251 سجينا ينتظرون تشريعاً إلكترونياً وعفواً خاصاً من رئيس الجمهورية: جهود محدودة للتخفيف من “التجمّعات القسرية” في زمن الكورونا


2020-03-28    |   

251 سجينا ينتظرون تشريعاً إلكترونياً وعفواً خاصاً من رئيس الجمهورية: جهود محدودة للتخفيف من “التجمّعات القسرية” في زمن الكورونا

كشفت وزيرة العدل ماري كلود نجم للمفكرة القانونية عن خطوتين مهمتين على طريق السعي لتخفيف الإكتظاظ في السجون ستؤديان في حال وصولهما إلى الخواتيم المرجوة إلى إطلاق سراح نحو 250 سجينا خلال فترة قد لا تتعدى الأيام. ويتوزع هؤلاء على من أنهوا محكومياتهم وما زالوا محتجزين بسبب غرامات مالية يعجزون عن تسديدها (111 سجيناً)، إضافة إلى سجناء قاربت أحكامهم على الإنتهاء وبقي منها من شهر إلى أربعة أشهر فقط ( 140 سجيناً). وتأتي الخطوتان من ضمن سلسلة إجراءات تقوم بها الوزارة سعيا لتخفيف الإكتظاظ في السجون ونظارات التوقيف في ظل أوضاع التعبئة العامة التي أقرتها الحكومة لمواجهة إنتشار فيروس كورونا في لبنان.

ووفق نجم، "من المرجّح أن يخرج المستفيدون المدرجون تحت الفئة الأولى (ممّن انتهت محكومياتهم) بقانون يقرّ في مجلس النواب، بينما يصدر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عفواً خاصاً عن كل سجين من الفئة الثانية"، ناقلة عن الرئيس عون استعداده لإصدار هذا العفو الخاص. وتوقعت نجم، وفقاً للآلية التي شرحتها للمفكرة "أن تكون ملفات الفئة الثانية (ممن بقي لهم من شهر إلى أربعة اشهر لإنهاء محكوميتهم) أمام رئيس الجمهورية في الأيام القليلة المقبلة". ولفتت إلى أنه سيتم "تحضير ملفات إضافية لمن بقي لديهم ستة أشهر لإنهاء محكوميتهم لتقديمها إلى رئيس الجمهورية أيضاً، لكننا سنعمل بالتدرج وفق المدد". ودستوريا، يصدر رئيس الجمهورية عفوا إسميا لكل سجين، إذ لا يتيح الدستور للرئيس إصدار عفو عن سجناء في وضعية معينة من دون تسميتهم.

وبالنسبة لكيفية إقرار قانون إعفاء من أنهوا محكومياتهم من الغرامات المالية في ظل عدم انعقاد جلسات مجلس النواب، أشارت وزيرة العدل إلى احتمال عقد جلسة للمجلس خلال الأسبوع المقبل "إلكترونيا"، وفق ما نقلته عن رئيس الحكومة حسان الدياب: "لقد أبلغني الرئيس دياب بأن مجلس النواب يبذل المساعي لعقد جلسة تشريعية عبر الإنترنت بسبب الوضع الصحي في البلاد والتعبئة العامة الناتجة عنه إثر انتشار فيروس الكورونا". وعليه، توقعت وزيرة العدل "أن يدرج البرلمان مشروع قانون "إعفاء المحكومين الذين أمضوا مددة عقوبتهم من الغرامات" في جلسته الأولى التي ستعقد في الظروف الراهنة".

ويهدف مشروع القانون هذا، والذي أحالته الحكومة بمرسوم يحمل الرقم 6208 بصفة "معجّل"، ومن بين خطوات أخرى، إلى "تخفيف الإكتظاظ في السجون".

وفي موضوع رفع الملفات إلى رئيس الجمهورية وتقديمها لإصدار عفو خاص، أرسلت نجم كتاباً إلى وزير الداخلية محمد فهمي تطلب فيه مراسلة مديرية السجون لتزود وزارة العدل بملفات أصحاب من تبقى لهم محكوميات لا تتعدى الأربعة أشهر مع خلاصات الأحكام وإفادات السلوك، وبأكبر قدر من السرعة الممكنة، بالإتفاق مع الوزير فهمي. ثم عقدت اجتماعات مع رئيس مجلس القضاء الأعلى (القاضي عبود) والمدعّي العام التمييزي (غسان عويدات) للبحث معهما بالسير في إجراءات رفع الملفات للمعنيين ومعهم ملفات المسنين المحكومين الذين تجاوزوا 75 عاماً وعددهم نحو تسعة سجناء لرفعها ضمن آلية سريعة أيضاً إلى رئيس الجمهورية.

 

إخراج 251 من أصل 7066 لا يحل اشكالية الإكتظاظ

ولكننا نتحدث عن 251 سجيناً فقط، فأي اكتظاظ سنخفف من بين 7066 سجينا يقبعون في السجون وفق إحصاءات وزعتها نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس إثر زيارة السجون في 22/12/2020؟ وبظروف تفتقر إلى المعايير الحقوقية والإنسانية للإحتجاز؟

تجيب نجم على هذا السؤال بالقول: "هذا ما يمكن فعله قانونيا ودستورياً حالياً. أما الحل الذي يطالب به السجناء وذووهم والمتمثل بإقرار قانون العفو العام، فهو من شأن  مجلس النواب وصلاحياته". وترى نجم أن أي قانون للعفو العام "يجب أن يدرس على أسس سليمة ووفق معايير موضوعية تعالج الأوضاع إنسانيا وإجتماعياً، ليخرج من السجن من يجب إخراجه وليبقى فيه من يجب إبقاؤه". وبعدما أكدت أنه لا يمكن فرض ما يجب القيام به على مجلس النواب، شددت على ضرورة عدم إقرار قانون عفو "يعفو عن جرائم الفساد وغيرها من الجرائم الخطيرة". وكانت "المفكرة" قدمت أفكارا إضافية، أهمها تعليق العمل بأحكام التوقيف الإحتياطي عن الجنح (أي الجرائم التي تصل عقوبتها القصوى إلى 3 سنوات) المرتكبة قبل تاريخه، مما يؤدي إلى الإفراج عن قسم كبير من الموقوفين احتياطيا وما يزالون في إطار المحاكمة (والذين يبلغ عددهم الإجمالي 50% من مجموع سكان السجون). فمن شأن هذا الاقتراح أن يخفف عدد الموقوفين بشكل ملحوظ من دون أن يؤدي إلى إسقاط الملاحقات ضدهم والتي يمكن متابعتها وهم غير محتجزين. كما طالبت "المفكرة" بعفو عامّ عن العقوبات السجنية في جرائم الجنح، بهدف الوصول إلى هذا الأمر، وعملا بمبدأ تخفيف المخاطر.

 

إخلاءات سبيل "قليلة" للموقوفين احتياطياً في قضايا الحق العام بالطريقة الإلكترونية

إلى ذلك، تحدثت نجم عن خطة ضمن وزارتها وبالتنسيق مع الهيئات القضائية للتخفيف من الإكتظاظ في السجون ونظارات التوقيف "التي تحولت في بعض الأحيان إلى سجون نظراً لطول بعض مدد التوقيفات"، من دون أن تخفي تلميحها إلى البطء في التقدم في ملفات الموقوفين. وقد سلكت بعض هذه الخطوات طريقها إلى التنفيذ وعلى رأسها "التقدم بطلبات إخلاء سبيل موقوفين في قضايا الحق العام إلكترونيا أو ببرقية أو عبر اتصال هاتفي. كما أصدر كل من رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود والنائب العام التمييزي غسان عوديات تعميمين في هذا الإطار، وبدأ العمل بهما وأتيا بنتائج عملية أدت إلى اتخاذ القضاة قرارات بالإفراج عن موقوفين الكترونيا للمرة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني"، وفق ما قالت الوزيرة نجم. وتجري عملية تقديم طلبات إخلاء السبيل الكترونيا بالتنسيق مع نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس وعبر الخط الساخن ولجنتي المحامين الخاصتين بالسجون في النقابتين، وعدد من المحامين المتطوعين لإنجاز المهمة.

وفي حصيلة الأسبوع الأول لتقديم طلبات إخلاء السبيل وبتّها بالوسيلة الإلكترونية، وثقت غرفة عمليات نقابة المحامين في بيروت ورود 937 طلب إخلاء سبيل وأرسلت أصولاً للقضاة المعنيين. ومن ضمن هذه الطلبات، طلبات تتصل ب 59 من الأحداث الموقوفين. وقد أخذنا علما بصدور 164 قرارا في هذه الطلبات، من دون أن تعلن غرفة العمليات في النقابة اتجاهها إيجابا أو سلبا.

وعلى صعيد نقابة المحامين في طرابلس، أعلمنا مقرر لجنة السجون فيها المحامي محمد صبلوح بصدور 70 قرارا إيجابياً بتخلية سبيل موقوفين من بين 420 طلب تم تقديمها لغاية مساء الجمعة 27 أذار 2020. وأكد ورود 120 طلبا جديداً إلى النقابة وسيتم تقديمها للقضاة المعنيين بداية الأسبوع المقبل. وتم وفق صبلوح الإفراج عن 90% ممن تمت الموافقة على إخلاء سبيلهم وصاروا خارج السجون، فيما ينتظر البقية إنجاز بعض الأمور الأخرى العالقة في ملفاتهم، كوجود قضايا أخرى ملاحقين بها. وعلى صفحته على فايس بوك، أعلن نقيب محامي طرابلس محمد مراد عن إطلاق أول دائرة تحقيق الكتروني في قصر عدل طرابلس برئاسة قاضي التحقيق الأول في الشمال سمرندا نصّار بالتعاون مع غرفة الخط الساخن في النقابة.   

 

حصيلة طلبات وقرارات إخلاء السبيل في الأسبوع الأول

لإطلاق العمل الإلكتروني

الإجراء

طلبات إخلاء السبيل

قرارات بت في طلبات إخلاء السبيل

نسبة القرارات الإيجابية

تنفيذ فعلي لقرارات إخلاء السبيل

النقابة

بيروت

937

بت القضاة ب 164 طلبا

غير متوفر

غير متوفر

طرابلس

420

70

100%

90% ممن تمت الموافقة على إخلاء سبيلهم

 

 

وعن الصعوبات التي يواجهها المحامون خلال تطبيق هذا الإجراء، أشار صبلوح للمفكرة إلى صعوبات جمّة تواجه عمل محاميّ الشمال في قصر عدل بعبدا في ملفات تعود لموقوفين من طرابلس وعكار، وهي تتمثل بغياب شبه تام للموظفين في قصر عدل بعبدا، وعدم قبول من يداوم من الموظفين بتلقي المراجعات أو تلبية المحامين بالمعلومات. وقد أعلمت نقابة طرابلس رئيس مجلس القضاء الأعلى بهذا الأمر ووعد بمعالجته. وهنا أصرّ صبلوح على الثناء على موظفي قصر عدل طرابلس الذين حضر بعضهم خصيصا من خارج مناوبته للمساعدة في تسيير طلبات إخلاء السبيل. كما تحدث صبلوح عن صعوبات أخرى تمثلت بورود بعض طلبات إخلاء السبيل ناقصة وتفتقد لمعلومات مهمة في الملف. ويرتب هذا النقص على المحامين "العودة إلى الطلبات من النيابة العامة، من بداية تأسيس القضية، إلى قاضي التحقيق إلى الهيئة الإتهامية إلى محكمة الجنايات والغرفة المحددة لكل طلب في غرف الجنايات، لفرزها إلى جنايات وجنح". وهذا ما أكد عليه محامون في غرفة عمليات نقابة بيروت الذين أفادوا بتعرضهم لمشاكل مشابهة.

وأشار المحامي عصام خوري من لجنة المحامين الخاصة بالسجون في بيروت إلى تلقي اللجنة طلبات إخلاء سبيل في دعاوى الحق الشخصي أيضاً، أي تلك التي يوجد فيها ادعاء شخصي، لافتاً أنه لا يجري وضع هذه الطلبات حالياً في تقارير عمل غرفة العمليات. وأوضح أن هناك إشكالية في إبلاغ محامي المدعي ومنحه مهلة 24 ساعة لإبداء ملاحظاته، مؤكدا أنه يتم الإكتفاء حاليا بدعاوي الحق العام بانتظار التداول الذي يجري بين نقابتي المحامين ووزارة العدل حول إمكانية الإنتقال إلى الدعاوى في الحق الشخصي أيضاً. ونوه خوري بتجاوب المحكمة العسكرية مع لجنة المحامين الخاصة بالسجون، لافتاً إلى "أن تقديم طلبات إخلاء السبيل يتم بالإيميل لدى قضاة التحقيق العسكري، أما الطلبات للمحاكم العسكرية فما زالت تقدم باليد". 

 

استجواب إلكتروني في قضايا الحق العام

وكخطوة إضافية لتخفيف الإكتظاظ في السجون، تعمل وزارة العدل على وضع اللمسات الأخيرة لمباشرة استجواب قضاة التحقيق الكترونيا للمحتجزين بإشارة من النيابة العامة. وكشفت نجم أن مجلس القضاء الأعلى سيرسل كتباً للرؤساء الأول في المحافظات لتحديد أماكن تواجد المحتجزين وفي أي محاكم وتفاصيل ملفاتهم. كما أكّدت أنها سترسل إلى التفتيش القضائي طلباً للتفتيش حول مدى التزام "القضاة في تسريع النظر في ملفات الموقوفين وبخاصة في هذه الظروف". وأكدت "أن لا شيء يمنع القضاة من استجواب الموقوفين إلكترونياً".

وعليه، تم تجهيز دوائر التحقيق بجهاز كمبيوتر وإشتراك إنترنت "وسيكون هناك مداورة بين قضاة التحقيق حيث يحضر القاضي المناوب إلى الغرفة المجهزة ويقضي يوم العمل في إنجاز الملفات المدرجة في جدوله ويأخذ القرارات التي يراها مناسبة وفقا لنتيجة الإستجواب الذي يجريه الكترونياً".

 

 كما سيتم إيجاد الآلية المناسبة لإبلاغ وكلاءهم القانونيين لدى استجواب المحتجزين الكترونيا.

خلاصة

تبعا لذلك، ورغم أهمية الجهود المبذولة سواء على صعيد العفو العام أو الخاص أو على صعيد المحاكم، فإن نتائجها تبقى محدودة بالنسبة إلى معضلة تكدس السجناء في زمن الكورونا. فكما أشارت "المفكرة" في مقال نشر أمس، تصل نسبة إشغال السجون حاليا إلى 185% من قدرتها الاستيعابية، مما يفرض الإفراج عن 3200 سجينا وموقوفا بالحد الأدنى ليصبح عدد القاطنين فيها معادلا لما صمّمت أصلا لاستيعابه. هذا مع العلم أنه في أزمات كهذه يتوجّب أن يكون عدد السجناء والموقوفين أقل من الحدّ الذي يسمح للسجون استيعابه عادة درءاً لتفشي الوباء وانتشاره. فكيف يمكن أن تحذر الحكومة من خطورة اجتماع أكثر من شخصين في أي مكان، فيما لا تجد حرجا في تكدس آلاف الأشخاص رأسا على عقب ضمن تجمعات قسرية داخل السجون؟ فألم يحن الوقت أن يخرج التفكير العام في هذه المسألة من أطره الضيقة في اتجاه اعتماد إجراءات وربما قوانين تكون على مستوى ما تستدعيه الأزمة من تحديات؟ ألم يحن الوقت لوضع سياسات تأخذ بعين الاعتبار حقوق جميع المواطنين بالصحة والحياة من دون أي تهميش أو طبقية؟

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *