3000 هكتار من الغابات في تونس تتحوّل إلى فحم عند كل صيف


2020-08-14    |   

3000 هكتار من الغابات في تونس تتحوّل إلى فحم عند كل صيف
الصورة منقولة عن صفحة حماية الثروة الغابية والحيوانية على فيسبوك

من محافظة بنزرت أقصى شمال البلاد التونسية، مرورا بمحافظة باجة فالكاف بالشمال الغربي وغيرها من المحافظات الأخرى بالوسط والشمال الشرقي تأتي الحرائق بطريقة متواترة في ظرف زمني محدود. فما هي إلا عشرة أيام بين 22 جويلية إلى 2 أوت 2020، حتى شهدت البلاد موجة عاتية من الحرائق تجاوزت الـ 70 حريقا انتشرت على 1800 هكتار من الأشجار والمساحات الغابية. ورغم توقعات المؤسسات المعنية لهذه الموجة والإستعداد لها قبل أشهر إلا أن تواترها في فترة مقتضبة مثل عنصر مباغتة مما أدى إلى خروج الأمور عن السيطرة في عدد من الأماكن. ورغم تكرار هذه الموجة بطريقة موسمية بتفاوت في حجم الأضرار إلا أنه في كل سنة يضيع المسؤولون عن افتعالها وسط كومة من الفرضيات بين من يعزوها إلى حرارة المناخ وبين من يستنتج أنها مدبرة ومفتعلة ولها دوافع متعددة.

 

الحرائق؛ كابوس سنوي يأبى الزوال

عشرة أيام فقط كانت كفيلة بأن تعيش عديد المحافظات كابوس الحرائق الذي يتكرر في كل صيف، إذ تشهد الغابات التي تمثل 34% من المساحة الجملية للبلاد (أي حوالي 5 مليون هكتار)، ويقطنها مليون ونصف المليون ساكن، موجة حرائق هائلة تتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة التي تجاوزت معدلاتها الطبيعية خلال السنوات القليلة الفارطة. فمنذ 22 جويلية إلى حدود 2 أوت 2020، إندلع حوالي 73 حريقا أتى على 1800 هكتارا، لتتسبب في خسائر الفادحة. حيث أكدت وزارة الفلاحة أن قيمة الخسائر المباشرة والناتجة عن احتراق هكتار واحد لا تقل عن 9 آلاف دينار، إضافة إلى أضعاف الخسائر البيئيّة خاصّة منها أضرار الإنجراف والفيضانات وتكاليف التّدخّلات. هذا ويستغرق إعادة نمو الغطاء الغابي ما لا يقل عن مدة 30 سنة.

في هذا الإطار اعتبر سمير الحاج صالح كاهية مدير حماية الغابات في تصريحه للمفكرة القانونية أن الرهان الأساسي الآن بالنسبة لنا هو ألا تتجاوز الخسائر الناجمة عن الحرائق مع نهاية شهر أوت الـ 3000 هكتار. تم تسجيل نشوب 277 حريقا طال 2900 هكتار خلال صيف السنة الماضية، والتي تعتبر بدورها أضعف نسبة سجلناها منذ سنة 2011.

بالعودة إلى السنوات السابقة فإن المعدل السنوي للحرائق لا يتجاوز الـ 250 حريقا و3000 هكتار، فمنذ سنة 2011 عرفت البلاد التونسية قرابة 2000 حريق داخل الغابات أتى على أكثر من 30.000 هكتار، وكانت ذروتها صائفة سنة 2017 التي شهدت لوحدها اندلاع النيران فيما يناهز 17.000 هكتار مما دمّر الغطاء الغابي في عديد المناطق.

 

رغم غياب الأدلة؛ شبه إجماع على نظرية إفتعال الحرائق

رغم تواجد عديد الأسباب التي قد تؤدي إلى نشوب حريق في المناطق الغابية، إلا أن جميع أصابع الاتهام قد وجهت هذه المرة إلى العنصر البشري سواء بالعمد في افتعال هذه الحرائق من أجل غايات تخريبية أو نتيجة قلة الوعي والإستهتار. فقد اعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال زيارته إلى معتمدية عمدون من محافظة باجة يوم 5 أوت الجاري أن الحريق الذي نشب في تلك المنطقة هو عمل إجرامي مقصود في حق الدولة التونسية لا يمكن السكوت عنه ولا بد من ملاحقة مرتكبيه ملاحقة جزائية، كما أنه محاولة بائسة لإدخال الفزع في نفوس المواطنين بحسب تعبيره.

منطق نظرية المؤامرة في افتعال الحرائق من أجل إرباك عمل المؤسسات الوطنية لم يتبناه رئيس الجمهورية فحسب، بل اعتبر سمير الحاج صالح كاهية مدير حماية الغابات في تصريحه للمفكرة القانونية أن ما حدث مثير للاهتمام كثيرا، لست من محبذي نظريات المؤامرة، ولكن هناك عديد المعطيات التي تدعو إلى التفكير في جدية هذا الطرح. فعلى سبيل المثال، نشب حريق في أحد أرياف محافظة جندوبة في ساعة متأخرة جدا من الليل في إحدى الشعاب التي لا يمكن الصعود إليها في وضح النهار وهو ما يطرح تساؤلات حول من ذهب إلى تلك الأماكن وتحمل كل مشاق الطريق في ذلك التوقيت المتأخر إلا شخص لديه هدف ومهمة يقوم بإنجازها. زد على ذلك التواتر الرهيب لهذه العمليات وتوزعها الجغرافي الذي يؤدي إلى تشتيت الإنتباه والقوى. فقد نشب 20 حريقا في ستّ جهات مختلفة في توقيت واحد تقريبا خلال يوم عيد الأضحى. تجميع هذه المعطيات يؤكد أن الحرائق الأخيرة كانت أغلبها مفتعلة. ولكن هذا لا ينفي طبعا أن هناك حرائق نشبت عن غير قصد بسبب قلة الوعي أو الإستهتار، خاصة أن العديد يلجؤون إلى الجبال والغابات للترفيه وقضاء بعض الوقت بعيدا عن صخب المدن وتلوثها تاركين مخلفاتهم التي تتسبب فيما بعد في اندلاع النيران.

موجة الحرائق أقوى من استعدادات الدولة

في إطار التصدي لموجة الحرائق الموسمية، قامت الإدارة العامة للغابات بالشراكة مع الديوان الوطني للحماية المدنية بصياغة خطّة مشتركة لمقاومة الحرائق بالغابات خلال صائفة 2020 وتم الإعلان عنها يوم 8 جوان 2020. وتتمثل هذه الخطة المشتركة في إقرار إجراءات وقائية متمثلة في فتح وصيانة المسالك الواقية من النيران، تنظيف جوانب الطرقات والمسالك الغابية وصيانة أبراج المراقبة ونقاط المياه والمعدات ووسائل الاتصال. كما تشتمل أيضا على توفير الموارد البشرية اللازمة من بينها الاتفاق على تسخير كافة مهندسي وفنيي الغابات لمقاومة الحرائق إضافة إلى 200 عون إطفاء و54 عون اتصال واللّجوء في الحالات الاستثنائية (الحرائق الكبرى) إلى عمال المنابت والحراس المتواجدين قرب مكان الحريق وعمال الحضائر.

أمّا على مستوى الوسائل اللّوجستيّة، فتم الاتفاق على تركيز 10 مراكز لحماية الغابات (رادس، الفحص، غار الدماء، القصرين، باجة، الوسلاتية، الكاف، عين دراهم، سجنان، مكثر) و160 برج مراقبة يتم التداول عليه من قبل 441 حارس وعون اتصال إضافة إلى 88 وسيلة تدخل سريعة (شاحنات رباعية الدفع سعة 600 لتر من الماء) و36 شاحنة إطفاء (سعة 3000 – 4000 لتر) و10 شاحنات تزويد سعة 6000 لتر و3 حاملات معدات إضافة إلى مضخات مجرورة وصهاريج لماء الشرب ومعدات فردية لمجابهة الحرائق والإقامة على الميدان.

رغم إقرار كل هذه الإجراءات وتوفير أسطول من التجهيزات والعناصر البشرية المسخرة للتدخّل، إلا أن السلطات لم تتمكن من مجابهة موجة الحرائق، وهو ما يؤكد وجود ثغرة في منظومة العمل ككل. حيث علّق سمير الحاج صالح كاهية مدير حماية الغابات على هذه النقطة معتبرا أن خطة التصدي للحرائق يتم تجديدها كل سنة قبل كل موسم صيفي ولكن لا يمكن لهذه المعدات أو الخطة بحد ذاتها أن تكون فاعلة إذا وجدنا أنفسنا أمام 20 حريقا في آن واحد. كما أننا نشكو من نقص على المستوى البشري لاسيما في مجال التأطير، فمن المفترض أن يكون هناك 1000 مؤطر إلا أننا نملك 370 مؤطرا فحسب أي أننا نعمل بـ 37% فقط من الإمكانيات المطلوبة. هذا بالإضافة إلى أن مختلف الأجهزة المعنية بالتصدي للحرائق تعاني من نقص في المختصين سواء من سواق الشاحنات الضخمة أو في مكافحة الصيد العشوائي بل وفي فهم القانون وكيفية تطبيقه. كل هذه النقائص هي ما يؤدي في نهاية المطاف إلى خروج الأمور عن السيطرة في بعض الحالات.

بالرغم من أن عدد الحرائق لا يزال دون مستوى نظيراتها في السنوات القليلة الفارطة، إلا أن معدّل ما تفقده تونس من غطاء غابي بلغ 3000 هكتار سنويا. رقم يدق نواقيس الخطر وينذر بكارثة محتملة خلال السنوات القادمة على مستوى اختلال التوازن البيئي، لا سيما أن استغلال الغابات لا يقتصر على توفير مورد رزق للفئات الهشة من خلال مشروع المشاهد الغابية بل يشمل مجال السياحة الإيكولوجية التي بدأت تمثل أحد الحلول لتعويض تدهور عائدات السياحة الشاطئية.

انشر المقال

متوفر خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تحقيقات ، تونس ، سلطات إدارية