يوم “مدني” عادي أمام المحكمة العسكرية في بيروت: “دعوى خبيط” أسري


2019-05-23    |   

يوم “مدني” عادي أمام المحكمة العسكرية في بيروت: “دعوى خبيط” أسري

“من أبرز أهداف القضاء العسكري إنزال عقوبة سريعة وعادلة بمرتكبي الجرائم الواقعة ضمن إختصاصه، فقيمة القانون وفاعليته تكمنان في سرعة إجراءاته كما في عدالة أحكامه”.1 هكذا ترى المؤسسة العسكرية، وكذا المدافعون عن وجود محكمة إستثنائية دور القضاء العسكري وأهميته. ينتقد حقوقيون2 هذا الرأي إنطلاقاً من معايير المحاكمة العادلة، التي لا تتوفر في المحاكمات العسكرية. وهو ما ينعكس مزيداً من الإنتهاك في حقوق المتقاضين عندما يتعلق الأمر بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. تتابع المفكرة القضايا المعروضة أمام القضاء العسكري من هذا الباب، وتعرض في هذا المقال مجريات يوم عادي في المحكمة العسكرية، اقتصرت الدعاوى المعروضة خلاله على الجنح.

العنف الأسريقضية عسكرية

“دعوى خبيط” هكذا سمّاها العقيد الركن من موقعه كرئيس لهيئة المحكمة العسكرية الدائمة الناظرة بالقضايا الجنحية، دعوى العنف الأسري المعروضة أمامه. وكان المشرع تبنى في 2014 قانونا يشمل كل حالات العنف الأسري، وهو لا ينص على أي إستثناء يتعلق بصفة زوج الضحية. إلا أنّ الإختصاص الشخصي للمحكمة العسكرية، المحدد بقانون القضاء العسكري، يخرج زوجات العسكر من دائرة الحماية الممنوحة بموجب هذا القانون. وتبعاً لهذا القانون، تحال جميع القضايا المتعلقة بالجرائم المرتكبة من أحد العسكريين أو الواقعة على شخصه إلى المحكمة العسكرية، حتى لو لم تكن في نطاق وظيفته أو متصلة بها. ومن أبلغ آثار تطبيق الإختصاص الشخصي في قضايا العنف الأسري، خرق مبدأ القاضي الطبيعي، لناحية عدم المساواة بين المتقاضيين في الخضوع للقاضي نفسه، فتخضع النساء عموماً إلى القاضي العدلي في حال تعرّضهن للعنف الأسري، بينما تخضع زوجات العسكر إلى القاضي العسكري.

بالعودة إلى “دعوى الخبيط”، فإن هذا التعبير جاء في سياق مثول ناجية من عنف أسري أمام المحكمة العسكرية. تقدّمت الشابة بعد ذكر إسم زوجها المدعى عليه بالتعرّض لها بالعنف. وقفت أمام هيئة مؤلّفة من عسكريين، إلى جانبها زوجها المنتمي إلى نفس السلك بدوره. إرتباكها بدا واضحاً، حتى أنّها عجزت عن إجابة سؤال المحكمة الأول، إلى أن أشار رئيس الهيئة إلى عسكري آخر بإخراج زوجها من القاعة. بكل الأحوال، السؤال الأوّل لم يكن عمّا تعرضت له، أو عن أي تفاصيل متصلة بالقضية، ولا حتى عما إذا تقدّمت بشكاوى سابقة لدى الشرطة العسكرية أو في أي مخفر. هو سؤال وحيد تمحورت حوله الدقيقتان اللتان حصلت عليها ضحية عنف أسري أمام القضاء: ما الذي تريده من الزوج، ومن المحكمة. “لا أريد منه شيئا، أريد أن يلتزم بقرار أن أرى أولادي”. يكرر العقيد سؤاله ما إذا كانت الضحية تريد أن يعاقب طليقها. سؤال لا يأخذ بعين الاعتبار القانون 293، الذي يخرج جرائم العنف الأسري من دائرة الخصوصية في الأسرة، فلا تسقط الدعوى العامة عنها وإن حظي الزوج بسماح زوجته.

ترد الشابة معلنةً خوفها: “إذا قلت أريد أن أعاقبه أخاف أن يمنعني من رؤية أولادي، إذا قلت لا أريد أن يعاقب فأولادي معه بكل الأحوال”. يأتي هنا رد العقيد خالياً من أي ضمانات، مثلاً أن يخبرها أنها بكل الأحوال تستطيع التقدّم بشكوى إذا إمتنع عن تنفيذ قرار المشاهدة الذي في حوزتها، وأن المحكمة إلى جانبها في هذه الحالة. في مكان آخر جاء السؤال، بأسلوب عائلي: “هل ترين أولادك حالياً؟”، “نعم” تجيب، يردف العقيد “بلا ما نعقّد الأمور”، وكأنه يدعوها إلى التسامح. تعلّق الشابة عندها: “أنا سامحته لأجل الأولاد، إذا منعني من رؤيتهم سأعود وأرفع الدعوى”. من جديد كانت الفرصة كبيرة أمام أي قاض ليتذكر صلاحياته بحمايتها وحماية حقها بمشاهدة أولادها. لكن رد العقيد جاء من زاوية معاكسة بالكامل: “ما بتقدري ترجعي تعملي دعوى خبيط، هيدي الدعوى خلص (لا يمكنك أن تتقدمي بدعوى ضرب، هذه الدعوى إنتهت)”.

مجريات المحكمة تبيّن أثر توسّع إختصاص القضاء العسكري تبعاً لصفة مرتكب الجرم. والنتيجة الأوخم لخضوعها للقاضي العسكري هو تجريدها من صفة المدّعي الشخصي في قضيتها، أي أنها بنظر القضاء العسكري لا تمتلك صفة للتمثّل في الدعوى. بالمقابل، هناك إمكانية وحيدة لحضورها المحاكمة هي المثول كشاهدة، وهو أمر تقرره المحكمة بسلطتها الإستنسابية. إلى ذلك، يبقى للضحية أن تتقدّم بدعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي سببه الزوج، حصراً في حال قررت المحكمة العسكرية إدانته، أمّا لو ردت المحكمة الدعوى أو أسقطتها، فتخسر الزوجة هذا الحق أيضاً.

المعاملة بالشدّةباب المدنيين إلى العسكرية

الشدّة لا تستدعي حصول “خبيط” بالطبع. فالباب في هذه الحالة شديد الإتساع، ويمكن ملاحظته من طغيان هذه الدعوى على أيام العسكرية. من بين المدعى عليهم بهذا الجرم مثلاً شخص تعرّض لإطلاق النار أثناء عمليات هدم أبنية مخالفة لقانون البناء في منطقة الأوزاعي. وهو ما يشكل إنتهاكاً إضافياً على إنتهاك الحق بالمعادلة العادلة عند الخضوع إلى معايير القضاء العسكري.

بالعودة إلى حيثيات القضية، فإن المدّعى عليه هو أحد الذين هُدمت منازلهم ومحالهم التجارية قبل سنوات. يقول المدعّى عليه للمحكمة أن “عسكريا كان يتعرّض بالضرب لفتاة وهي طريحة الأرض”. فبادر للتقدم باتجاهه طالباً منه أن يهدأ ويتركها، وبينما هو يهمّ بذلك، أطلق عليه عسكري آخر الرصاص، فأصاب يده. تخلو الدعوى من أي إشارة إلى حيازة المدعى عليه أي سلاح أو إستخدامه للسلاح وقتها. يردف الرجل أمام المحكمة منتقداً محاكمته بدلاً من مكافأة دفاعه عن المعتدى عليها: “ضاعت النخوة؟“. يكرر الرجل أنه لم يتمكّن حتى من الوصول إلى العسكري، لكي يعامله بالشدّة. يضيف أنه “ليس من مصلحتي حتى أن أزعزع علاقتي مع المؤسسة العسكرية لأنني أزوّدهم بالمياه، كوني أملك صهاريج”.

الأسوأ في الحالة الراهنة، يوضحه محاميه حسام العجوز للمفكرة، وهو يتعلّق بالإلتباس بين إختصاصات المحاكم العسكرية والمحاكم العدلية. فقد سبق أن صدر حكم بحقه في القضية نفسها ولكن بموجب إدعاء مختلف مفاده عدم الإنصياع لأوامر القوى الأمنية. وموكّله، المدعى عليه، لم يكتشف وجود دعوى أخرى بحقه بالنسبة لنفس الحادثة إلا بمناسبة ذهابه إلى الأمن العام لإنهاء معاملات، ففوجئ عندها بوجود حكم غيابي بحقه صادر عن المحكمة العسكرية، فجاء واعترض عليه. يسجل هنا أن صدور الأحكام الغيابية عن المحكمة العسكرية يبدو أمرا رائجا، وهو نتيجة مباشرة عن استعجال المحاكمة ولو على حساب “ضمانات المحاكمة العادلة”. مثلا في يوم واحد، من بين حوالي 45 جلسة جنحية أحالت المحكمة حوالي 20 ملف لإصدار أحكاما غيابية بحقها. كذا التبليغات لصقاً (بالطرق الإستثنائية)، تتخذ حيّزاً واسعاً بين القضايا، وهو ما يشي بكون المشكلة لا تتعلق بعناوين الأفراد بل باتمام التبليغات بالشكل اللازم من قبل العسكريين المولجين هذه المهمة.

إلى ذلك، تبدو تهمة معاملة العسكر بالشدّة فضفاضة. قد تكون “النخوة” واحدة منها. وقد تكون “دفشة بدفشة” مثل حالة الشاب الذي تعذّر وصوله إلى منزله بسبب إقفال الشارع أمام المارة في منطقة “دلاعة في صيدا”.

إذا بتحطني بالمصح أكون ممنونك

القضية الأخيرة التي تلفت انتباهك في الجلسة المذكورة هي حالة الشاب الذي يحاكم على خلفية رمي قنبلة يدوية على حاجز للجيش. يظهر من تصرفاته أنه يعاني من إضطرابات عصبية أو نفسية. عدم إتزانه واضح في تصرفاته، لكنه غير موثّق للمحكمة بأي تشخيص تخصصي واضح. قام هذا الشخص برمي قنبلة يدوية على حاجز الجيش في منطقة السفارة الكويتية. يقول المدعى عليه أنه: “كان بحوزتي قنبلة، وقد رميتها باتجاه العسكر لحثّهم على إطلاق النار علي”. يسأله العقيد: “لماذا تورط الدولة؟”، يجيب “أنّه أراد أن ييفجّرها بنفسه (الإنتحار) لكنّه لم يستطع”. يُسأل عندها عن مكان سكنه، فيشير إليه. يسأله العقيد: “ماذا لو أطلقنا سراحك وآذيت نفسك؟” وقد أوحى رئيس االمحكمة بذلك بأن التوقيف يهدف من منظوره إلى حماية الشخص من نفسه. سرعان ما عاد العقيد وأخبر الموقوف أنّه في حال لم يكن هنالك قضايا أخرى ضده، سيتم تركه. عندها طلب المدعى عليه وضعه بمصح: “إذا بتحطني بمصح بكون ممنونك، بتعالج من الأعصاب”. يسأله العقيد هنا: “موقوف برومية؟ ماشي حالك بالسجن؟” يطلب عندها الموقوف وضعه بالمبنى الأزرق في سجن رومية: “إذا بتحطني بالمبنى الازرق بكون ممنونك”.

والمبنى الأزرق، وهو المبنى المخصص للأشخاص الذين يعانون من إضطرابات عقلية ونفسية في سجن رومية. الدخول إلى هذا المبنى قد يحوّل أي عقوبة إلى سجن مؤبد، ما دامت صحة السجين من المشكلة التي يعاني منها لم تثبت. الغريب أن المحكمة أرجأـت القضية للحكم من دون تعيين طبيب نفسي لتقييم حالة المدعى عليه، علها تبني على الشيء مقتضاه.

1 -العميد سامي الخوري، القضاء العسكري في لبنان، مجلة الجيش، تشرين الثاني 2017، العدد 389.

2 – بما ينتهك القضاء العسكري شروط المحاكمة العادلة في لبنان، ميرم مهنا، المفكرة القانونية، 9/6/2015

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *