صرف تعويضات لأهالي النوبة: هل يسدل الستار على قضيتهم؟


2020-02-24    |   

صرف تعويضات لأهالي النوبة: هل يسدل الستار على قضيتهم؟

قام رئيس مجلس الوزراء بالتعاون مع وزارة العدل الشهر الماضي بتنظيم احتفالية بمحافظة أسوان لتسليم أهالي النوبة المُهجرين والمتضررين من بناء وتعلية خزان أسوان، ومن بناء السد العالي بداية ستينيات القرن الماضي التعويضات التي أقرتها اللجنة الوطنية لصرفها لهم والمُشكّلة بموجب القرارين الوزاريين رقم 478 لسنة 2017[1] ورقم 371 لسنة 2019[2]. وتجدر الإشارة إلى أن صرف التعويضات جاء بالتوازي مع التجاهل التام من الدولة لتنفيذ “حق عودة” النوبيين لمناطقهم الأصلية المنصوص عليه في الدستور[3]. فعلى سبيل المثال، جاءت مقترحات اللجنة الوطنية لصرف تعويضات متضرري النوبة والمناط بها وضع القواعد والآليات التنفيذية للتعويض، من دون أي ذكر لحق العودة على الإطلاق أو طرحه كخيار أمام المتضررين ضمن خيارات التعويضات العينية أو النقدية التي تُطرح عليهم. كانت اللجنة قسمت المتضررين إلى ثلاث شرائح أولاً: السكان المتضررين من بناء وتعلية خزان أسوان وقد تقرر تمليكهم الأرض المُقامة عليها مساكنهم حالياً. ثانياُ: السكان المتضررين من بناء السد العالي ممن فقدوا مساكنهم وقررت اللجنة تخيرهم بين التعويض العيني بامتلاك وحدة سكنية من وحدات الإسكان الاجتماعي بأي من المحافظات، أو التعويض النقدي بواقع 225 ألف جنيه عن الوحدة السكنية أو الاستفادة من خطة الدولة المستقبلية للتنمية. وأخيراً، السكان المتضررين من بناء السد العالي ممن فقدوا أراضي زراعية وقد تقرر كذلك تخييرهم بين التعويض العيني بتملكيهم أراضي قابلة للزراعة بمساحات مماثلة لما فقدوه أو التعويض النقدي بواقع 25 ألف جنيه عن كل فدان أو الاستفادة من خطة الدولة المستقبلية للتنمية. أدى تهميش الحق الدستوري في العودة إلى انقسام في وجهات نظر لدى أهالي النوبة بين مؤيد ومعارض. فمن ناحية أولى، بثت قنوات التلفزيون الرسمي حفلة تسليم بعض أهالي النوبة التعويضات المقررة لهم، كتعبير رسمي من الحكومة المصرية على إنهاء قضية أهالي النوبة. ولكن من ناحية أخرى وجد بعض النشطاء النوبيين[4] أن ما جرى هو محاولة لتصدير صورة مغايرة للواقع مؤكدين أن قرارات الحكومة لم تستند على النص الدستوري وهو ما يعتبر وأداً للقضية لا حلها. يستعرض هذا المقال مجموعة السياسات والقرارات التي انتهجتها الحكومة المصرية لتقويض حق العودة منذ إقرار الدستور. ويفتح باب النقاش حول قابلية تنفيذ الالتزام الدستوري بالعودة خاصة في ظل موافقة بعض العائلات بمقترحات الدولة التعويضية.

مجموعة السياسات والقرارات الحكومية الخاصة بقضية النوبة

لقد بدأت قضية تهجير أهالي النوبة قسرياً من أراضيهم مع بناء خزان أسوان عام 1902 والذي تسبب في إغراق وتهجير الكثير من عائلات النوبة، ومن بعده التهجير الكبير الذي حدث جراء البدء في بناء السد العالي عام 1962. دستور 2014 الحالي هو الدستور الأول الذي ينص على حق أهالي النوبة في العودة إلى مناطقهم الأصلية، بعد حوالي مئة عام من التهجير، وهو ما مثل لهم طاقة أمل لعودتهم بالقرب من مناطقهم الأصلية حول بحيرة ناصر الحالية، وحماية تراثهم الثقافي. ولكن الحكومة لم تتخذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا الالتزام الدستوري، بل على العكس أصدرت قرارات تهدر هذا الحق وتجرد أهالي النوبة من أي حقوق متعلقة بالعودة مثل قرار رئيس الجمهورية رقم 444 لسنة 2014 الذي صدر بعد إقرار الدستور ببضعة أشهر بشأن تحديد المناطق المتاخمة لحدود مصر العربية والذي بموجبه تم تخصيص 16 قرية نوبية كمناطق عسكرية يحظر السكن فيها. وقد تضمنت هذه المنطقة منفذي رأس حدربة وأرقين، والطريق الأسفلت من منطقة حجر الشمس وحتى منفذ قسطل بطول 35 كيلو متر[5]. هذا بالإضافة إلى قرارات رئيس الجمهورية أرقام 355 و498 لسنة 2016 والخاصة بتخصيص أراضي بمساحة مليون ونصف فدان لإقامة مجتمع عمراني جديد وكذلك اعتبار مشروع الشريط السياحي بمدينة أسوان من أعمال المنفعة العامة وقد كان من بين هذه الأراضي المستهدفة المزيد من القرى النوبية التي من المفترض عودة السكان النوبيين إليها تنفيذاً للنص الدستوري[6]. وأخيراً، صدر قانون هيئة تنمية الصعيد عام 2018 بغرض وضع خطة للإسراع من التنمية الشاملة للصعيد والمناطق ذات الأولوية في التنمية، والذي أغفلت نصوصه أي ذكر لقضية أهالي النوبة وحقهم في العودة للسكن على ضفاف بحيرة ناصر[7]. وهو ما أدى إلى انقسام أعضاء البرلمان المصري حول قانون تنمية الصعيد ما بين مؤيد ومعارض. فمن ناحية، رأى بعض النواب المدافعين عن قضية أهل النوبة أن القانون يعصف بحق الأهالي في العودة، معتبرين القانون بمثابة انتهاك للنص الدستوري الذي يكفل لهم العودة وتنمية أراضيهم مضيفين أن القانون صدر في غياب كامل لنواب محافظة أسوان عن عمد، كما أن القانون لم يتضمن تفاصيل خاصة بآليات تنفيذ الفقرة الثانية من النص المادة 236 من الدستور الخاصة بالنوبة[8]. من ناحية أخرى، رأى نواب أخرون وعلى رأسهم رئيس المجلس “علي عبد العال” أن القانون في أصله هو قانون تنفيذي لنص المادة 236 من الدستور،[9] بمعنى أن القانون ينظم تنمية الصعيد بما فيها النوبة، مؤكدين أن الدستور لم ينص على عودة سكان النوبة وأن هذا خلاف على صياغة المادة 236 بالدستور، حيث صرح رئيس البرلمان أنه اعترض على صياغة لجنة الخمسين لهذه المادة، موضحاً أن دساتير العالم لا تعرف مثل هذه المادة إلا في الدساتير “المفخخة”[10]. وهو الأمر الذي يعكس توجها عاما داخل البرلمان نحو وأد القضية النوبية وعدم الاعتراف للنوبيين بأي حقوق تتعلق بالأرض وحلم العودة. ولكن في ظل كافة هذه الخلافات وإقرار التعويضات لا يزال هناك العديد من العائلات النوبية المتمسكة بالحق في العودة.

هل تلتزم الحكومة المصرية بالاستمرار في تنفيذ الحق الدستوري لبعض الأهالي المتشبثين بالعودة؟

تعكس قضية النوبة حال العديد من النصوص الدستورية التي لا تصدر أي تشريعات لتنفيذها على أرض الواقع. فقد جاء نص الفقرة الثانية من المادة 236 واضحة وصريحة لا تحتمل التأويل فيما يخص إعادة توطين أهالي النوبة، وليس كما أدعى رئيس البرلمان د. علي عبد العال. وهو الأمر الذي يعني أنه كان على الحكومة المصرية متمثلة في السلطة التشريعية العمل على البدء في سن القوانين التي تنفذ النص الدستوري الذي أعطى الدولة مهلة 10 سنوات ل “وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها…”؛ وذلك بما يتوافق مع متطلبات أهالي النوبة ونصوص المعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر وتم نشرها في الجريدة الرسمية بشأن حقوق الأقليات[11]. خاصة وأنه بالتزامن مع كافة القرارات التنفيذية المجحفة السابق سردها، كان أهالي النوبة يناضلون داخل البرلمان وخارجه من أجل إقرار قانون لحماية وتنفيذ الفقرة الثانية من المادة 236 من الدستور، مثل العمل على تشكيل لجنة تنمية النوبة عام 2014 تحت إشراف وزارة العدالة الانتقالية برئاسة إبراهيم محلب والتي انتهت بإعداد مقترح قانون الهيئة العامة لتنمية وتعمير مناطق بلاد النوبة القديمة، والذي جاء يُعرف أهالي النوبة بأنهم من تعرضوا للتهجير القسري من مناطق النوبة القديمة وبحيرة ناصر في المنطقة ما بين خزان أسوان والحدود المصرية السودانية، وينظم كذلك إنشاء لجنة للإشراف على تنمية وتعمير أراضي النوبة خلال المدة الدستورية المحددة بالعشر سنوات[12]. لكن هذا المحاولات لم ترََ النور بسبب رفض بعض الجهات السيادية إقراره لدواعٍ أمنية[13]. وبالتالي طعن بعض أهالي النوبة القديمة [14] أمام محكمة القضاء الإداري في مدى مشروعية قرار تخصيص أراضيهم كمناطق عسكرية المذكور سابقاً، لانتهاكه لصريح النص الدستوري. كانت هذه الخطوات بمثابة الملاذ الأخير بالنسبة لأهالي النوبة نحو العودة وإعادة توطينهم. فبالرغم من أن محكمة القضاء الإداري لم تفصل بعد في إلغاء القرار من عدمه، إلا أن الحكومة المصرية كانت اتخذت إجراءات تنفيذية لهذا القرار، وغيره من القرارات التي تمثل عائقاً قانونياً امام أهالي النوبة. وقد أدت هذه السياسات من تهميش إلى إهدار محاولات أهالي النوبة لحماية حقوقهم وحرياتهم، في ظل غياب كلي للرقابة القضائية. ومن جانبنا، نرى أن التعويضات العينية أو النقدية التي أقرتها الحكومة لا يمكن تداولها باعتبارها التزاماً بالوفاء الدستوري الذي يضمن العودة. فالتعويضات التي أقرتها الحكومة ما هي في حقيقتها إلا التفاف حول حق العودة، وأن توزيع النوبيين على مناطق جغرافية متفرقة بمختلف المحافظات يفاقم من احتماليات تفككهم المجتمعي ويساهم بشكل مباشر في اندثار الهوية واللغة النوبية في مصر. أما خارج البرلمان، فقد كان أهالي النوبة يعترضون بالطرق السلمية على الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع قضيتهم حاملين الدفوف، إلا أن الشرطة المصرية تصدت لهم باستخدام العنف وألقت القبض على أكثر من 32 مواطناً نوبياً فيما يعرف إعلامياً بمعتقلي الدفوف، وزج بهم جمعياً في السجون بتهم التظاهر من دون ترخيص وتكدير الأمن العام[15]. وهو ما يوضح أنه ليس لدى الحكومة المصرية النية في التفاوض على هذا الحق مرة أخرى وأن خيار التعويضات هو الحل الوحيد لسكان النوبة دون اعتراض. وأخيراً، لم يكترث أحد المسؤولين في توضيح بديل الاستفادة من خطط التنمية المستقبلية كخيار أمام سكان النوبة، وما إذا كان يعني ذلك توفير وتخصيص أراضٍ ومبانٍ في أراضي النوبة للسكان غير المتنازلين عن حقهم الدستوري في العودة من عدمه.

خاتمة

لا شك أن قرار تعويض النوبيين حول الحق الدستوري في حقهم والتنمية إلى مجرد منحة من الدولة علي الأهالي قبولها من دون اعتراض. ولكن من خلال ما أوضحناه، يبقى الكثير من أهالي النوبة متمسكين بهذا الحق ولا يعترفون بالتعويضات التي أقرتها الحكومة كبديل لإعادة التوطين، وإن تتكاتف السلطات عموما لتهميشهم سواء بالقبض عليهم وتلفيق التهم لهم أو بتسريع تمرير مزيد من القرارات التنفيذية المخالفة لهذا الحق والتي تجعل من حلم العودة شبه مستحيل خاصة مع بطء إجراءات التقاضي أمام المحاكم المصرية، والتي من الممكن أن تستمر لسنوات يخشى أن يكون تم خلالها انتزاع إذعان العديد من النوبيين وصولا إلى تغير معالم الأراضي النوبية ديموغرافياً.


[1] بشأن تشكيل لجنة برئاسة وزارة العدل لحصر أسماء المتضررين النوبيين الذين لم يسبق تعويضهم

[2] بشأن تشكيل لجنة لوضع قواعد وآليات تنفيذية لصرف التعويضات للمستحقين

[3] راجع المادة 236 من الدستور التي تنص على: “…وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الاصلية وتنميها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون”

[4] محمد عبد الله، نشطاء: مخالفات دستورية ودعاية كاذبة هل أغلقت تعويضات الحكومة المصرية أزمة أهالي النوبة؟، موقع قناة الجزيرة، 29-01-2020.

[5] راجع نص المادة 2 من قرار رئيس الجمهورية رقم 444 لسنة 2014 بشأن تحديد المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية والقواعد المنظمة لها.

[6] راجع نص المادة 1 من قرار رئيس الجمهورية رقم 355 لسنة 2016 بشأن إعادة تخصيص مساحة 992 فداناً من الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاستخدمها في إقامة مجتمع عمراني جديد، وكذلك قرار رئيس الجمهورية رقم 498 لسنة 2016 بشأن اعتبار مشروع الشريط السياحي بمدينة أسوان الجديدة محافظة أسوان من أعمال المنفعة العامة والاستيلاء على الأراضي اللازمة لتنفيذه.

[7] رنا ممدوح، حق العودة للنوبيين… ما بين الالتزام الدستوري وهيئة تنمية الصعيد، 20/05/2018، موقع مدي مصر

[8] محمد عبد الله، نشطاء: مخالفات دستورية ودعاية كاذبة هل أغلقت تعويضات الحكومة المصرية أزمة أهالي النوبة؟، موقع قناة الجزيرة، 29-01-2020

[9] رئيس البرلمان المصري يعارض مادة توطين النوبيين في الدستور، العربي الجديد، 14-05-2018.

[10] هشام عبد الجليل، رئيس البرلمان عن المادة 236 من الدستور: الشيطان يكمن في التفاصيل، 13/5/2018، اليوم السابع.

[11] مثل المادة 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية السياسية التي تحمي وتكفل حق الأقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة واستخدام لغتهم، كذلك أحكام الاتفاقية الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقبلية رقم 169 لسنة 1988.

[12]خالد محمود، تحطيم آمال النوبيين في العوة إلى قراهم، 13/8/2018، موقع صدي تحاليل عن الشرق الأوسط.

[13] رنا ممدوح، حق العودة للنوبيين… ما بين الالتزام الدستوري وهيئة تنمية الصعيد، 20/05/2018، موقع مدي مصر

[14] محكمة القضاء الإداري تنظر أولي جلسات الطعن على قرار 444 لسنة 2014 بشأن الأراضي النوبية، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 16-12-2018.

[15] من هم معتقلو الدفوف الذين يحاكمون في مصر؟، 12/12/2017، بي بي سي عربي

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني