10 آلاف محتجز في علب سردين في زمن الكورونا: سياسة منع التخالط تغفل السجون


2020-03-17    |   

10 آلاف محتجز في علب سردين في زمن الكورونا: سياسة منع التخالط تغفل السجون

شهدت أمس السجون اضطرابات عدة ما يزال العديد منها مستمرا حتى الآن. وقد حرك المساجين شعور بأنهم تركوا وحدهم لمواجهة خطر الكورونا بعدما لم تعِر الدولة أي اهتمام لتكدسهم في غرف السجن والزنازين. وفيما يظهر قضاة ومحامون محاولاتهم لتخفيف عدد الموقوفين أو خروج بعض المحكومين الذين لم يسددوا غراماتهم، تبدو المشكلة أكبر بكثير. السؤال الذي تطرحه "المفكرة" في سياق متابعتها للسجون: "هل يمكن أن تعالج المسألة حالة فحالة في ظل خطاب عن خطورة انتشار فيروس الكورونا وما يسببه من تهديد اجتماعي واسع؟ ألا يجدر أن يأخذ الموضوع منحى تشريعيا سريعا، كأن يعلق العمل بأحكام التوقيف الاحتياطي في جميع الجرائم ما عدا الجرائم الأكثر خطرا ويعطى عفو عام فوري عن الجرائم الجنحية المقيدة للحرية؟ فألا يقتضي في الظروف الحالية تغليب الحق بالحياة على ضرورة العقاب، أقله في الجرائم التي تبقى خطورتها فيها محدودة نسبيا، عملا بمبدأ تخفيف المخاطر harm reduction؟ أسئلة تطرحها "المفكرة" طالبة إجابات واضحة عليها. فالدولة لا تستحق اسمها إلا حين تحترم كرامات مواطنيها من دون استثناء (المحرر).

 

بلغت قرارات مجلس الوزراء المنعقد في القصر الجمهوري في بعبدا بتاريخ 15/3/2020، أربع صفحات أعلنت فيها التعبئة العامة وسلسلة إجراءات خاصة بالوضع الحالي في ظل وباء الكورونا في لبنان والعالم. إجراءات استندت في معظمها على المرسوم الإشتراعي الرقم 52/1983، والذي يجيز إعلان حالة مماثلة. ويتركز معظم هذه الإجراءات على كيفية تجنب التجمعات الطوعية ومنعها، من دون أي بند خاص بالتجمعات القسرية المفروضة في 25 سجن و261 نظارة في لبنان (وفق إحصاء نقابة المحامين إثر زيارتها السجون في 22/12/2019). السجون والنظارات نفسها معروفة باكتظاظها المخالف لأبسط معايير حقوق الإنسان وللمعايير الدولية المطبقة في أماكن التوقيف والإحتجاز وظروفها.

هذا الوضع فجّر الأوضاع بين المساجين والموقوفين الذين يراوح عديدهم حول 10 آلاف شخص يتوزعون على 7 آلاف و66 سجينا في 25 سجن و2408 موقوفين في النظارات (يتغير الرقم عادة)، وأنتجت إضراباً عن الطعام في السجون الرئيسية وعلى رأسها سجون روميه المركزي والقبة وزحلة، وهي أكبر السجون في البلاد. ووصل الإلتزام بالإضراب، وفق ما أكد سجناء للمفكرة، إلى أكثر من 90% "إذ وحدهم المرضى والمسنون لم يضربوا عن الطعام". وفيما اعتبر بعض الوزراء في الحكومة من المعنيين بالسجون في إطلالات تلفزيونية أن السجناء في "حجر تلقائي بعيداً عن الكورونا"، وزع السجناء فيديوهات على وسائل التواصل الإجتماعي تبين حجم الإكتظاظ سواء في الزنازين والنظارات حيث ينامون "كما علب السردين، راس وكعب"، وفق وصفهم. وبينت الفيديوهات كيف يدوس السجين على أجساد السجناء الأخرين عندما يريد التنقل في السجن، وسط سعال كثر من حوله. وأبرزت الصور أيضا تكوم الأوساخ والنفايات وافتقاد معايير النظافة في بعض الأماكن المخصصة للتوقيف والسجن.

وتركزت مطالب السجناء على "العفو العام" كما تبرز الفيديوهات لانتفاضتهم من باحات السجون الثلاثة في رومية والقبة وزحلة، وعلى حقهم في معرفة الإصابات بالكورونا في صفوفهم. وكانت السلطات القيمة على سجن زحلة قد منعت السجناء من الخروج من غرفهم اليوم الإثنين في 16 آذار 2020، ولكن هؤلاء استغلوا إدخال الطعام الصباحي إلى الزنازين ليبدأوا القرع على الأبواب والهتاف والصراخ ومن ثم الخروج لفتح الزنازين الأخرى. وشدد السجناء أيضاً على ما أسموه "مظلومية" الذين أنهوا محكومياتهم وما زالوا قيد الإحتجاز بسبب غرامات مالية تترواح بين 7 و15 مليون ليرة، معتبرين استمرار سجنهم بمثابة "إعدام وظلم". المظلومية نفسها أطلقها هؤلاء على أوضاع المساجين عامة "يتركونا نروح نضب عائلاتنا وأولادنا وننتبه لأهلنا، ما بدي نموت بالسجن، برا ع القليلة منبقى ببيوتنا مش متل السجن الراس ع الراس والنفس ع النفس". وقال أحد السجناء من سجن القبة ل "المفكرة": "أنا محكوم خمس سنين مش إعدام، إبقاؤنا في السجون هو إعدام لنا وهذا مخالف للقانون". وغيّر بعض السجناء صورة بروفايلهم على وسائل التواصل الإجتماعي ليضعوا صورة سجين مع عبارة "عندما يكون الظلم قانونا يكون التمرد واجباً".

مصادر وزارة العدل أفادت المفكرة أن وزيرة العدل ماري كلود نجم تبحث في السبل القانونية التي تسمح بالإفراج عن من قضوا محكومياتهم وما زالوا في السجون بسبب عدم قدرتهم على دفع الغرامات المالية المستحقة للدولة. كما أفاد نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف المفكرة أن النقابة بحثت مع وزيرة العدل في المادة 67 من موازنة 2019 التي تنص على إعفاء (ولمرة واحدة) من أنهى محكوميته من الغرامة المتوجبة عليه للدولة. ويرى النقيب خلف أنه يمكن "تطبيق هذه المادة من دون الحاجة إلى قانون في مجلس النواب كونها صدرت في قانون، ويمكن تطبيقها على الذين أنهوا محكوميتهم في 2019 وما قبلها، ولا تشمل من أنهوا تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم في 2020".

 

طلب إخلاء سبيل ببرقية أو اتصال هاتفي

وفي اتصال مع المدعي العام التمييزي غسان عويدات أمس، أوضح أن "لا إصابات في السجون والنظارات حتى الساعة"، مشيراً إلى أن النيابة العامة تعمل ما بوسعها لمواءمة العمل والإجراءات في ظل الوضع المستجد نتيجة وباء الكورونا، مع مراعاة أسس العدالة المطلوبة واستتاب الأمن والإنتظام العام. وعليه "من المؤكد أن هناك نائبا عامّا سيكون متوفراً في كل منطقة إما على الهاتف أو في مكتبه "وهذا أمر متروك للنيابات العامة تنظيمه مع دوامات موظفيها في أقلامهم". ولفت عويدات إلى أنه عمم بإرجاء الشكاوى والدعاوى وتعليقها، بالإضافة إلى عدم التشدد في موضوع التوقيفات حالياً وتسهيل البت في تقديم طلبات إخلاء السبيل وتنفيذها باستثناء الجرائم الكبيرة. 

وأشار القاضي عويدات أن النيابة العامة التمييزية أصدرت التعميم الرقم 65/ص/2020، والذي يطبق لغاية 29/3/2020، قابل للتجديد، والذي ينص على "عدم سوق السجناء والموقوفين إلى الدوائر القضائية خلال هذه الفترة، السماح للموقوفين والسجناء الإتصال بذويهم إما باستعمال بطاقات الهاتف (تيليكارت) أو باستعمال الهاتف الأرضي في النظارات بإشراف المسؤولين مع الإلتزام بمتطلبات الصحة العامة، والإفساح في المجال لتقديم طلب تخلية السبيل بموجب برقية أو هاتفياً، على أن تعطى المكالمة الهاتفية رقم سجل ذمّة وتسجّل كأنها طلب خطي. ويمكن إعطاء الأمر بتخلية سبيل الموقوف باتباع الإجراء نفسه على أن توضع الكفالة في حال تقررت قلم السجن أو النظارة لقاء إيصال أو إشعار ويتم إيداع المبلغ لاحقا في المالية".

وفي ما يخص المواجهات سمحت النيابة العامة التمييزية المقابلة من دون إذن خطي ولفرد واحد من عائلة السجين أو الموقوف من وراء الحاجز الزجاجي وتبعا لإجراءات الصحة العامة.

 

وزارة العدل: دوام بالحد الأدنى

من جهتها، أصدرت وزير العدل سلسلة تعاميم بتاريخ 16/3/2020 علقت بموجبها الجلسات لغاية 29/3/2020 ضمنا في المحاكم والدوائر القضائية كافة، واستمرار المراجع القضائية الجزائية في البت بطلبات تخلية السبيل وفقا لتعاميم مجلس القضاء الأعلى وعن النيابة العامة التمييزية.

ووفق تعاميم وزيرة العدل، تعمل كل من مصلحة إصلاح الأحداث المنحرفين ومصلحة الطب الشرعي والأدلة الجنائية يوما واحداً في كل من الأسبوعين من 16 لغاية 29/3/2020. ويكون العمل في جميع الهيئات والمديريات والمصالح من التاسعة صباحا لغاية الواحدة والنصف من بعد الظهر.

 

نقابة المحامين: "سلامة السجناء من سلامة المجتمع"

يؤكد نقيب المحامين ملحم خلف ل "المفكرة" أن النقابة أنشأت غرفة عمليات لمتابعة الأوضاع المستجدة نتيجة تفشي وباء الكورونا والحد من إنتشاره، ومن ضمنها وضع السجون والنظارات والسجناء والموقوفين. وتتركز الحملة على متابعة كل طلبات إخلاء السبيل، والطلب من مجلس القضاء الأعلى البحث في إمكانية عقد الجلسات التي كانت مقررة في الأسبوعين المقبلين في محكمة روميه النموذجية للبت بقضايا الموقوفين والمحكومين. وأشار خلف إلى أن نقابة المحامين أخرجت من السجون نحو 80 سجينا ممن أنهوا محكومياتهم وأبقي عليهم محتجزين نتيجة غرامات مالية. "دفعنا عنهم هذه الغرامات ولم يبقَ سوى 120 سجينا أنهوا محكومياتهم وعليهم غرامات مرتفعة تراوح بين 7 إلى 15 مليون ليرة لبنانية". ويمكن الإستفادة من المادة 67 من قانون موازنة 2019 لإخراج من يشملهم العفو من دفع الغرامة وفق هذه المادة "وهذا ما نبحثه مع وزيرة العدل".

وعلى صعيد تعقيم السجون والنظارات، تتواصل النقابة مع شركات التعقيم وشركات تصنيع أدوات ومساحيق التنظيف والتعقيم اللبنانية لتعقيم السجون والنظارات كافة، ولتأمين مواد التنظيف من "ديتول وكلوروكس ومياه الجافيل" للمساجين مع أدوات التنظيف من مماسح ومناشف وأوعية يحتاجها المساجين والموقوفون في تنظيف أماكن احتجازهم. ويلفت النقيب خلف إلى تجاوب كبير من قبل الشركات "وسنخزن هذه المواد في مبنى النقابة لتوزيعها عبر المحامين المتطوعين على مستحقيها في السجون والنظارات".

ويشير خلف إلى تجند المحامين في المناطق اللبنانية كافة "وهذا منذ زيارتنا للسجون في 22/12/2020، ويستمر اليوم، لرصد من أنهوا محكوميتهم ودفع الغرامات عن البعض والسعي لإخلاء من تبقى حتى الآن كما سبق وتحدثنا، وكذلك تفعيل المعونة القضائية حيث تم تأمين 180 محام حتى اليوم ل 180 موقوفا وما زلنا نعمل لتأمين محامين لنحو 120 موقوفا حيث رصدنا وجود نحو 300 موقوف من دون محامين يتولون قضاياهم".

وفي المستوى الثالث من حملة نقابة المحامين تحت شعار "سلامة السجناء من سلامة المجتمع"، تم توثيق حالة السجون في 25 تقرير عن 25 سجن في لبنان، ويجري التعاون مع نقابتي الأطباء والمهندسين للمساعدة في حالات الأمراض المزمنة وغيرها (بالنسبة للأطباء) ولتحسين الوضع الهندسي للسجون والترميم بالنسبة للمهندسين". وكشف النقيب خلف أنه يتم تسريع العمل على هذه المستويات كافة حاليا "فالنقابة تحولت إلى خلية نحل".  

 

 

  • مقالات ذات صلة:

هلع داخل السجون اللبنانية إزاء الكورونا: تخفيض عدد الموقوفين عملاً بسياسة تخفيف الأضرار

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *