40 يوماً مرّت على حجز حريّة الشاب سعيد عبد الله والسبب: منشور على فيسبوك


2020-12-13    |   

40 يوماً مرّت على حجز حريّة الشاب سعيد عبد الله والسبب: منشور على فيسبوك

يبدو أنّ بعض قضاة الملاحقة لم يعد لديهم قضايا يشغلون فيها دوامهم اليومي سوى تلك المتعلّقة بآراء المواطنين التي ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلاً من ملاحقة المسؤولين الفاسدين في الدولة الّذين تسببوا بإفلاسها وتفجير مرفئها وقتل العشرات وجرح الآلاف. هذا بعض من أصدق ما يعبّر عنه روّاد مواقع التّواصل الاجتماعي المتضامنين مع الشاب سعيد عبدالله الموقوف منذ أكثر من 40 يوماً على خلفيّة آراء نشرها على صفحته. 

سعيد (33 عاماً) مهندس عاطل من العمل منذ أكثر من عامين، موقوف بتهمة “الكلام”، وضعه الصحّي ليس على ما يُرام، وهناك قضاة اختاروا إيقافه في أسوأ الظروف: فيروس خطير ينتشر في البلاد ولا تقف أمامه السجون المقفلة بإحكام، تعبئة عامّة تفرض على قصور العدل الإغلاق المتكرر ما يؤخر البت في الملفّات، عدا عن استخدام التوقيف الاحتياطي خلافاً للضرورة القصوى والنظر إلى نشر الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي كـ”الجريمة الخطيرة” التي تستدعي حماية المجتمع من مرتكبيها فيتم زجّهم في السجون خشية من “التهديد الأمني” الذي يتسبب به رأيهم. 

شاب يعبّر عن يأسه من هذا البلد على فيسبوك

“عامان مرّا على سعيد وهو عاطل من العمل، لا يجد أيّة وظيفة في مهنة الهندسة”، يقول شقيقه زهير لـ “المفكرة القانونية”. ويُضيف: “أخي كان يائساً من تدهور ظروفه المعيشيّة، وبدا مؤخراً معزولاً عن العالم، يغضب أحياناً ويعبّر عن مشاعره على صفحته على فيسبوك”. ومع ذلك يلفت زهير إلى أنّه “نادراً ما يتفاعل أحد مع منشوراته”. 

بدأت قضيّة سعيد حين نشر منشورات على صفحته على فيسبوك ينتقد فيها رئيس الجمهوريّة بطريقة لاذعة، ثم نشر صورة اعتبرت مسيئة للمسيح ومنشورات أخرى اعتبرت مسيئة للأديان. لا تُظهر صفحته على فيسبوك أيّة تفاعلات هامّة، لا يتعدّى عدد نقرات الإعجاب على منشوراته عدد أصابع اليد الواحدة. لكن لسوء حظه، كان هناك من يرى في هذه المنشورات التي تكاد تكون غير مرئيّة سبباً “ليتمّ الوشاية به” لدى الأجهزة الأمنيّة، حيث أخذ الناشط ميشال شمعون لقطات لمنشورات سعيد ونشرها على صفحته على فيسبوك مع تضمينها مطالبة الأمن الداخلي بإيقافه. وتلقائياً تلقّى عبد الله استدعاءً من مكتب مكافحة الجرائم الإكترونيّة للتحقيق. 

القاضي بسام الحاج يفرض عقوبة مسبقة على سعيد: أيّ تبرير للتوقيف الاحتياطي في قضايا التعبير؟

توجّه سعيد في 30 تشرين الأول إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتيّة وحده بدون وكيل قانوني، هناك رفض التوقيع على تعهّد أو حذف منشوراته، فأشارت النيابة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان بتوقيفه وأحالت ملفّه إلى قاضي التحقيق بسام الحاج. وبعد مرور أسبوعين خضع سعيد للتحقيق مرّة أخرى أمام قاضي التحقيق، لكنّ الأخير لم يرحم الشاب الذي كانت مدة توقيفه قد بلغت أسبوعين فقرّر إبقاءه موقوفاً وأصدر مذكرة توقيف وجاهيّة بحقه، ما يُشكل إجراء صادماً في قضيّة تتعلق بمنشورات فيسبوكيّة. تقدّم وكلاء عبدالله وهما رفيق غريزي وهبة فرحات بطلب إخلاء سبيل إلّا أنّ القاضي الحاج ردّ الطّلب وأصدر قراره الظنّي الذي ظنّ بموجبه بجرائم “تحقير رئيس الجمهوريّة” بحسب المادّتين 384 و317 من قانون العقوبات المتّصلة بـ “إثارة النعرات الطائفيّة”. 

والملفت في هذه القضيّة هو طول أمد توقيف سعيد خاصّة أنّها قضيّة ترتبط بحريّة الرأي والتعبير. فمن جهة وإن كان الدستور اللبناني يحمي موقع رئاسة الجمهوريّة إلّا أنّ ذلك لا يمنع حقّ المجتمع في توجيه النقد له. ومن جهة ثانيّة، فيما يتعلّق بموضوع “إثارة النعرات الطائفيّة”، من غير الواضح مدى انطباق هذا الوصف الجرمي على منشورات سعيد التي لا تلقى تفاعلاً أصلاً، ومهما بلغ مستوى نقده للأديان فما الذي يستدعي إيقافه كل هذه الفترة؟ 

وأمام كل ذلك، لا يوجد تبرير واضح لاحتجاز حريّة شخص لمدّة تتخطّى الأربعين يوماً في قضيّة تتصل بالرأي، بشكل يُخالف المعايير الدوليّة، فلا نجد سوى تعبير المتضامنين مع سعيد الّذين صدقوا بقولهم إنّ السّلطة تتقاعس عن ملاحقة الفاسدين والمجرمين بحق الشعب اللبناني وتتفضى لملاحقة أصحاب الرأي وتلجأ إلى احتجاز حرّيتهم. فلو كان صحيحاً أنّ التهمة التي يواجهها سعيد اليوم تستدعي كل هذه الصرامة، فكان يمكن للقاضي أن يلجأ إلى خيارات أخرى بدلاً من التوقيف مثل المراقبة القضائية وأن “يمنعه من السفر” لو أنّ الموضوع بهذه الخطورة.  

يأسف وكيل سعيد المحامي رفيق غريزي على طريقة تعامل القضاء مع هذا النوع من القضايا التي لا تستدعي توقيف الأشخاص، لافتاً إلى أنّه، “لو اقتصر التوقيف على المهلة الإداريّة أي 4 أيام كنّا سنتخطى الأمر، لكن التوقيف تخطّى الأربعين يوماً من دون تبرير وبمخالفة صريحة لمبادئ التوقيف الاحتياطي”. 

ومع ذلك، يشدد غريزي على عدم وجود “النيّة السيئة لدى سعيد في منشوراته”. ويلفت إلى ضرورة أن ينظر القضاء إلى “العنصر المعنوي الذي يدفع شاباً عاطلاً من العمل منذ أكثر من عامين على التعبير عن رأيه بغضب على وسائل التواصل الاجتماعي”. ويُضيف: “كثر من اللبنانيين يشتمون الرئيس يومياً، ما الجديد في ذلك؟”. ويخشى غريزي من أن تكون “السلطة السياسيّة تُطوّع القضاء لحمايّتها وحماية النظام الأمني البوليسي”. ويُطالب غريزي بـ “عدم تحويل التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة”، مشيراً إلى أنّ زميلته المحاميّة هبة فرحات ستتوجّه الأسبوع المقبل لتقديم طلب إخلاء سبيله للقاضي المنفرد في عاليه حيث أحيل الملف إليه، آملاً أن يتمّ قبوله. 

يتساءل غريزي عن “الضمير” الذي يسمح لقاض بإيقاف شاب في ظروف استثنائيّة، حيث تعاني النظارات والسجون من انتشار فيروس كورونا فيها، عدا عن تكرار إغلاق العدليات بسبب التعبئة العامّة ما أخّر من البت في الملف. 

خطورة التوقيف تفوق خطورة المنشورات في ظل اكتظاظ أماكن التوقيف

تتّسع الإشكاليات في قضيّة الشاب سعيد عبدالله لتشمل مساءلة القضاة وتحميل ضميرهم مسؤوليّة حجز الحريّة في الوقت الذي تعاني فيه السجون من الاكتظاظ. وفي هذا الإطار، يبدو قرار القاضي بسّام الحاج في تناقض تام مع ضرورة التخفيف من المخاطر الناتجة عن الاكتظاظ في وقت انتشار فيروس كورونا، لا سيما نظراً لارتفاع الحالات الإيجابية داخل أماكن التوقيف وفقاً لما تعلن عنه دورياً قوى الأمن الداخلي. وكانت السلطات القضائية قد اتخذت إجراءات متعدّدة للحدّ من الاكتظاظ في السجون وتفادياً لانتشار العدوى. أبرز هذه الإجراءات، طلب مجلس القضاء الأعلى إلى القضاة في آذار 2020 العمل على البتّ سريعاً في طلبات تخلية السبيل، فيما طلبت وزارة العدل حصر الاحتجاز بحالات الضرورة القصوى وفقاً لسلّم أوليات تصنيف الجرائم، وأصدر النائب العام التمييزي تعميماً في 23/3/2020 يطلب فيه من القضاة عدم اللجوء إلى التوقيف إلّا في الحالات القصوى. 

غير ذلك، لا شيء يقلّ أهميّة عن الوضع الصحّي لسعيد اليوم، فقد تعرّض قبل مدّة لعارض صحّي استدعى نقله إلى المستشفى حسبما يؤكد أخوه زهير لـ”المفكرة”، فيقول: “منذ فترة حصل تورّم في رجليه فتم نقله من النظارة إلى المستشفى لإجراء الفحوصات”. ويُضيف: “خشينا عليه من أن يُصيب قلبه أيّ عارض صحّي”، ويربط خشيته هذه بحالة والده الراحل الذي عانى من عوارض مشابهة قبل وفاته. يعود زهير ليطمئن بأنّ الوضع الصحّي لسعيد اليوم أفضل، وفحوصاته لم تُظهر أي خطر، إنما يخشى على وضعه النفسي. فأخوه قبل توقيفه كان يواجه الإحباط واليأس من الظروف التي يواجهها بسبب الأوضاع الاقتصاديّة، فكيف الآن في ظلّ حجز حرّيته. ويقول زهير إنّه لا يعرف تماماً حالة شقيقه النفسية: “يتواصل معنا كل فترة عبر الهاتف حيث يُسمح له الاتصال لمدّة لا تتعدى الدقيقتين، وأنا وأمّي لم نره طيلة فترة توقيفه، فالزيارات ممنوعة بسبب الفيروس”. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، الحق في الصحة والتعليم ، المرصد القضائي ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مسائل



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *