30 عاماً من سوليدير عبر ما كتب عنها: التراث والنيوليبرالية في زمن ما بعد الحرب


2020-12-29    |   

30 عاماً من سوليدير عبر ما كتب عنها: التراث والنيوليبرالية في زمن ما بعد الحرب
تصوير ديمتري نصار

بعد طول غياب، عاد موضوع إنشاء شركة “سوليدير” (وهي الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت) إلى النقاش العام. حصل ذلك بعدما أصدرت المستشارة المقرّرة في مجلس شورى الدولة ريتا كرم الشهر الماضي تقريرها تمهيداً لإصدار القرار النهائي عن المجلس، الذي انتهى إلى وجوب إبطال مرسوم تمديد مدّة الشركة الأساسية عشر سنوات حتى عام 2029 لعدم قانونيّته، ممّا يؤدّي عملياً إلى اعتبار مدّة حياة الشركة منتهية في سنة 2019[1]. وقد بدأت فصول هذه القضية حين طعن صاحب الـ”سان جورج” فادي خوري بمرسوم التمديد العام 2005[2]. وكانت الشركة المذكورة باشرت رسمياً عملها بعدما نشأت بموجب قانون صدر في سنة 1994 بدفع من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وفي مواجهة العديد من الأصوات المعترضة التي ارتفعت منذ بداية التسعينيّات. وقد شكّل إنشاء هذه الشركة أحد أبرز مواضيع النقاش الاجتماعي في فترة ما بعد الحرب في لبنان.

ومع عودة سوليدير إلى النقاش العام بفعل الحدث القضائي الأخير، عمدت “المفكرة القانونية” إلى مراجعة أبرز ما كتب حول الشركة العقارية منذ بداية التسعينيّات حتى اليوم[3]. فما هي أبرز الإشكاليّات التي طُرحت حول المشروع من منظار العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ وكيف تطوّر النقاش خلال العقود الثلاثة الماضية بشأن حسنات سوليدير ومساوئها ومفاعيلها على العاصمة والبلد؟

1990-1999: هيمنة النقاش القانوني والمعماري

تُظهر مراجعة الأدبيّات التي صدرت في التسعينيّات والمشمولة في هذا العمل الاستطلاعي، بأنّ النقاشات القانونية والعمرانية احتلّت الصدارة. اتّجهت هذه النقاشات عموماً إلى إثبات أنّ المشروع ينتهك كلّاً من حقوق الدولة كالحق في الدخل عبر الضرائب والحق في الرقابة على الشركة الخاصّة لحماية المصلحة العامّة، وحقوق المجتمع والأفراد كالحق في الملكية الخاصّة والحق في العودة إلى وسط المدينة والحياة فيها، كلّ ذلك من أجل تحقيق مصالح خاصّة.

بين 1991 و1995: القانون والدستور ضد سوليدير… دفاعاً عن الليبرالية؟

غاص كتّاب هذه المرحلة في النصوص القانونية التي مهّدت وفعّلت إنشاء الشركة العقارية، لا سيّما القانون 117/91 الذي يعطي الشركة صلاحيّة استملاك العقارات في وسط بيروت. في الكتاب الصادر في 1992 تحت عنوان “إعمار بيروت والفرصة الضائعة”، خصّص الكتّاب الجزء الأكبر من جهودهم لمناقشة دستورية المشروع، معتبرين أنّ الاستملاكات تُشكّل خرقاً لمبدأ الملكية الخاصّة الذي تحميه المادة 15 من الدستور. وقد علّلوا ذلك بشكل خاص بأنّ استملاكات سوليدير لا تصبّ في المصلحة العامّة ولا تعوّض على أصحاب الحقوق بشكل عادل يراعي إرادتهم، بحيث أُرغم المالكون والمستأجرون على استبدال ملكيّتهم بأسهم في الشركة. وفيما صدر قانون إنشاء الشركة بتاريخ سابق لمباشرة المجلس الدستوري (وهو المرجع الوحيد المخوّل وفق اتفاق الطائف في مراجعة دستورية القوانين التي يصدرها المجلس النيابي) أعماله والتي لم تحصل إلّا في عام 1994، انحصر النقاش القانوني نتيجة لذلك بالكتب والمنشورات، من دون أن يكون له أيّ امتداد قضائي.

تجدر الإشارة إلى أنّ النقاش القانوني أخذ منحىً مالياً واقتصادياً حيث رجّح جورج قرم (1993) أنّ نموذج سوليدير القانوني-المالي المبني على تخلّي الدولة عن دورها من جهة وإرغام أصحاب الحقوق على أن يصبحوا شركاء من جهة أخرى هو نموذج هشّ غير مستقرّ. كما أنّه انتقد (1994) حصر الخصخصة بيد شركة عقارية واحدة بدل الاعتماد على التنافس وتقديم المجال للمستثمرين اللبنانيين للدخول في المشروع. واعتبر كتّاب “إعمار بيروت”، سوليدير تجسيداً خاطئاً للخصخصة كون الشركة “تقلّص حوافز الاستثمار لدى القطاع الخاص” من جهة، ولا تخفّف من العبء المالي على الدولة بل تزيد منه، من جهة أخرى. فإسقاط الأملاك العامّة وضمّها إلى أملاك الشركة من جهة وإعفاء سوليدير من الضرائب والرسوم لمدة عشر سنوات من جهة أخرى يحرم الدولة من موارد مالية أساسية. يضاف إلى ذلك أنّ تحديد الأراضي التي أُعطيت للدولة لقاء الأراضي العمومية التي تمّ ضمّها إلى أملاك الشركة جرى على أساس مساحتها وليس بالضرورة على أساس قيمتها كما ينصّ الدستور. كما انتقد جورج قرم (1993) الامتيازات التي يكرّسها القانون 117 لسوليدير لا سيما لجهة تحميل الدولة كلفة البنى التحتية في الوسط ومن دون تحديد أيّ سقف لهذه الكلفة.

وفيما استخدمت المقالات المنشورة في بداية التسعينيّات حججاً قانونية يستشفّ منها انتقاد ضمني لتعرّض مشروع سوليدير للنظام الاقتصادي الليبرالي في لبنان (وهذا ما نستشفّه من الحجج المتّصلة بوجوب احترام مبدأ الملكية الخاصّة وتنافس السوق و”مبادئ الخصخصة” وهي مكوّنات جوهرية للاقتصاد الليبرالي)، فإنّ الأدبيات التي تطوّرت بعد سنة 2010 ستتناول بشكل أكثر صراحة كما نُبرز أدناه، التأثير السلبي لمشروع سوليدير على النظام الليبرالي في لبنان.

ويلحظ هنا أنّ النقاشات القانونية تراجعتْ إلى حدّ الانعدام في الأدبيّات التي نُشرت ما بعد منتصف التسعينيّات. وقد يعود ذلك إلى انطلاق مشروع سوليدير رسمياً في عام 1994 بعدما تمّت الاستملاكات ووزّعت الشركة الأسهم وباشرت بأعمال إعادة الإعمار، مما قلّل إذ ذاك من قدرة النقاش القانوني على تحقيق أيّ تغيير في تركيبة الشركة وصلاحياتها.

النقاش المعماري بعد 1991: مشروع في خدمة من؟

برز النقاش المعماري حول المخطّط التوجيهي لإعادة إعمار بيروت الذي قدّمته دار الهندسة عام 1991، لا سيما حول مسألة تغليب مصالح المستثمرين على حاجات المجتمع. فالمخطّط هذا لاقى موجة انتقادات من الخبراء في الهندسة المعمارية والتخطيط المدني والعلوم الاجتماعية.

شملت الحجج المعارضة ما دمّره المشروع وما خُطِّط لإعماره من بعدها. انتقد الكتّاب النسبة المرتفعة من الأبنية التي تمّ تدميرها والتي تصل إلى حوالي 80%، متّهمين الجهات وراء سوليدير بتدمير تراث المدينة لإفساح المجال للمشاريع المربحة (بيهم وآخرون، 1992). كما انتقد قبّاني (1992) عملية انتقاء الأبنية التراثية التي سيحافظ عليها على أساس الربحية وليس وفق أهمّيتها المعمارية. وبما يخصّ النسيج العمراني الذي قدّمه المخطّط التوجيهي، اعتبر الأخصّائيون أنّه لا يحترم مورفولوجيا المنطقة التاريخية (بيهم وآخرون، 1992)، ورأى قبّاني أنّ مقاربة التخطيط سطحية بما يخصّ الحفاظ على التراث عبر تسقيف جميع الأبنية الحديثة التي سيتمّ تشييدها بالقرميد الأحمر (في المشروع الأول).

دار النقاش أيضاً حول تهميش المشروع للمجتمع وتفتيته، ممّا سيؤدّي إلى حال من عدم الاستقرار في المستقبل. جادل قباني (1992) وكتّاب “إعمار بيروت” (1992) بأنّ التنظيم المدني المقترَح يعزل الوسط عن باقي المدينة، إمّا عبر نظام المواصلات وإمّا عبر تحويل المنطقة إلى جزيرة تخدم الطبقات العليا فقط. وهي مخاوف تحقّقت فعلاً في العقود التالية عبر تشتيت الوسط إلى أوساط تعدّدت عبر المدينة، فأصبح لكلّ منطقة وسطها. وقد استنتج الكتّاب عدم مراعاة المشروع لمصالح المجتمع أيضاً من تصاميمه الضخمة ونوع المساكن والأنشطة الاقتصادية المخطّط لها فيه ومن تجاهله لمسألة النقل العام (بيهم وآخرون، 1992؛ قباني، 1992). كما نبّه الكتّاب من مساهمة التخطيط هذا في تفاقم التفتيت المجتمعي الذي ساهم في اندلاع الحرب بدلاً من معالجته، معتبرين أنّ مشروع سوليدير قد يشكّل مصدر عدم استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي في المستقبل (بيهم وآخرون، 1992؛ قباني، 1992).

رداً على موجة الانتقادات تلك، عمدت شركة سوليدير إلى إدخال بعض  التعديلات على المخطّط التوجيهي، كما على خطّتها الإعلامية وسياسة العلاقات العامّة. وهذا ما نستشفّه في عام 1998 من أخصّائيين يعملون ضمن الشركة أو يتعاونون معها على مشاريع محدّدة. فقد عرض المخطّط المدني أنغس غافين Angus Gavin  من شركة سوليدير التعديلات التي أدخلتها الشركة على المخطّط التوجيهي مفسّراً من وجهة نظره كيف أنّ الشركة أجرت تعديلات على المخطّط السابق، أكثر احتراماً لهويّة الوسط التاريخي وتراثه وطوبوغرافيّته. كما نشر المهندس المعماري رافاييل مانييو Rafael Moneo فصلاً في كتاب “Projecting Beirut” (1998) عن أسواق بيروت التي تولّى تصميمها، فصّل فيه خصائص هذا التصميم مشدّداً على أنّه يوفّق بين احترام هويّة الأسواق القديمة وتلبية “الحاجات المعاصرة”. وعليه، نلحظ أنّ النقاش المعماري بين معارضي المشروع ومناصريه دار في معظمه حول مفاهيم مختلفة للتراث، مثل مفهوم هويّة الأسواق، حيث حاول كلّ فريق ترويج تصوّره للتراث وكيفية الحفاظ عليه.

النقاش حول الآثار بعد 1994: أين الشعب من مسألة تراثه؟

بعدما انطلقت أعمال التنقيب عن المواقع الأثرية رسمياً في عام 1993 في وسط المدينة، برزت أدبيّات حول إدارة الآثار ضمن مشروع سوليدير، بينما اقتصر التداول بهذا الشأن على بعض الفقرات الخجولة في المصادر المنشورة سابقاً. وشدّدت هذه المنشورات على أهمية اغتنام فرصة إعادة الإعمار لاستكشاف آثار المدينة وحمايتها (بيهم وآخرون، 1992؛ قباني، 1992). المصدر الأوّل الذي رصدناه كتبه عالما الآثار هانس إتش. كورفورز Hans h. Curvers ، من سوليدير، وباربرا ستيوارت Barbara Stuart (1995) حيث عرضا المواقع الأثرية التي يتمّ التنقيب فيها والنتائج الأوّلية لكلّ موقع. وبينما صاغ الكاتبان الموضوع كما لو أنّ إدارة مسألة الآثار قد تمّت في جوّ تعاون وتنسيق بين الجهات الرّسمية والقطاع الخاص من جهة وبين الفاعلين المحلّيين والدوليين من جهة أخرى، بدأ النقاش حول التنقيب عن الآثار يأخذ منحى نقديّاً تصاعدياً. ففي عام 1997، عرضت لمى جارودي لوحة أكثر تعقيداً. فرغم أنّها أبدت تفهّماً لتوجّهات سوليدير (ومن خلالها رئيس الحكومة الحريري) والتي تمثّلت وفقها، في بذل الشركة استثمارات للتنقيب عن الآثار والحفاظ عليها بقدر ما تحتمله إمكاناتها وما تسمح به تطلّعات الرأي العام في إعادة إعمار سريعة، فإنّها ذهبت في الآن نفسه إلى عرض إشكالية تضارب المصالح وانتصار الجرّافة على الآثار، مقدّمةً أمثلة عن أخطاء ومواقع أثرية دمّرتها الشركة. في العام 1998 قدّمت هيلين صادر مقاربة نقدية أثارت فيها إشكالية سوء إدارة الآثار مبدية قلقها إزاء خصخصة الاهتمام بها من خلال جعل سوليدير الفاعل الرئيسي في إدارتها وسط ضعف مؤسّسات الدولة. ومن الملفت أنّ هانس كورفورز- الذي كان رسم لوحة تعاون مثالي في إدارة الآثار العام 1995-  عاد في العام 2016 مع نظرة أكثر نقداً حيث جادل مع بربرا ستيوارت أنّ قضية التراث محتكرة من قبل أخصائيين ونخب معيّنة بينما يبقى الشعب مجرّد متفرّج على القرارات المُتّخذة حول مصير آثاره.

 

ما بعد التسعينيّات: النيوليبرالية، الذاكرة، والتحرّكات المعارضة

المشروع عبر عدسة النيوليبرالية

في رصدنا للأدبيّات المنشورة ابتداءً من الـعام 2000 حول مشروع سوليدير، ظهر معنا تغييران أساسيان مقارنةً مع الأدبيات المنشورة في التسعينيّات. أوّلاً، أصبحت هذه الأدبيّات تُنتَج بشكل متزايد من قبل باحثين أجانب، بينما هيمن الأخصّائيون والباحثون اللبنانيّون على المشهد في التسعينيّات. ثانياً، لحظنا تحوّلاً في التأطير الأيديولوجي لإشكاليّات المشروع: فقد تمّ تأطير القضايا في معظم المصادر العائدة لهذه الفترة والتي اطّلعنا عليها في سياق النيوليبرالية، فيما تمّ تأطير الإشكاليّات في التسعينيّات في سياق تغليب مصالح المستثمرين (القريبين من السّلطة) على مصالح المجتمع، وفي بعض الأحيان في سياق الرأسمالية المتوحّشة (قرم، 1994). بقي ساري مقدسي من الاستثناءات القليلة كونه صاغ الإشكاليّات في سياق النيوليبرالية خلال هذه الفترة (1997). بعد العام 2000، شهدنا تحوّلاً في الأدبيّات تزايداً لمصطلحات من قبيل “مشروع نيوليبرالي” أو “العمران النيوليبرالي” أو “المنطق النيوليبرالي”.

يمكن التمييز هنا بين فئتين من المنشورات: تلك التي استخدمت عدسة النيوليبرالية كوسيلة لتحليل تداعيات مشروع سوليدير من جهة، وتلك التي استخدمت سوليدير كوسيلة لإجراء نقاش أوسع حول النيوليبرالية من جهة أخرى. يسمح هذا التقسيم بإبراز التباين في تصوّر الدولة ودورها (أو انعدامه) في الأدب حول الإيديولوجية النيوليبرالية. فالفئة الأولى تنطلق من اعتبار مشروع إعادة الإعمار نيوليبرالياً أو منبثقاً من الإدارة الحضرية الجديدة (new urban governance) الخاصّة بالنيوليبرالية لتنتقل من بعدها إلى الغوص في التداعيات الناتجة عن المشروع، على صعيد الذاكرة والتراث وتالياً الهويّة. وتصوّر معظم هذه الأدبيات الدولة على أنّها ضعيفة وغائبة كون النيوليبرالية تقتضي تحويل السّلطة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، أو وضع الأوّل في خدمة مصالح الثاني (شميد، 2006؛ لاركن، 2010؛ شاكر وغنسالفس، 2013؛ مكارم، 2015؛ شارب، 2020).

أمّا الفئة الثانية من الأدبيّات، فقد غاصت في خصائص مشروع سوليدير لبناء حجّة أوسع حول النيوليبرالية. هذا ما نستشفّه بشكل خاص من تحليل مقدسي لإعادة إعمار الوسط (1997) حيث اعتبر مشروع سوليدير تجسيداً لانتصار الرأسمال على المجتمع والدولة. أمّا حوراني (2015) فقد غاص في كيفية تخلّي سوليدير عن القواعد العقلانية للسوق العالمية من أجل تحقيق مصالحها الخاصّة، لينتهي إلى القول بأنّ النيوليبرالية تجعل الإقتصاد أقلّ ليبرالية. وهذا ما جادل به أيضاً بومان (2016) الذي اعتبر سوليدير وسيلة من ثلاث وسائل[4] استخدمت لتوليد الريع من أجل بعض المصالح الخاصّة التي جعلت الإقتصاد أقلّ ليبرالية.

في معظم أدبيّات الفئة الثانية، تحدّث الكتّاب عن الدولة النيوليبرالية كدولة تتدخّل لحماية بعض المصالح الخاصّة. فالدولة النيوليبرالية في لبنان مثلاً مكّنت سوليدير مباشرةً من وضع يدها على أملاك خاصّة في وسط بيروت كي تحقّق قلّة من المستثمرين الريع (بومان، 2016). وتحدّث مقدسي (1997) عن فترة التسعينيّات وتحديداً عهد رفيق الحريري حيث ساهمت الدولة النيوليبرالية بطريقة غير مباشرة في حماية مصالح أصحاب مشروع سوليدير عبر تشديد القبضة القمعيّة على الإعلام لإسكات الأصوات المعارضة. وقد تمّ ذلك من خلال إصدار قوانين مقيّدة لتنظيم وسائل الإعلام وعملها.

محو الذاكرة والهوية يزيد من حدّة انقسام المجتمع

ابتداءً من العام 2002، كثرت الأدبيّات التي تناقش مسألة الذاكرة والهوية في مشروع إعادة إعمار وسط بيروت. اعتبرت بعض المنشورات بطريقة أو بأخرى بأنّ كيفية تعامل سوليدير مع الماضي تزيد من حدّة انقسامات المجتمع (نايجل، 2002) وتغلّب الاعتبارات الربحية على حاجة المجتمع إلى هوية وطنية توحّده بعد الحرب (رغب، 2011). فهناك من تحدّث عن تسليع الشركة للتراث[5]، تحديداً المواقع الأثرية أو الأبنية التراثية، ممّا يعبر عن مقاربة سطحية لهذا التراث مبنيّة على الجانب الجماليّ والنوستالجيا. كما تمّ تسليط الضوء على نهج الشركة الانتقائي حيث تمّ التركيز على بعض الحقبات التاريخية، لا سيما حقبة الفينيقيين، في موازاة طمس ذاكرة الحرب المنفّرة للمستثمرين.

وبرزت الشقوق التي تركتها المقاربة أعلاه على ذاكرة الفئات الاجتماعية للمجتمع. في هذا السياق، تحدّثت صوالحى (2010) عن أصحاب حقوق الملكية والفنانين الذين يتذكّرون أماكن ومساحات وسط المدينة عبر تجاربهم الشخصية فيها، والذين راحوا يعبّرون عن هذه الذكريات في مقالات صحافية أو أفلام كصرخة احتجاج ضدّ إقصائهم من عملية إعادة الإعمار. في المقابل، درس لاركن (2010) ذاكرة وتخيّل الوسط التجاري لدى الشباب اللبناني بعد مرور أكثر من عقد على انطلاق مشروع سوليدير. فبدا أنّ الشباب يتوقون إلى الحصول على وسط مدينة شامل نابض بالحياة، ويصف لاركن كيف لجأ الأفراد الذين قابلهم إلى أحياء أخرى في بيروت كوسط بديل لهم. فشباب الألفية الثالثة لا يقصدون الوسط التجاري حيث يرون أنفسهم مجرّد متفرّجين في منطقة تم إقصاؤهم منها، فتبقى هذه المنطقة متجلّية في خيال يدور حول الخسارة والانتماء والدّمار.

التحرّكات الاجتماعية ضدّ المشروع: معارضة تشبه سوليدير؟

لم نجد في سياق بحثنا أدبيّات نُشرت في التسعينيّات وركّزت على التحرّكات الاجتماعية المعارضة لسوليدير باستثناء مقالة واحدة لأسيل صوالحى (1997). في المقابل، نشرت بعد العام 2000 مقالات عدّة سعت إلى تحليل هذه التحرّكات وتحديد الفاعلين فيها والموارد التي استخدمتها والخطاب الذي اعتمدته. جادل شميد (2006) بأنّ محاولات الوقوف في وجه المشروع ساهمت في تعزيز المجتمع الديمقراطي. فتنظيم مختلف المجموعات التي اعتمدت وسائل غير عنيفة لإيصال مطالبها كان الأوّل من نوعه بعد الحرب. وقد رسم شميد لوحة ظهرت فيها معارضة سوليدير على أنّها تحمل خطاب العصر الذهبي الذي تجسّده الأبنية التراثية مقابل سوليدير وتصميمها للوسط المستقبلي والذي يندرج في خطاب الحداثة. ولم يكن للمعارضة الموارد لنشر أفكارها مقارنة بسوليدير التي شنّت حملة إعلامية واسعة. وفي مقالة له، جزّأ هادي مكارم (2015) المعارضة إلى ثلاث فئات: أصحاب الأملاك/المستأجرون و”محتلّو” الأبنية وأصحاب الاختصاص، ليبرز كيف عمدت سوليدير عبر رأسمالها إلى إجهاض أيّ محاولة لتغيير جوهر المشروع. وحلّل حوراني (2011) المبادرات المعارضة لسوليدير في سياق حجّته الرئيسية وهي أنّ مشروع سوليدير كما المعارضة ضده عملا على أساس المنطق النيوليبرالي. بحسب حوراني، زادت التغيّرات التي أدخلت إلى المخطّط التوجيهي تحت ضغط المعارضين من حدّة تسليع مساحات الوسط بدل من أن تخفّف منها. وبما يخصّ المعارضة، اعتبر حوراني أنّ جهود فريق جاد تابت في إعادة تجّار ما قبل الحرب إلى الأسواق لم تتجاوز المنطق النيوليبرالي، حيث بقي الرّبح معياراً أساسياً في مسعى إنقاذ هويّة الأسواق هذه.

احتضار الأدبيّات حول سوليدير مع احتضار الوسط؟

يظهر رصدنا انخفاضاً في عدد الكتب والمقالات الأكاديمية التي تتناول مشروع سوليدير بعد العام 2015، وذلك بالتوازي مع احتضار وسط بيروت الذي بات مدينة أشباح ابتداءً من العام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري تنتظر الازدهار الاقتصادي الذي وعد به مناصرو هذا المشروع. وعادت بعض الأدبيّات في هذا الشأن لتبرز بالتوازي مع كلّ إعادة إنعاش لمساحات الوسط مع التحرّكات الاجتماعية التي شهدتها البلاد. فقد صدرت بعض المنشورات في هذا الخصوص تبعاً لحراك “طلعت ريحتكم” في صيف 2015 لا سيّما مقالة بعنوان “Ghosts, Memory, and the Right to the Divided City: Resisting Amnesia in Beirut City Centre” لجون ناجل John Nagle (2017). كما لحق اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 صدور مقالة نشرت في آب 2020 تعمّق فيها دين شارب Deen Sharp في الدّور الذي يمكن أن يؤدّيه التخطيط المدني في تصالح فئات المجتمع بعد الحرب، مجادلاً بأنّ مشروع سوليدير امتداد للحرب أكثر ممّا هو انقطاع عنها.

خلال ثلاثين عاماً، تنوّعت مقاربات الكتّاب لموضوع إعادة إعمار الوسط التجاري والحجج النقدية بشأنه. شهد العقد الأول تحوّلاً من نقاش قانوني يندّد بعدم ليبرالية المشروع ونقاش معماري يرى في سوليدير تلبية لحاجات الأثرياء حصراً، في اتجاه نقاش حول خصخصة الآثار في موازاة تهميش الرأي العام في عملية اتخاذ القرارات. وبعد التسعينيّات، انشغل الكتّاب بإشكاليّات الذاكرة والتراث ودورها في تعزيز انقسام المجتمع بعد الحرب، وذلك في سياق النيوليبرالية التي لا تخلو هذه الكتابات من تباين حول مفاهيمها الجوهرية.

[1] رلى إبراهيم، “شورى الدولة: مرسوم التمديد لسوليدير باطل”، جريدة الأخبار، 6/11/2020: https://al-akhbar.com/Politics/296072

[2] المصدر نفسه.

[3] تجدر الإشارة إلى أنّه تمّ انتقاء المنشورات المشمولة في عملنا هذا على أساس تمكّننا من الحصول عليها. 

[4] الوسيلتان الأخريان هما تثبيت سعر صرف العملة الوطنية على الدولار الأميركي والسيطرة على الوزارات والمؤسّسات العسكرية.

[5] ظهرت حجّة تسليع سوليدير للتراث للمرّة الأولى في مقالة لساري مقدسي نُشرت العام 1997.

انشر المقال



متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، أملاك عامة ، البرلمان ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تشريعات وقوانين ، حراكات اجتماعية ، سلطات إدارية ، قطاع خاص ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مرسوم ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *