البلديات والأحزاب تتسابق في استعراض فرق التعقيم: رش عشوائي يضرّ بالبشر والنّحل وليس بالكورونا


2020-03-31    |   

البلديات والأحزاب تتسابق في استعراض فرق التعقيم: رش عشوائي يضرّ بالبشر والنّحل وليس بالكورونا

سأل أحد المختصّين بسلامة الغذاء ومعاييره وهو يمرّ بالقرب من ورشة لبلدية في إحدى المناطق كانت بصدد "تعقيم النطاق البلدي" الخاص بها، "ماذا تستعملون كمواد تعقيم؟" بعد أن اشتبه بوجود رائحة كيميائية تفوح في الأجواء. فأعطاه موظف البلدية إسم الدواء ليكتشف أنه مبيد زراعي يضرّ بالإنسان.

كانت ورشة البلدية تلك تجوب شوارع المنطقة وطرقاتها التي تمرّ بين البيوت والمحلات. وعلى الفور بادر المختصّ إلى إبلاغ العنصر البلدي بضرر المبيد وبعدم علاقته بالتعقيم لمكافحة الكورونا، فجاءه الجواب كالصاعقة "كل البلديات عم ترش، قلنا مِنرش أحسن ما يقولوا عنّا مقصرين".

يقول صاحب أحد محلّات بيع الأدوية الزراعية، وهو مهندس زراعي، إنّ محرّكات الرّش والمرشّات المستعملة للزراعة عادة، اختفت من السوق ومعها الكمّامات والقفّازات التي يرتديها المزارعون خلال مواسم رش المبيدات والأدوية الزراعية. وكل ذلك بسبب تسابق البلديات ومعها الأحزاب على ما يعتبرونه "تعقيم لمواجهة الكورونا"، مسجّلاً عدم معرفة واضحة بماهية التعقيم وجدواه والمستحضرات التي يجب استعمالها "قليل من البلديات عندها اختصاصيين صحيين بيعرفوا شو لازم ينعمل". وتسابقت بعض البلديات والأحزاب والتيارات السياسية في بث فيديوهات على مواقع التواصل الإجتماعي تبرز فرقها الفنية وهي تجول في الطرقات وتعمد إلى رشّ الشوارع والطرقات والأزقة وحتى مداخل الأبنية والمحلات.

عشوائية بعض عمليات الرشّ البلدي والحزبي التي شكا منها مواطنون في المدن والقرى وكذلك مزارعون في الأرياف استدعت صدور بيان عن نقابة الأطباء توضح فيه بعض المغالطات السائدة، والتي تضرّ بصحة الناس، وكذلك بمنتجات غذائية وإستهلاكية.  

وأشار نقيب الأطباء البروفسور شرف أبو شرف، في بيان نقابة الأطباء إلى تكاثر ظاهرة رش المبيدات في الشوارع والأماكن العامة من قبل البلديات، ونقل عن الأطباء الاختصاصيين في الأمراض الجرثومية في نقابة الاطباء، تأكيدهم أنّ "لا علاقة لفيروس كورونا بالقوارض ولا بالبعوض ولا بالذباب، وهو ما حسمته تقارير "منظمة الصحة العالمية" أيضاً والتي حسمت الجدل القائم بأنّ فيروس كورونا لا ينتقل في الهواء". واستشهد  أبو شرف ببيان المدير العام لـ"مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية" الدكتور ميشال إفرام الذي أكد أنّ "المبيدات لا تقتل  فيروس، وليس لها أي تأثير عليه، بل تأثيره أكثر ما يكون سلبياً على البشر، إذ إنّ الرّش يمكن أن يقع على الخضار والمواد الاستهلاكية في المحلات، وينتقل منها إلى المواطن".

واعتبرت النقابة أنّ "رش المبيدات في الشوارع مسيء للبيئة والإنسان معاً"، وأوصت البلديات بالتوقّف عن الرش حيث "لا فائدة منه". واعتبرت أنّ "الأماكن العامة هي الوحيدة التي تحتاج للتعقيم، وتحديداً حيث يلتقي الناس في مجموعات كبيرة، ويجب أن تعقّم قبل حصول هذه التجمّعات وبعدها"، مشيرة إلى أنّه "الآن،  ومع إعلان التعبئة العامة التي تمنع تجمّع الناس في مكان واحد، وعلى مسافات قريبة من بعضهم، لا حاجة لرش المبيدات في الطرقات".

وحذّر نقيب الأطباء أبو شرف من "الإستغلال التجاري"، طالباً من البلديّات "التوقّف عن رشّ المبيدات في الأماكن العامة، والاستعاضة عن هدر الأموال عليها بتخصيصها للقيام بالتنظيف العادي الدائم للشوارع، وجمع النفايات بشكل منتظم، وتزويد عمّال البلديات والتنظيفات بملابس واقية تحميهم من التقاط الفيروس، خصوصاً خلال التخلّص من النفايات المنزلية، والتأكّد من أنّ المستشفيات الحكومية تتخلّص من نفاياتها بشكل سليم وبطريقة صحيحة، ومساعدة وزارة الصحة في التأكّد من التزام المواطنين العزّل داخل المنازل، ودعم الناس وتأمين متطلّباتهم واحتياجاتهم الاجتماعية خلال فترة بقائهم في المنزل، والتأكّد من أنّ المواطنين يتقيّدون بتوجيهات الحكومة وإرشاداتها".

وإثر صدور بيان نقابة الأطباء، أصدرت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية بياناً إضافياً حول عدم تأثير المبيدات على كورونا والفيروسات، وضرورة حصر التعقيم بالمعقّمات وليس المبيدات بالأماكن العامة التي يرتادها الناس ومقاعد الجلوس في الحدائق وكذلك مداخل الأبنية والمصاعد، ومستوعبات النفايات وأماكن تواجدها تجنّباً لانتقال العدوى في ما لو كان هناك نفايات صادرة عن أشخاص ينفّذون الحجر المنزلي وهي نفايات يجب معالجتها بطريقة خاصة عن باقي النفايات.  

وبعدما أكّدت المصلحة أنّ "التعقيم بالدخان لا لزوم له فمثلاً يتمّ رش الأدوية والتعقيم بالغاز والدخان سوية دون جدوى"، لفتت إلى ضرورة تعقيم شاحنات النفايات وحماية عمال النظافة وتأمين سبل الوقاية لهم بشكل جدي وشامل، وكذلك تعقيم كامل نفايات مختبرات التحاليل والمستشفيات التي تتعامل مع فيروس كورونا.

وفي اتصال مع "المفكرة القانونية"، أكّد المدير العام للمصلحة الدكتور ميشال إفرام أنّ المصلحة تنبّهت باكراً لضرورة تصويب ما يحدث في عملية الرّش التي تقوم بها بعض البلديات وأصدرت بيانين وضعت فيهما الأسس الصحيحة لما يمكن أن تقوم به السلطات المحلية. وأكّد أنّ بعض الجهات تستعمل المبيدات الزراعية للتعقيم، موضحاً أنّ "المبيدات تقتل الحشرات بواسطة جهازها التنفسي أو العصبي، وأنّ فيروس كورونا ليس له أي جهاز تنفّسي أو عصبي لذا لا فعالية للأدوية الزراعية على فيروس كورونا". وعاد إفرام وأكد ما أشارت إليه المصلحة في بيانها من ضرر المواد المستعملة في الرش وخصوصاً المبيدات لدى رشّها "على جميع الطرقات وقرب محال الخضار والمواد الاستهلاكية فتتلوث بالمبيدات مما يؤدي الى أمور سيئة نحن بغنى عنها في ظل فيروس كورونا ". وطالب إفرام السلطات المحلية بمراجعة اللجنة الرسمية الوزارية لمكافحة كورونا لتبيان المواد المسموح استعمالها في التعقيم.

استخدام عشوائي للمطهّرات

وأوضح مختصّ بعلوم الأحياء، وهو صاحب محل لبيع الدوية والأسمدة الزراعية، اختلاف مفهوم المزارعين لموضوع استخدام المبيدات عن مفهوم الإختصاصيين. يميل هؤلاء، أي مزارعو الأرياف، إلى "استخدام المبيدات الزراعية حتى في التعقيم، وليس تلك المرتبطة بالصحة العامة ذات السمية المنخفضة". وأعاد سلوكيّاتهم هذه إلى محاولتهم التوفير كون المبيدات الزراعية أقل سعراً، وإلى رغبتهم بقتل سريع وفعّال وسمّي للحشرات ظناً منهم أنّهم يحمون زراعاتهم، بينما هم في الواقع يقضون على الحشرات والباكتيريا المفيدة كما الضّارة ويضربون التوازن الطبيعي". ووثّق مممارسة البعض حالياً مع أزمة الكورونا ومحاولتهم رش مبيدات حشرية وكأنهم يريدون منع انتقال فيروس كورونا عبر الحشرات وهذا ليس صحيحاً، كونه لا ينتقل بهذه الطريقة".  

ولفت إلى أنّ بعض البلديات استخدمت المطهّرات التي تستعمل في مزارع الدجاج لمنع انتقال الباكتيريا إلى أفواج الدواجن الجديدة من القديمة، مشيراً إلى أنّ البعض قام باستحداث خلطات "كل ع ذوقه من دون أية معايير علمية، غير مدركين أن الفيروس ليس كالباكتيريا ولا يعيش لفترة طويلة لوحده من دون بيئة حاضنة". وأبدى ملاحظة اعتبرها الأهم برأيه وهي أنّ "شدّة الهوس عند البعض، يعني كثرة الأدوية وعشوائية استعمالها ستتسبب بإمراض الناس أكثر من الكورونا".

في ظل هذه العشوائية وتخوّف الناس من عدم معرفة كلّ البلديات بما تفعله وبما لا يجب أن تفعله، اتصلت "المفكرة" بالوزارات المعنيّة بالبلديات وبمعايير رش المعقّمات والمبيدات والأسمدة. وقالت مصادر وزارة الداخلية إنّ "هذا الأمر من شأن وزارات الزراعة، ونحن اكتفينا بالطلب من البلديات التعقيم ضمن نطاقها البلدي". وزارتا الصحة والزراعة اعتبرتا أنّ بيان مصلحة الأبحاث الزراعية كافٍ ويفي بالغرض، وبالتالي لم تعمم أي كتاب على البلديات ولم تنسّق مع أي جهة بالموضوع.

إنهم يُهجّرون النّحل ويقضون على مراعيه

على مقلب آخر، وجد مربّو النّحل في لبنان، وخصوصاً من يمارسون أشغالاً أخرى إلى جانب الإهتمام بقفرانهم، في توقيف الأشغال تقيّداً بقرار التعبئة العامة واقتصار التجوّل على الضروريات، فرصة للإهتمام بخلايا النحل الخاصة بهم. ولكن هؤلاء تفاجأوا بما لم يكن في الحسبان، والمتمثّل بالرّش العشوائي وخصوصاً في الأرياف.

يشكّل الربيع بالنسبة لمربي النحل، وفق ما يؤكد بيار نصّار، وهو أحد مربي النحل في جرود البترون، موسم ترحيل القفران من المناطق الساحلية والسهول باتجاه الجبال، وهنا "شكّل الرّش العشوائي خطراً على خلايا النحل التي تجيّش قفرانها في هذا الموسم استعداداً لوضع بيوضها والتكاثر". وبعدما نقل مطالب مربّي النحل في اعتبارهم كالمزارعين، وهو ما وعد به بعض القائمقامين والمحافظين، وبالتالي السماح لهم بممارسة أشغالهم كونها لا تطلب أكثر من مربّي مع عامل واحد على الأكثر، رأى أنّ "بعض البلديات ترش مبيدات حشرية وأخرى عشبية تقتل مراعي النحل وتتسبب بتهجيرها من روائح المبيدات وسمومها". وأشار نصار إلى أنّ مربي النحل يطالبون وزارة الزراعة بوضع معايير للبلديات التي ترغب بالرش والتعقيم من دون التسبّب بأذيّة النّحل الذي يشكّل مصادر دخل داعمة لمعظم أهالي الريف، كما يعتاش منها العديد من العائلات في كل لبنان. 

 وروى نصار بعض ما يحصل في سوق المبيدات كدليل على الرش العشوائي كاشفاً عن ارتفاع أسعار هذه المبديات ومنها مبيد عشبي قفز سعر الليتر منه من 8 آلاف ليرة إلى 13 ألف ليرة بسبب كثرة الطلب عليه، متسائلاً عن علاقة هذا المبيد بمكافحة الكورونا "بس ما في حدا يوعّي الناس أو يحطّلها معايير"، كما قال.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية