يحيى مولود يروي لـ “المفكرة” قصّة الفيول المغشوش بعد العقوبات الأميركية على الأخوين رحمة


2023-04-11    |   

يحيى مولود يروي لـ “المفكرة” قصّة الفيول المغشوش بعد العقوبات الأميركية على الأخوين رحمة
يحيى مولود

أتت العقوبات الأميركية على الأخوين تيدي وريمون رحمة والشركات التابعة لهما لتُعيد قضية “الفيول المغشوش” إلى الواجهة. وهو الملف الذي تعثّر القضاء اللبناني في حسمه بفعل تدخّل السياسيين لحماية كبار المتورّطين. ففيما كانت النيابة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان برئاسة القاضية غادة عون قد اشتبهتْ بقيام الشركات التابعة لآل رحمة وتيدي رحمة شخصيًا بارتكاب جرائم متعدّدة من بينها “تبييض الأموال” من خلال عقد من الباطن مع وزارة الطاقة تحت غطاء شركة “سوناطراك”، عادت الهيئة الاتهامية وأسقطت هذه التهمة عنهما حاصرة الاتهام بجنحة الرشوة. وتأتي العقوبات الأميركية بمضمونها لتؤكّد على ما كانت قد رجّحته القاضية عون عام 2020.

والمؤسف أنّ العقوبات الأميركيّة قالت ما عجزت عن قوله الهيئة الاتهامية، مع العلم أنّه سرعان ما وضع الملف منذ اللحظة الأولى لصدور العقوبات في إطار الحسابات السياسية ضد السياسيين المقرّبين من آل رحمة وأبرزهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية على اعتبار أنّ اسمه مطروح لانتخابه رئيسًا للجمهورية.  ولا تزال هذه القضية قيد النظر لدى محكمة الجنايات في بعبدا برئاسة القاضي كمال نصّار، ولم تحصل أي جلسة استجواب علنية بعد نظرًا لعدم اكتمال الخصومة في كلّ جلسة خاصّة وأنّ الادعاء طال 21 شخصًا. ويُضاف إلى ذلك، الأزمات المستمرة التي يواجهها القضاء من إضرابات للمساعدين القضائيين أو اعتكاف القضاة تُبطئ السير بالملف.

وهذه القضية ما كانت لتخرج إلى العلن لولا كاشفها مدير العمليات في الشركة المشغلة لمعملي الجية والذوق لإنتاج الكهرباء التابعين لمؤسسة كهرباء لبنان MEP المهندس يحيى مولود. ومولود كان قد أخذ هذه القضية إلى القضاء اللبناني الذي لم يتمكن بعد من محاسبة المتورطين. ومن هنا كانت أهمية الحوار الذي أجريناه معه والذي نوثقه في هذا المقال.

“كاشف الفساد” يحيى مولود يروي ملف “الفيول المغشوش”

إذًا لاستعادة هذه القضية، تواصلت “المفكرة القانونية” مع مولود الذي روى كيف كان يُبادر لفحص أي فيول قبل استخدامه في معامل الكهرباء حرصًا على عدم إتلاف المحرّكات. يقول مولود: “تعاقدنا مع مؤسسة كهرباء لبنان في العام 2017 لتشغيل معملي الذوق والجية الّلذين أُنشئا عام 2016، ولم نكن مسؤولين عن الفيول الذي نستلمه لتشغيله إذ أنّها مسؤولية محصورة بوزارة الطاقة التي تُلزم شركات لاستيراد الفيول لمعامل إنتاج الكهرباء التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان”. ويُضيف: “نتيجة خبرتي في مجال الفيول كنت أُبادر لفحص عيّنات من الفيول من كل شحنة تصلنا في مختبرات في دبي”. وعليه “فحصنا جميع الشحنات التي استلمناها. ومع بداية العام 2019 لاحظنا تدهور نوعية الفيول التي نستلمها”. ويشرح أنّ إحدى البواخر التي استلمناها في أوائل العام 2019، أظهرت فحوصاتها أنّها مطابقة للمواصفات لكن مع التشغيل واجهنا مشاكل معها فذهبنا إلى إجراء فحص أدقّ ويحتاج لنحو عشرين يومًا لتصدر نتيجته”. ويتابع: “تواصلنا مع الشركة الألمانية المصنّعة للمحرّكات وطلبنا منها إجراء فحوصات على العيّنات”. وهنا حصلت المفاجأة بعد صدور نتائج الفحوصات إذ بيّنت أنّ الفيول يحتوي على نفايات كيميائية وظهر أنّه “متعدد المصادر ليس كما كنّا نعتقد أنّه من مصفاة نفط خاصّة بالشركة المورّدة للفيول وهي سوناطراك التي من المفترض أن تستورد الفيول من مصدر واحد”. 

يشرح مولود أنّ “شركة MEP رفضت تشغيل المحركات بهذا الفيول، ويومها خضنا نقاشات مع مؤسسة الكهرباء التي اعتبرت في البداية أنّ الفيول مطابق للمواصفات إلى أن أجرت لاحقًا فحوصات وكشفت تلوّث الفيول واتخذت قرارًا بعدم استخدامه”. يُضيف: “عدنا وواجهنا أمرًا مشابهًا مع شحنة ثانية في خريف العام 2019 وتحدّيت وزارة الطاقة ورفضت التشغيل واتخذت قرارًا بإطفاء معملي الكهرباء”. ويلفت مولود إلى أنّ إصراره دفعه إلى إثبات وجهة نظره أمام مؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة عبر التواصل مع الشركة الألمانية المصنّعة للمحرّكات والطلب منها إرسال خبير إلى لبنان ليكشف على المحرّكات. ويتابع مولود: “الخبير حين رأى النفايات الناتجة عن الفيول وحدد أنّ الفيول ملوّث وغير صالح للاستعمال، قامت الشركة بفحص العيّنات بطريقة دقيقة واتخذت الفحوصات نحو ثلاثة أسابيع لصدور نتيجتها”.

ويتابع: “خلال هذه الفترة أي الفترة التي سبقت صدور نتيجة الفحوصات، وبين الأخذ والرد، بدأت التظاهرات تجوب الشوارع في تشرين الأول 2019 وكنّا في مرحلة استكمال النقاش مع وزارة الطاقة على طبيعة الفيول”. ويلفت إلى أنّ هذه المرحلة شابتْها عرقلة بسبب قطع الطرقات وتوقّف الإدارات العامّة والظروف السياسية في البلاد. 

في شباط 2020 “وصلت باخرة Baltic المحمّلة بالفيول وحين استلمناه قمنا بفحصه وتبيّن وجود ترسبات نفطية عالية بقيمة 4.6 ما يمنع استخدامه بينما المستوى المسموح به يجب ألّا يتعدّى 0.1”. هنا تواصل مولود مع وزارة الطاقة التي ردّت عليه بأنّ ذلك غير صحيح كون الشركة التي استوردت الفيول سلّمتها فحوصات تُفيد بأنّ الترسّبات لا تتعدّى 0.1. لذا، أرسل مولود التقرير الذي بحوزته لوزارة الطاقة، وفي المقابل رفض استلام الفيول.

في الوقت الذي كان مولود يواجه رفض وزيرة الطاقة آنذاك ندى بستاني تصديقه والتجاوب معه حسب ما أدلى لـ “المفكرة”، يفاجأ لاحقًا أنّ المعلومات التي سلّمها لوزارة الطاقة بخصوص باخرة Baltic يومها بخصوص الفيول المغشوش قد أصبحت موضع إخبار لدى النيابة العامّة التمييزية قدّمه أحد محامي التيار الوطني الحر وديع عقل. ويلفت مولود إلى أنّ الإخبار شمل فقط شحنة Baltic  ولم يتطرّق إلى الشحنات التي سبقت هذه الشحنة والتي أعلم مولود وزارة الطاقة بها. ولاحقًا استدعى فرع المعلومات مولود، واستمع إلى إفادته وسلّمهم الأخير جميع المستندات التي بحوزته والتي تُثبت استلام الفيول المغشوش ولاحقًا قدّم هذه المعلومات لدى القاضية عون وقاضي التحقيق نقولا منصور. وتوالت الاعترافات التي قدّمها موظفون ومدراء عامّون لدى منشآت النفط بتقاضي الرشى والهدايا، وتزوير مستندات وفحوصات مخبرية وظهرت هذه الاعترافات في القرار الظنّي الذي أصدره القاضي منصور.

لم تكن هذه القضية ضدّ شركات الأخوين رحمة، إذ أنّ الشبهات كانت محصورة بشركة “سوناطراك”. إلّا أنّه مع التدقيق، ظهرت العلاقة بين الاثنين. فمع انكشاف هذه القضية وفضح عمليات فساد، والكشف عن وجود عقد سرّي موقع بين وزارة الطاقة وشركة “سوناطراك” والذي جرى تجديده لأربع مرّات رغم فداحة بنوده.  وظهر مشاكل العقد بعد تسريبه للصحافة واكتشاف أنّه يحتوي بنودًا مجحفة بحق الدولة اللبنانية، ومثال على ذلك، عدم جواز فحص العينات بلد الوصول وافتقاد العقد لكتاب الضمان،  ووضع مواصفات مختلفة عن المواصفات الموافق عليها من قبل  مؤسّسة المواصفات والمقاييس Libnor، وغيرها من البنود التي تقضم من حقوق الدولة اللبنانية.

وأكدّ مولود أنّه تقدّم بإخبار لدى النيابة العامّة التمييزية بخصوص موضوع العقد، “واكتشفنا خلال تلك المرحلة أنّ شركة سوناطراك ليست هي الشركة الجزائرية إنّما هي شركة مسجّلة في جزر العذراء وهي موضوع ملاحقة من قبل القضاء الجزائري”. ويلفت مولود إلى أنّ هذه الشركة تعاقدت أكثر من مرّة مع الأخوين رحمة، وأظهرت التحقيقات وجود علاقة وطيدة بين “سوناطراك وشركة ZR Energy التابعة للأخوين رحمة والفيول المغشوش”. ويلفت مولود إلى أنّ شُحنة رابعة كُشفت من خلال الباخرة التابعة للشركة التركية “كارادينيز” التي أتت بفيول إلى لبنان عبر سوناطراك وسلمتها عبر ZR Energy.

يتأسّف مولود على عدم وصول القضاء اللبناني إلى حسم هذا الملف ومعاقبة كبار المتورّطين وإخضاع شركتي رحمة لعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأميركية حيث كان بإمكان القضاء أن يقول كلمته قبل عامين في هذا المجال. ويشير مولود إلى أنّه إلى حد اللحظة ومع كل الفضائح في هذا الملف “لا يزال كثر من التابعين للسياسيين يلومونني ويكذبونني مع أنني كنت أهدف إلى حماية حقوق الدولة اللبنانية”. واللافت أنّه وعلى الرغم من الشبهات التي تحوم حول الشركة منذ أوائل العام 2019، عادت ZR Energy وكسبت مناقصة لاستيراد البنزين مع وزارة الطاقة التي سمحت لها الدخول بالمناقصة من دون أي اعتبار لكونها موضع شبهات.

استخدما نفوذهما للانخراط بالفساد”

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أوضحت في بيانها يوم الثلاثاء في 4 نيسان 2023 أنّ “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية صنّف شقيقين لبنانيين – ريمون رحمة وتيدي رحمة اللذين استخدما ثروتهما وقوتهما ونفوذهما للانخراط في ممارسات فاسدة تسهم في انهيار سيادة القانون في لبنان، مما يقوّض العمليات الديمقراطية في لبنان على حساب الشعب اللبناني”. واعتبر البيان أنّ “الأخوين رحمة استخدما إمبراطوريتهما التجارية وعلاقاتهما السياسية لإثراء نفسيهما على حساب مواطنيهما”. واعتبر بيان الوزارة أنّ “الآن أكثر من أي وقت مضى، ينبغي على الحكومة اللبنانية تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي تشتد الحاجة إليها.”وشرح البيان أنّ “ريمون رحمة وشقيقه تيدي رحمة استخدما شركات تحت سيطرتهما – داخل لبنان وخارجه – للفوز بعقود حكومية متعددة من خلال “عملية مناقصة عامة مبهمة للغاية”. “وفي عام 2017، حصل الشقيقان رحمة على عقد من الباطن لاستيراد الوقود لاستخدامه من قبل مؤسسة الكهرباء الوطنية المملوك للدولة في لبنان، واستيراد الوقود نيابة عن وزارة الطاقة والمياه اللبنانية في عملية مناقصة أفيد على نطاق واسع بأنها فاسدة”. وشرح البيان أنّه “أثناء التعاقد، استورد الشقيقان رحمة الوقود الملوث، مما تسبّب في ضرر كبير لمحطات توليد الطاقة اللبنانية”. واعتبر البيان أنّ الشقيقين رحمة قاما من خلال شركتهما ZR Energy DMCC التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرًا لها، بنقل منتج الوقود الذي تعرض للخطر بشكل خطير عن طريق مزجه مع أنواع الوقود الأخرى مما تسبّب بتعطّل محطات الطاقة في جميع أنحاء لبنان بشكل متزايد وزادت انقطاع الكهرباء يوميًا. وتجدر الإشارة إلى أنّ الشقيقين رحمة نفيا ارتباطهما بالشركة المذكورة يومها على خلاف رأي النيابة العامّة مشددين على أنّ عملهما محصور بشركة Group ZR Holding SAL، فيما شركة ZR Energy DMCC تعود لإبراهيم الذوق.

يُذكر أنّ قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان أصدر قرارًا ظنيًا ادّعي فيه على 21 شخصًا، من بينهم تيدي رحمة بجرائم تبييض الأموال، لكن لاحقًا ذهبت الهيئة الاتّهامية إلى التخفيف من الاتّهامات الموجَّهة إلى رحمة، حيث منعتْ المحاكمة عنه بجرائم التزوير والاحتيال على الدولة وغشّها وتبييض الأموال لتكتفي بالادّعاء عليه بجرم الرشوة فقط. واعترى الملف تدخلات سياسية من قبل رئيس تيار المردة سليمان فرنجية دفاعًا عن رحمة وعن المدير العام لمنشآت النفط سركيس حليس ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي عكف للدفاع عن المديرة العامة السابقة للنفط أورور فغالي .

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية