الحصول على راتب شهيد بالجيش اللبناني كما نصّ القانون. وتجدر الإشارة إلى أنّ إقرار هذا القانون ومن ثمّ تنفيذه، لم يقدّم لأهالي الضحايا اللبنانيين على طبق من فضّة بل انتزعوه انتزاعاً بعد تنفيذ سلسلة اعتصاماتٍ ولقاءات دامت شهوراً. ويقول إبراهيم حطيط الناطق الرسمي باسم أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت إنّ الجهات المسؤولة عن تنفيذ القانون (وزارة الدفاع، قيادة الجيش، ووزارة المالية) لم تستقبل لغاية اليوم أيّ طلبٍ من ورثة أيّ ضحية أجنبية. وكانت “المفكّرة” خلال إعداد هذا التحقيق قد أرسلت كتاباً إلى قيادة الجيش لسؤالها عن الموضوع إلّا أنّ الرّد لم يأت لغاية اللحظة، وكتاباً آخر لوزارة المالية جاء الرّد فيه بأنّه لغاية أيلول 2021، هناك 75 عائلة ضحية لبنانية بدأت تستفيد من تقديمات القانون 196/2020.

يركّز هذا التحقيق بشكل خاص على الصعوبات التي يواجهها الضحايا الأجانب لتحصيل المساعدات المالية المقرّة من الدولة اللبنانية وظروفهم ما قبل التفجير من حيث وضع إقاماتهم وظروف عملهم ومدى استفادتهم من بوالص تأمين على الحياة. وسنعرض بيانات ومعلومات جمعناها عن 44 ضحية ممن توفرت سبل الاتصال بهم، وهم موزّعون على الجنسيات التالية: 27 سورياً، 3 مصريين، فلسطيني واحد، 6 بنغلادشيين، 4 فليبينيات، 2 من الجنسية الأثيوبية وباكستاني واحد. وذلك بالإضافة إلى معلومات عامّة عن جميع الضحايا الأجانب.

وقد اعتمدنا في بحثنا الذي دام عدّة أسابيع على تجميع كافة لوائح الأسماء الصادرة عن جهاتٍ رسمية وغير رسمية منها جمعيتي “معاً” و”حركة مناهضة العنصرية في لبنان”، بالإضافة إلى التواصل مع سفارات معظم بلاد الضحايا للتأكّد من الأسماء والأرقام، ثمّ التواصل مع أهالي الضحايا الذين توافرت أرقام هواتفهم للوقوف عند المعلومات كافّة المتعلّقة بهم. 

الضحايا الأجانب: من هم؟ وماذا نعلم عنهم؟ 

بلغ عدد الضحايا الأجانب بحسب إحصاء “المفكرة القانونية” 72 ضحية (51 ذكراً و21 أنثى) موّزعين على الجنسيات الآتية: 50 سورياً، 6 بنغلادشيين، 4 فلبينيات، 3 مصريين، 2 من أثيوبيا، فلسطيني واحد، باكستاني واحد، إيرانية واحدة، ألمانية واحدة، هولندية واحدة، فرنسي واحد، أسترالي واحد. 

تتوزّع  الفئات العمرية للـ44 ضحية التي جمعنا معلومات عنها على الشكل الآتي: 5 ضحايا منهم لم يتجاوزوا الـ18 من العمر، 19 ضحية تتراوح أعمارهم بين 18 -30 عاماً، 12 ضحية بين 31-40، 5 ضحايا بين 41-50، 3 ضحايا أعمارهم بين 51-60. 

بالنسبة إلى مهن الراشدين الـ39 من الضحايا الذين شملهم بحثنا، 9 منهم كانوا يعملون داخل المرفأ عندما قضوا: سبعة منهم يعملون على ظهر بواخر راسية في المرفأ، واحد يعمل في كافتيريا داخل المرفأ، وآخر في شركة لتصليح البواخر. أمّا البقية، فكانوا خارج المرفأ لحظة وقوع التفجير، ويتوّزعون على المهن التالية: 5 يعملون في مطاعم، 5 عاملات منازل، ثلاثة عمّال في محطات محروقات، ثلاثة نواطير أبنية، إثنان يعملان في معمل للجفصين، إثنان موظفان في شركتين، اثنتان كانتا ربّات منزل، بالإضافة إلى صاحب شركة زراعية، وعامل توصيل وحدّاد ونجّار وعامل ورشة ومزيّن شعر وعامل في “سبينيس” وعامل في بلدية برج حمّود. 

العمّال الأجانب ضحايا فساد النظام قبل التفجير 

منذ أن وطأت أقدامهم الأراضي اللبنانية وحتى قبل وقوع التفجير تعرّض العديد من ضحايا التفجير الأجانب للظلم والاستغلال، فمن خلال رصد قصصهم، تمكّنت “المفكرة” من استخراج بعض نماذج الاضطهاد الذي تعرّضوا له والذي جعل منهم أشخاصاً مخالفين لأنظمة الإقامة والعمل. فكثر منهم كانوا يقيمون في لبنان من دون أوراق ثبوتية أو سندات إقامة رسميّة إمّا لصعوبة تحصيلها أو لكلفتها العالية، ومنهم من كانوا يعملون عند أرباب عمل غير كفلائهم الأصليين، منهم من وقع ضحية شركات استقدام عمّال وهمية فخسر أمواله بينما يحاول تسوية وضعه، ومنهم من كانوا يعملون بلا بوليصة تأمين خاصّة باسمهم. لذلك فوضعهم القانوني المخالف هذا يتقاسمون مسؤوليّته مع نظام الكفالة والفساد والمحسوبيات والإهمال الذي يفتح المجال لاستغلال العمّال الأجانب ولا يسهر على تطبيق القوانين الحامية لحقوقهم أو حتى مراقبة تنفيذها، وربّما يكون سبباً لحرمانهم من حقوقهم في المساعدات والتعويضات في المستقبل.

في المقابل أحصت “المفكرة” بالأرقام من هم الضحايا الذين كانوا يقيمون في لبنان بطريقةٍ قانونية ولديهم تأمين على الحياة مع شركات الضمان. بالنسبة لغير السوريّين، تبيّن أنّ 28 منهم كان لديهم إقامة رسمية في لبنان (18 سورياً، 4 فلبينيات، 2 بنغلادشيّين، فلسطيني، مصري، باكستاني، وأثيوبي) في حين أنّ 16 آخرين كانوا قد خسروا إقامتهم الرسمية (9 سوريين، 4 بنغلاديشيين، 2 مصريّين، واثيوبية). 

وقد أفادت المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنّ 14 من الضحايا السوريين كانوا مسجّلين في قيودها، ومنهم طفل رضيع لا يتجاوز عمره الخمسة أشهر وقضى في مستشفى الكارنتينا حيث كان يتعالج، بالإضافة إلى خمسة سوريين فقدت المفوضية أثرهم بعد التفجير ولا معلومات حتّى الآن عن مصيرهم. وتجدر الإشارة الى أنّ الأمم المتحدّة تقدّر أنّ 80% من اللاجئين السوريين المسجّلين لدى المفوّضية لا يحملون إقامات رسميّة، وذلك بشكل أساسي بسبب الشروط القاسية التي يفرضها عليهم الأمن العام منذ العام 2015 والتي أعلن مجلس شورى الدولة في قرار أصدره عام 2018 عدم قانونيّتها لكنّ الأمن العام لا يزال يمتنع عن تنفيذ القرار القضائي. 

كما تبيّن أنّ 27 ضحية غير مشمولين بالتأمين (19 سورياً، مصريان، 4 بنغلادشيين، فلسطيني واحد وأثيوبية واحدة)، 13 من الضحايا كانوا مشمولين ببوالص تأمين لكن الشركات لم تعوّض لعائلاتهم (7 من حملة الجنسية السورية، 2 من الجنسية البنغلادشية، و4 فلبينيات)، وعائلات ثلاثة منهم تمكّنوا من تحصيل مستحقّاتهم من شركات التأمين (سوري وأثيوبي كانا يعملان على متن باخرة، ومصري كان يعمل في مصنع للجصّ). ولم نتمكّن من معرفة مدى استفادة الضحية الباكستيني من بوليصة تأمين.

معاناة ورثة الضحايا الأجانب في الحصول على مساعدة الهيئة العليا للإغاثة

تحصي سجلّات الهيئة العليا للإغاثة 50 اسم ضحية أجنبية لم يتمكّن منهم سوى ورثة أربعة ضحايا من الحصول على مساعدة الهيئة العليا للإغاثة. والجدير بالذكر أنّ عدداً كبيراً من الورثة لم يكونوا على علمٍ بوجود مثل هذه المساعدة أو بالقانون 196/2020 إلّا بعد تلقيهم اتصالاً من “المفكرة” للوقوف عند الصعوبات التي يواجهونها. فلا أحد من الأجهزة الأمنية ولا الجهات المعنيّة كلّف نفسه عناء التواصل معهم لإعلامهم بحقوقهم، كذلك أجمع من باشروا بتقديم المعاملات والأوراق أو من تمكّنوا من الحصول على شيك المساعدة من الهيئة العليا للإغاثة على عدم تزويدهم بالخطوات والمعلومات الواجب اتباعها، فكانوا مع انتهائهم من تنفيذ خطوة يفاجأون بوجود خطواتٍ أخرى جديدة توجب عليهم زيارة سفارات بلادهم من جديد أو طلب أوراق جديدة من بلادهم، الأمر الذي ضاعف مصاريفهم.

كذلك فوجئ الورثة بتعدّد الجهات التي تطلب أوراقاً متشابهة لتحصيل مساعدة وحيدة، فبعد الانتهاء من تقديم الأوراق للهيئة العليا للإغاثة والحصول منها على الشيك ثم التوجّه به إلى المصرف لتحصيله، فوجئوا بوجوب إبراز أوراقٍ إضافيةٍ للتمكّن من تسييله، فعلقوا من جديد في متاهات تجميع الأوراق التي كان معظمها مشتركاً مع ما طلبته الهيئة العليا. كذلك عمدت بعض الجهات إلى أخذ النسخ الأصلية من الأوراق أو صورة طبق الأصل (تحتاج الصورة طبق الأصل إلى عدد من التواقيع من جهاتٍ عدّة لتصبح سارية المفعول)، في حين أنّه كان بالإمكان الاكتفاء بالاطّلاع على النسخ الأصلية من الأوراق وتصويرها للاحتفاظ بنسخةٍ منها. وهذا الأمر تسبّب بإرباكٍ شديدٍ للأهالي وكبّدهم تكاليف إضافية أرهقت كاهلهم وأدّى في نهاية المطاف إلى تقليص قيمة المساعدة.  

وهنا يقارن الأهالي بين تعامل الهيئة العليا للإغاثة وتعامل دار الإفتاء التي تعمل كوسيط لصرف مساعدات الهلال الأحمر الإماراتي، حيث تمّ بُعيد وقوع التفجير صرف مساعدة مالية مقدارها 2000 دولار للعائلة من دون أن ترهق كاهل الأهالي بطلب العديد من الأوراق إذ اكتفت دار الفتوى بطلب وثقة وفاة وإخراج قيد عائلي. وأفاد موظف صندوق الزكاة عبد الرحمان قصّار أنّ 96 من ورثة الضحايا اللبنانيين والأجانب هم من تمكّنوا من الحصول على هذه المساعدة. وأضاف أنّه مؤخراً  يتمّ العمل على تحصيل بطاقات مصرفية للورثة يتم تغذيتها تباعاً. إلى اليوم تمكّن 121 من ورثة الضحايا من التقديم للاستفادة من البطاقة بينهم ورثة عشرة ضحايا سوريين. ويواجه أهالي الضحايا الأجانب صعوبة في تحصيل الأوراق اللازمة والمتعدّدة للحصول على البطاقة، وهي: وثيقة الوفاة، شهادة طبيب شرعي، محضر الدرك، صور شمسية للأطفال الورثة، ورقة وصاية عن القصّر، حصر إرث، ورقة التوكيل، وهوية المستلم.

“دفعت لأحصل على الأوراق المطلوبة قدْ قيمة المساعدة”

يروي مؤيّد العبيد شقيق الشهيد أيمن العبيد، السوري الوحيد الذي تمكّن من تحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة، أنّ رحلته مع تجميع الأوراق المطلوبة استمرّت شهوراً، وقد بلغت تكاليفها قيمة المساعدة ذاتها “دفعت لأحصل على الأوراق المطلوبة قد قيمة المساعدة”، يقول مؤيّد لـ”المفكرة”. 

قبل حوالي سبع سنوات جاء مؤيّد وشقيقه أيمن (26 عاماً) إلى لبنان وسكنا في محلّة برج البراجنة حيث عمل أيمن كسائق توصيلات في إحدى الشركات اللبنانية. في الرابع من آب 2020 وبينما كان أيمن يقوم بتوصيل طلبيّة في شارع الجميزة وقع التفجير وانهارت على جسده حجارة ثقيلة أدّت إلى وفاته. في الساعات الأولى بعد التفجير لم يتمكّن مؤيّد من العثور على شقيقه أو معرفة مكانه، ليرده لاحقاً اتصال من أحد أبناء قريته الذي عثر على جثة شقيقه صدفةً وتعرّف إليه وقام بنقله إلى المستشفى الرسول الأعظم حيث كان مصاباً بنزيفٍ دماغي. وما لبث أن انتبه مؤيّد أنّ أيمن تعرّض للسرقة بعيد وفاته وفُقدت محفظته التي تحوي على جميع أوراقه الثبوتية والقانونية، وبدل انهماك مؤيّد بتوديع أخيه، انشغل بتحصيل أوراق رسمية تثبت وجوده قبل وفاته، ويُبرز مؤيّد مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية وجدها على الشبكة العنكبوتية تثبت اختلاف مكان ووضعية الجثة لحظة وقوع التفجير وبعدها بمدة زمنية بسيطة ما يشير إلى أنّ أحدهم قام بتفتيشه وسرقته. 

وبينما كان أهالي الضحايا يقومون بشطب أسماء موتاهم عن سجلّات النفوس كان مؤيّد يستحصل على هوية جديدة لشقيقه المتوفّي، ووري أيمن الثرى في سوريا وتكلّفت العائلة مبالغ طائلة لنقل الجثمان، من ثمّ علم مؤيّد بوجود مساعدة من الهيئة العليا للإغاثة فبدأ بتجميع الأوراق المطلوبة وهي: هوية، إخراج قيد عائلي مشطوب عليه اسم المتوفي، وثيقة وفاة، حكم بحصر إرث للمتوفّي، صورة مصدّقة عن محضر تحقيق قوى الأمن الداخلي، إفادة من المستشفى تبيّن أسباب الوفاة،  إفادة مختار تبيّن أسباب الوفاة، حكم وصاية في حال وجود قصّر، وكالة من الورثة لأحدهم.

كلّف مؤيّد محامٍ في سوريا لتحصيل الأوراق اللازمة، ولم تتّخذ السفارة السورية في لبنان أي إجراءاتٍ تسهّل مهمّة الأهالي، لا بل كانت تتقاضى منهم بدل مهر ختمها على أي ورقةٍ مبلغ قيمته 25 دولاراً أميركياً نقداً، كذلك وعلى خلاف جميع سفارات ضحايا التفجير الأجانب لم تتكفّل السفارة بنقل الجثامين إلى مسقط رأسهم.

ومع اكتمال الأوراق وحصوله على الشيك توجّه مؤيّد إلى أحد المصارف اللبنانية لكن الأخير رفض أعطائه مبلغ المساعدة طالباً منه أوراقاً جديدة يتوجّب الحصول عليها من سوريا وأخرى من المحكمة الشرعية السنيّة في بيروت وتصديقها من السفارة من جديد. وبعد معاناةٍ طويلة حصل مؤيّد على مبلغ 30 مليون ليرة مبلغ الذي فقد قيمته مع مرور الوقت الذي استغرقه في تجميع الأوراق وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة. 

لا يزال جميع الورثة السوريون لغاية اللحظة منهمكين بتجميع الأوراق، منهم من لا يزالون قادرين على تخطّي الصعوبات ومنهم من باتوا عاجزين عن تنفيذ المهمة، وهؤلاء عالقون بين الأنياب يتلقّون ضربات الظلم من كلّ ناحية، ظلم الدولة السورية والدولة اللبنانية، وتقاعس المنظمات الدولية وجمعيات المجتمع المدني التي لم تعط ولم تخصص لعائلات الضحايا الأجانب مساعدات كافية توفّر لهم حياة كريمة بحسب ما أفادت معظم العائلات. 

السوريون ضحايا التفجير وضحايا الحرب وضحايا الدولار 

ضاعفت الحرب الدائرة في سوريا من صعوبة تحصيل أهالي الضحايا السوريين الذين يقيم ورثتهم في مناطق النزاع لأوراقهم الرسمية، فبعض المناطق باتت تخضع لإدارة فصائل غير معترف به رسمياً من قبل الدولة السورية وباقي دول العالم. وبالتالي يتوجّب على الورثة تحمّل مخاطر الطريق المزروعة بالألغام وقطاع الطرق للتوجّه إلى مناطق النظام للحصول على الأوراق من الجهات الرسمية بحسب ما أفاد الاهالي، ومنهم من تشتت عائلاتهم والورثة المنوطين في دول عدّة من العالم ما جعل من مهمّة تجميع الأوراق اللازمة أمراً مستحيلاً .

كان محمد محمود يعمل كحاجبٍ في أحد أبنية مار مخايل، عند اندلاع الحريق في المرفأ طلب منه أحد القاطنين مرافقته إلى الطابق 12 لمشاهدة ما يحصل. وقع التفجير وقضى محمد نحبه تاركاً وراءه عائلته المؤلّفة من ثلاثة أولاد وزوجة، هؤلاء لم يبق لهم ملجأ سوى منزل عارف شقيق محمد فانتقلوا للعيش مع عائلته لاستحالة عودتهم إلى سوريا. وبات عارف بالتالي مسؤولاً عن نفقات عائلتين، فيما لم تقدّم أيّ جمعية مساعدة تذكر لعائلة محمد سوى بعض المساعدات العينية. يقول عارف إنّه لغاية اللحظة لم يتمكّن من تجميع الأوراق لتحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة، فلم يتمكّن والداه الطاعنان في السن اللذان يقطنان في منطقة ريف حلب، وهي منطقة نزاع تخضع لإحدى الفصائل، من العبور والمجيء إلى مناطق النظام السوري لتحصيل ورقة تنازل عن الحق لصالح الزوجة والأولاد، وذلك كي تتمكّن الزوجة المقيمة في لبنان من استلام المبلغ. “أهلي ما بيقدروا يغادروا ريف حلب، في مهربين والأراضي مزروعة ألغام”. وينتقد عارف الذي يصارع في مشقات الدنيا لتحصيل لقمة عيش تسدّ جوع عائلتين، الدولة اللبنانية التي كانت سبباً بوفاة شقيقه لاستثناء الأجانب من الاستفادة من قانون 196/2020 معتبراً أنّ الخسارة واحدة والوجع واحد والمسبّب بهذه الجريمة واحد فلماذا التمييز؟

مكاتب الكفالة الوهمية حرمت علي من عائلته المصرية إلى الأبد

في مأتم مهيب استقبلت قرية “سمنود” المصرية جثامين أبنائها الثلاثة الذين قضوا في تفجير الرابع من آب وهم: رشدي الجمل إبراهيم قفاص وعلي شحاتة، ثلاثة عادوا إلى الديار جثثاً هامدة تكفّلت السفارة المصرية بمصاريف نقلها، بدل أن يصلوا ملوّحين لعائلاتهم كما حلموا أن يعودوا. والمحزن أكثر في قصصهم أنّ علي شحادة قضى 12 عاماً في لبنان كعامل محطّة ولم يعد مرّة واحدة لرؤية أولاده قبل مقتله.

جاء علي إلى لبنان عن طريق أحد مكاتب الكفالة التي تنتشر في لبنان والتي يتواصل معها العمّال الأجانب الذين يودّون القدوم إلى لبنان ولكن ليس لديهم كفلاء ويتقدّمون إليها بطلبات تتقاضى عليها مبالغ طائلة. وتقوم المكاتب بتسوية أوراقهم على أن يدفع العامل بدلاً سنوياً كي تبقى أوراقه سليمة. من هذه المكاتب من هو وهمي يقوم باستقدام العمّال وأخذ الأموال ولا يزوّد العمّال بأوراقهم الرسمية، وهذا ما حدث لعلي الذي تقاضى منه المكتب حوالي 12 مليون ليرة لكنه لم ينجز له أي أوراق رسمية، لهذا لم يتمكّن علي من العودة إلى دياره طيلة فترة إقامته، وبالتالي ليس لديه أي بوليصة تأمين يستفيد منها، ولا تقوم وزارة العمل برقابة هذه المكاتب بشكلٍ كافٍ.  

غداً عندما يكبر أولاد علي سيعلمون أنّ هناك بلاد ظلمت والدهم في حياته وفي مماته وحتى بعد رمي التراب فوق قبره. 

لكلّ الضحايا دول وللفلسطيني دولتان وهميّتان 

ومن بين الضحايا الأجانب فلسطيني واحد وهو محمد دغيم، لاجئ مسجّل في لبنان، ولد وعاش في لبنان ولكن لحظة مماته عومل مثله مثل الضحايا الأجانب. لم تتقدم عائلته بتقديم طلب لمساواته بشهداء الجيش اسوة باللبنانيين في القانون 196/2020، تقول رانيا إنّها علمت من لجنة أهالي ضحايا تفجير المرفأ أنّ الضحايا الأجانب غير مشمولين بالقانون لذا لم تكلّف نفسها عناء الذهاب، لكنّها تمكّنت من تحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة. دفن دغيم في جبّانة مخيم برج البراجنة حيث يسكن أولاده وزوجته التي تقول: “نحن خلقنا هون وربينا هون لبنان هو بلدنا، بس لما بتصير المصيبة بردونا على أصولنا الفلسطينية”، تقول زوجته رانيا أبو اللبن وتروي أنّ محمد كان في منطقة الأشرفية بصحبة ابن أخيه عندما وقع التفجير، لم يتحمّل قلبه الضغط التي سبّبه التفجير فتوفي على الفور. رانيا أيضاً عانت الكثير حتى تمكّنت من الحصول على مساعدة الهيئة العليا للإغاثة وتتساءل عن التمييز بين الضحايا اللبنانيين والأجانب فيما خصّ تطبيق القانون 196/2020، “ليه نحن الفلسطينية نعتبر أجانب بلبنان؟ الأجنبي عنده دولة بتيسّرله أموره نحن شو عنّا؟” 

ضحايا التفجير غير العرب: ضحايا الأحلام والحرمان 

لم تتمكّن أي من عائلات الضحايا الأجانب غير العرب من الحصول على مساعدة الهيئة العليا للإغاثة، أما ورثة الضحايا البنغلادشيين وهم ستة، والفلبينيات وهنّ أربعة، والشخصان من الجنسية الأثيوبية والطفل الباكستاني، فتضاف إلى معاناة الباقين مسألة اختلاف اللغة بحيث يتوجّب عليهم بعد تجميع الأوراق ترجمتها إلى اللغة العربية وتصديقها من جديد. 

هؤلاء تركوا في أوطانهم عائلات وزوجات وأطفال، جاؤوا أملاً بلقمة عيشٍ كريمة لعائلاتهم، وتجرّأوا على الحلم وعلى المغامرة وصبروا على العنصرية والذلّ ونظام الكفالة. واليوم لم تتمكّن عائلاتهم من تحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة ولن يشملهم القانون 196/2020، علماً أنّ خمسة من  أصل هؤلاء الـ13 كانوا بلا إقامات رسمية، ومن أصل 6 ضحايا مشمولين ببوالص التأمين، تمكّنت عائلة ضحية واحدة من قبض بدلات التأمين. 

أهالي الضحايا البنغلادشيين استقبلوا الجثامين بانتظار المساعدات 

لم يتمكّن أيّ من ورثة الضحايا البنغلادشيين الستّة إلى اليوم من تحصيل مساعدة الهيئة العليا للإغاثة على الرغم من تكليف السفارة البنغلادشية في لبنان لإحدى المحاميات التي توكّلت عنهم. “المفكرة” تواصلت مع محامية التي فوجئت بوجود مساعدة من قبل الهيئة العليا للإغاثة للضحايا الأجانب واعدةً بالمباشرة بالحصول على الأوراق اللازمة من الأهالي لتحصيلها.   

من بين هؤلاء راشد الخنفور (42 عاماً) الذي جاء إلى لبنان قبل أربع سنوات للعمل في أحد المطاعم، حالماً بتحسين وضع ذويه المعيشي في بنغلادش، إلّا أنّه بعد فترة من الزمن انتقل للعمل في مطعمٍ آخر وبقيت كفالته على اسم صاحب المطعم الأوّل ولم يعمل راشد على تسوية وضع إقامته فعاش في البلاد مخالفاً. وكان راتبه المقدر بـ400 دولار أميركي هو مورد رزق عائلته الوحيد في بنغلادش. يقول عثمان ابن خالته إنّ راشد كان المعيل الوحيد لأمّه في بنغلادش بعد وفاة والده وهي اليوم تعيش حياة ذليلة. ويلفت عثمان الذي رافق جثمان راشد إلى موطنهم الأصلي إنّ السفارة  قدّمت التسهيلات الممكنة لنقل الجثمان على نفقتها الخاصّة.

أما الضحية البنغلادشية الأخرى ميزان جاهانغيان الذي كان يعمل في إحدى الشركات فكانت أوراق إقامته سليمة، ويؤكد محامي الشركة لـ”المفكرة” أنّه تمّ التواصل مع عائلة ميزان لتسوية الأوضاع وتقديم الأوراق اللازمة للحصول على تعويض من شركة التأمين، إلاّ أنّ المسألة لم تنجز بعد. 

زولاب طفل باكستاني وحيد قضى في التفجير  

وفي شوارع المدينة قضى أيضاً زولاب ساجد علي باكستاني الجنسية  طفل لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، نتخيّله كان يلعب في أحد الأزقّة حين وقع التفجير، نتخيّله يجاهد لرؤية أضواء المفرقعات حين وقع التفجير. ولكن من زولاب لا شيء سوى التكهّنات لعدم التمكّن من التواصل مع ذويه. وفي اتصالٍ للمفكرة مع السفارة الباكستانية أكدت خلاله على وقوع ضحية باكستانية وحيدة وهو زولاب الذي تم نقل جثمانه وكامل أفراد عائلته إلى باكستان بعيد التفجير بأسبوعين. كذلك افادت السفارة أنّ زولاب وعائلته كانت إقامتهم في لبنان رسمية ولا معلومات عن مدى شمولهم ببوليصة تأمين أو غيرها، وأنّه لم يتم تكليف أو توكيل أي محام لمتابعة ملف  المساعدات المالية لعائلته. 

أثيوبي وأثيوبية ضحايا بلاد جاحدة

لا يختلف حال العمّال عن بعضه فالظلم الواحد والحلم الواحد والتفجير واحد، في تفجير المرفأ قضى اثنان من الجنسية الأثيوبية نحبهما، أحدهما يدعى هايلي مريم ديميسي ريتا الذي كان يعمل على باخرة “أورينت كوين” بعد أن ترك عمله في وزارة الخارجية الأثيوبية وجاء إلى لبنان برفقة زوجته بحثاً عن دخلٍ أفضل. كان هايلي على متن الباخرة يشاهد الدخان المتصاعد عندما حدث التفجير الذي قلبها الباخرة ظهراً على عقب. توفّي هايلي على الفور ووري الثرى في بلاده، فيما حصلت زوجته على أموال شركة التأمين وعادت إلى أثيوبيا بحسب الكفيل حسن جواد.

أما الضحية الأثيوبية الثانية فهي العاملة المنزلية هايتانو ديشاسا، وهي أم لفتاة في الـ17 من عمرها كانت تنتظر والدتها في إثيوبيا على أحرّ من الجمر، تنتظر انقضاء سنين العمل سريعاً كي تلتقي بوالدتها وتتعرّف إليها من جديد، لكن سنين العمر هي التي انقضت وأخذت من تلك الطفلة حلم اللقاء بوالدتها. 

في اتصالٍ لـ”المفكرة” تقول كاتي شامي وهي صاحبة المنزل حيث توفيت هايتانو، إنّ الأخيرة “كانت تعمل بطريقة رسمية عند إحدى العائلات عندما جاءت إلى لبنان، بعدها انتقلت للعمل الحر لأسباب لم نستطع معرفتها، فاستعان بها والدي ووالدتي، وبعد وفاتهما عملت في منزلي ومنازل إخوتي بطريقةٍ حرّة، وكانت تتقاضى 500 دولاراً كراتبٍ شهري”. بعد وفاتها، تمكّنت صديقة هايتانو من جلب أوراقها الرسمية المنتهية الصلاحية من منزل كفيلها الأوّل، وبالتالي قضت هايتانو بلا بوليصة تأمين. بقي جثمان هايتانو حوالي الشهر في براد المستشفى ودفعت الشامي وعائلتها مصاريف ثلاجة حفظ الجثث وغيرها من التكاليف، في حين تم نقل الجثمان إلى أثيوبيا على نفقة السفارة، كذلك بادرت  شامي وعائلتها بالتكفّل بنفقات تعليم الابنة في إثيوبيا  لغاية تخرّجها.

فلبينيات أربعة لم يحصل ورثتهنّ على تعويض 

آردل ميغلانغيت، ميلاغروس كامبو سوماكولو، وبابيلين سيروهيجوس، وبرليتا ميندوزا، نساء أربعة قضين في تفجير البلاد البعيدة عن موطنهنّ، ربما استقلّين الطائرة ذاتها عند قدومهنّ من الفلبين ولم يتعارفن، ربما التقين صدفة في شوارع المدينة ولم يتحادثن، ربّما عانين من وحدة ومن استغلال، ربما كنّ محظوظات بكفلاء خيّرين، ربما وربما وربما. لكنّ المؤكّد واحد وهو أنهنّ قضين في تفجير لا ذنب لهنّ فيه، وأنّ هناك أربع عائلات في الفيليبين تشاركن اليوم الحزن والأسى مع العائلات اللبنانية وربما الفقر والعوز، فمن يعوّض؟ 

بعد تواصل “المفكرة” مع السفارة الفليبينة أكدت الأخيرة في كتاب أنّ العاملات الأربعة كنّ في إطار إقامات عمل قانونية، وأنهنّ ضمن نظام التأمين لكنّها لم تؤكّد على نيل ذويهنّ أيّ تعويض من شركات التأمين، وأضافت السفارة بأنّ هناك طرف قانوني يشرف على كل ما يتعلّق بهنّ وبحقوقهنّ. 

“كيا الهندية” مفقودة جديدة تضاف إلى لائحة مفقودي التفجير

“كيا” هو الاسم الذي ينادي به موظّفون في مكتب بشارع مار مخايل شابة هندية جذابة كانت تأتي لتنظيف مقرّ عملهم لبعض ساعات وتذهب. لم يعرفوا ما إذا كان هذا اسمها الحقيقي أم جزء منه على عادة الآتين من بلاد الهند حين نتلعثم بلفظ أسمائهم فيعطونا أسماء أسهل لنناديهم بها. ما يعرفونه عنها، بحسب دومينيك بعيني أحد الموظفين، أنّها في العقد الرابع متزوّجة ولديها أولاد، وكانت تقول إنها من الديانة الهندوسية. وكانت دائماً تضحك حين يسألونها عن بلادها. اليوم يشعر الموظفون بالقلق على “كيا”، فيقول أحدهم ويدعى دومينيك بعيني إنّ “كيا” خرجت من المكتب  قبل خمس دقائق من التفجير بعد ساعاتٍ قليلة حاولوا الاتصال بها والاطمئنان عنها لكن رقمها كان مقفلاً، وهي إلى اليوم لم تقصد المكتب مجدداً. 

“المفكرة” اتصلت برقم الهاتف المفترض أنّه لكيا لكنّ المجيب كان فتاة لبنانية اشترت الخط من أحد المحال بعد تفجير الرابع من آب بأشهر عدّة ولا تعرف شيئاً عن صاحبته الأصلية.

أما السفارة الهندية فأكدّت في اتصالٍ معها أنّ أيّا من رعاياها لم يقض نحبه في التفجير، ولم تردها أي اتصالاتٍ أو معلوماتٍ عن وجود مفقودة باسم “كيا” أو غيره.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حركات اجتماعية ، عمل منزلي ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، حراكات اجتماعية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجزرة المرفأ ، مساواة ، تحقيقات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية