وكيل ليبان ليه يعتمد استراتيجة “الضحية” ضد تهم التلوث: “مؤسسة بترفع الراس وبدهم يدمروها”


2020-07-24    |   

وكيل ليبان ليه يعتمد استراتيجة “الضحية” ضد تهم التلوث: “مؤسسة بترفع الراس وبدهم يدمروها”
مجرى نهر الليطاني الملوث في بلدة حوش سنيد في بعلبك

استنفر محامي شركة “ألبان لبنان” رامز حمود خلال الدفاع عن موكليه، خلال جلسة عقدتها القاضية المنفردة الجزائية في بعلبك لميس الحاج دياب في 20 تموز 2020، لمتابعة ملف ليبان ليه مع شركات أخرى سبق وادعت عليها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بالتسبب بتلويث أهم ثروة مائية في لبنان. وإذا كان من الطبيعي أن يدافع المحامي عن موكله، فإن اللافت في حالة حمود اعتباره “أن تلويث المياه الجوفية لا يتوقف فقط على شركة ألبان لبنان”، وهو بمثابة اعتراف بثبوت التهمة على الجهة المدعى عليها. وذهب حمود أيضاً إلى اعتبار المعلومات التي وردت إلى المحكمة عن انزعاج القاطنين في محيط الشركة من الروائح المنبعثة من الشركة “كاذبة”، ليعتبر أن ألبان لبنان “هي مؤسسة بترفع الراس وبدن يدمروها”. هذا الكلام واجهته القاضية الحاج دياب بجملة حاسمة مفادها: “من واجب المحكمة التحقق من أمر في حال أثبته الخبراء. هيدا شغلي وما بدي حدا يعلمني شغلي”. مع العلم أن ألبان لبنان الناشطة اقتصاديا وصناعيا منذ نحو 20 عاماً على الأقل من دون تركيب محطتي تكرير للصرف الصحي والصناعي الناتج عن نشاطها، وهو ما جعلها من أكبر ملوثي نهر الليطاني في حوضه الأعلى.

وعقدت القاضية المنفردة الجزائيّة في بعلبك جلسات في 20 تمّوز 2020 لمتابعة محاكمة الشركات والمعامل الملوّثة لنهر الليطاني وللبيئة على حدّ سواء، وأصدرت حكمها على معمل “تندر بول”، وهو مسلخ للدجاج في قرية بدنايل لصاحبه فاضل الضيقة. وغرّمت الضيقة ب500 ألف ليرة لبنانيّة، وألزمته بتعويض عطل وضرر لمصلحة الليطاني قيمتها مليون و500 ألف ليرة لبنانية، وبغرس 500 شجرة صنوبر على ضفاف نهر الليطاني في بدنايل، وإعادة تأهيل مجرى نهر الليطاني المجاور للمعمل وإجراء فحص سنويّ.

وبخصوص محاكمة شركة “ألبان لبنان” فإنّ ظروف فيروس الكورونا وإغلاق المطارات في العالم، حالت دون وصول المهندسين المعنيّين بتركيب وتشغيل جهاز التناضح العكسيّ الذي من شأنه تنظيف المياه التي تخرج من المعمل. وأوضح مارك واكد رئيس مجلس إدارة الشركة أنّ الأخيرة تسعى جاهدة للمضي في عمليّة وقف التلوّث رغم الظروف. أمّا وكيل الشركة المحامي رامز حمّود فذهب إلى اعتبار إيقاف تلوّث الهواء هو أمر قبل أوانه لأنّ ذلك متعلّق بتركيب الجهاز، وإلى اعتبار أنّ تلويث المياه الجوفيّة لا يتوقّف فقط على شركة “ألبان لبنان”. وفي مداخلة أخرى، اعتبر أنّ أخبارا كاذبة عن انزعاج البيوت المجاورة من الروائح تصل إلى المحكمة، مؤكّدا أنّ الشركة ليست “مزرعة وتخشيبة” بل هي “مؤسّسة بترفع الراس وبدّن يدمّروها ويكسروها”، محوّلا التحقيق في تلويث البيئة إلى معركة موجّهة تحديدا ضد الشركة. أمّا شركات “صدارة” و”تبارك” و”المصنع” لآل الديراني، فقد أعلموا المحكمة أنّهم قاموا بإنهاء تركيب محطّة التكرير، وبصدد إنهاء جميع التعديلات المطلوبة لإنهاء التلوّث، على أن تكلّف المحكمة خبراء لإجراء فحص نهائيّ والتأكّد من التعديلات جميعها.

“ألبان لبنان” تنتظر المهندس الكنديّ… واحتمال تلويث المياه الجوفيّة

حضر الجلسة الخبيران كمال سليم وطلال درويش، حيث تمّ إبلاغهما اعتراض شركة “ألبان لبنان” على أتعابهما، في حين أنّهما تركا أمر تحديد الأتعاب للمحكمة، معتبرين أنّ مجهودهما هو لمقتضيات الصحّة العامّة والبيئة السليمة، وأنّ الأتعاب المطلوبة (3 ملايين لكلّ خبير) هي زهيدة بالنسبة لخبرتهما العمليّة والعلميّة.

وفور مباشرة القاضية الحاج دياب باستجواب مارك واكد بصفته الشخصيّة وبصفته ممثلا عن شركة “ألبان لبنان”، اعترض المحامي حمّود على زيارة أشخاص من اللجنة المشتركة بين وزارة الصناعة ومصلحة الليطاني إلى المعمل الأسبوع الماضي، في حين أبدى  واكد  موافقته على السماح للجنة بزيارة المعمل وقت تشاء في الجلسة الأولى للمحاكمة. وتراجع حموّد عن هذه الموافقة، ولكن القاضية قالت إنّ زيارة اللجنة للمعمل تحصل وفقا للقانون.

وأكد واكد أنّ الشركة قامت بتركيب جهاز التناضح العكسيّ منذ شهر ونصف تقريبا وهو لا يزال قيد التجربة، بانتظار قدوم المهندس الكندي من الشركة التي تعاقدت معها “ألبان لبنان”، ليشرف على تشغيل الجهاز وفقا للعقد الموقّع معها. وتحدّث عن بعض المشاكل التي واجهت المهندسين اللبنانيين في تركيبهم للجهاز (بعض الفلاتر توقفت عن العمل بعد ساعات من تشغيلها)، ولذلك لا بدّ من حضور المهندس الكندي خاصّة أنّ الجهاز مخصّص أساسا لمعالجة الصرف الزراعي دون الصناعيّ، والتعديلات التي أدخلت عليه هي من مسؤولية الشركة المصنّعة. وعن سبب عدم حضور المهندس، قال واكد إنّ المطار في كندا لم يفتح بالكامل ولا يحقّ للكنديين بالخروج بداعي العمل. وهنا طلب المحامي حمّود عدم تدوين هذا الأمر “خوفا من أن تكتب الصحافة أنّ المطار ليس مقفلا” على عكس ما قاله موكلّه.

والشركة، بحسب واكد، بصدد إرسال عيّنات من المياه إلى كندا لإجراء فحوصات عليها واقتراح تعديلات يمكن إجراؤها على الجهاز، بانتظار وصول المهندس شخصيا إلى المعمل. وهنا تساءل وكيل مصلحة الليطاني المحامي علي عطايا عن تعهّد “ألبان لبنان” بجديّة قدوم المهندس في حال فتح المطار في كندا، فرفض حمّود التعهد معتبرا أنّ أيّ تعهد يظههم كمماطلين، في حين وضّح عطايا أنّه يطلب خطّة قضائيّة واضحة.

طال النقاش حول مصادر تلوّث الهواء والروائح المنبعثة من المعمل، فصرّح واكد أنّ الأمر متعلّق بتشغيل جهاز التناضح العكسيّ وهناك بركة كبيرة يجري فيها تجميع المياه التي تخرج من الجهاز والتي تكون قد تمت معالجتها في محطة التكرير وأنه بانتظار إتمام تشغيل الجهاز بشكل فعال من دون أية شوائب، يتمّ اعتماد الحل المناسب بالنسبة للروائح إذ أن الحل سيكون واحدا بالنسبة لمياه الصرف غير المعالجة وبالنسبة للمياه الخارجة من الRO. وأضاف أنّ الشركة حاولت إيجاد حلول مناسبة بالتعاون مع وزارة البيئة، وتمّ اقتراح أفكار من بينها “طابات سوداء مليئة بالمياه تغطي كامل سطح الحفرة بشكل يمنع تسرب أي روائح”، ولكنّها مكلفة جدا.

وورد في تقرير الخبيرين في 19 كانون الأول 2019 كلام عن احتمال كبير بتلويث المياه الجوفيّة من ترسبات روث البقر من خلال الحوضين الترابيين اللذين تم إنشاؤهما في المرحلة الأولى، وكان يتمّ فيهما تمرير مياه الصرف قبل تسليطها نحو  الليطاني. وأضاف الخبيران أنّ روث البقر يتضمّن مادّة الأمونيوم Ammonium التي تتحوّل، خلال موسم الجفاف وبسبب عامل التهوئة، إلى مادّة النترات التي من شأنها أن تتسرّب إلى المياه الجوفيّة وهي “تؤدّي إلى خلل في توازن العناصر الغذائيّة عند استعمال هذه المياه للريّ”، وكان من المفروض على الشركة إنشاء طبقة طينيّة عازلة. ويتضمّن الروث أيضا، بحسب الخبيرين، مادّة الميثان Methane الذي يتبخر ويتسبب بروائح كريهة في الجو. وأضاف الخبيران أنّه لا يمكن تحديد ما إذا كانت مادة النترات قد تسرّبت بكاملها أم لا بدون إجراء فحص للتربة لتحديد كمية النترات والأمونيوم الموجودة فيها.

وسأل حمّود عمّا إذا كانت الأسمدة المستخدمة في لبنان تتضمّن هذه الموادّ، فأوضح الخبيران أنّه في حال تمّ استخدام كمية كبيرة مبالغ فيها من الأسمدة فتكون مادة الأمونيوم أعلى من المعدل المسموح به علميّا. وعليه، ينبغي فحص التربة لقياس نسبة تلك المادة. وعلّق الخبيران على إدلاءات واكد، بأنّ جهاز التناضح العكسيّ من شأنه أن يكون فعّالا لناحية خلو المياه الخارجة من الجهاز من أي تلوّث ولا سيّما الباكتيريا، وألا تؤدّي إلى انبعاث أيّ روائح كريهة وتكون صالحة للاستخدام المنزليّ. واقترح الخبيران استخدام دواء مصنّع في أميركا يسمّى Expector يرشّ على روث الأبقار ويخفّف الرائحة بنسبة 90 بالمئة.

وردّا على كلام القاضية عن عدم قدرة الناس الذين يعيشون بجوار المعمل من تحمّل الرائحة، اعترض حمّود معتبرا أنّ هذا الكلام كاذب، وأضاف واكد أنّ الرائحة تنبعث لبضعة أيام فقط. وتابع حمّود: “نحنا مش مزرعة وتخشيبة، في مؤسّسة بترفع الراس وبدّن يكسروها ويدّمروها”. فأجابت القاضية: “من واجب المحكمة التحقق من أمر في حال أثبته الخبراء. هيدا شغلي وما بدي حدا يعلمني شغلي”. فقال حمّود إنّ كلاما كاذبا يصل للمحكمة، وصرّح أنّه يوجد مزرعتان قريبتان من المزرعة التابعة لألبان لبنان والروايح المنبعثة لا تعود للشركة المذكورة فقط.

وبسؤال المحكمة عن الوقت المتوقّع لإنهاء تشغيل جهاز التناضح العكسيّ، فقال واكد “خلال شهر تقريبا”. وطرح عطايا موقفه بالنسبة لاعتراض المدّعى عليهم على أتعاب الخبيرين وطلبهم تحميل الليطاني جزءا منها، وأكّد أنّ الجهة المدّعى عليها هي مسبّبة الملوّث نتيجة لاستثمارها “دون الأخذ بالحيطة اللازمة والترتيبات المتعلّقة بالبيئة والصحة العامة ودراسة الأثر وكافّة القوانين النافذة”.

وبسؤال أجاب أنه من المتوقع أن يكون هناك جواب خلال شهر تقريبا حول التعديلات التي يجب اتخاذها بالنسبة لجهاز التناضح العكسي. وهنا طرح المحامي عطايا موقفه بالنسبة لاعتراض الجهة المدعى عليها على أتعاب الخبيرين. وأرجأت القاضية الجلسة إلى 29 أيلول 2020. والجدير ذكره أنّ القاضية ستكون في إجازة أمومة، وعادة لا يتمّ وضع قاض بالإنابة مكانها، فبالتالي قد تتأجل الجلسة إلى وقت آخر.

معامل الديراني في المراحل الأخيرة لإيقاف التلوّث

حضر الجلسة مصطفى الديراني بسند توكيل عام عن شركة “صدارة غروب” و”المصنع”، وأخبر المحكمة عن إجراء الشركة التعديلات اللازمة على محطّة التكرير، بعدما وصلت القطع الناقصة في شهر آذار، وتم تركيب الBio filter، وزيادة عدد الخزانات لتحسين فعالية التكرير وفقا لاقتراح الخبراء. وكذلك، جرى تركيب نظام التهوئة والتصفية والعمل بالمولّد الجديد وتركيب عدادات على المياه الداخلة إلى محطّة التكرير والخارجة منها. وأجرت الشركات فحصا في مختبرها وأتت النتيجة مطابقة للمعايير العلميّة وأبرزت مجموعة مستندات وصور توضح ذلك. وفي 17 تمّوز، كشفت اللجنة المشتركة (وزارة الصناعة ومصلحة الليطاني) على المعامل وتأكدت من تركيب المحطة والمعدات، واقترحت إنشاء خزّان إضافيّ “يتم فيه تمرير المياه حتّى تخضع للتنقية قبل تصريفها في شبكة الصرف الصحي العائدة للبلديّة”، على أن يكون جاهزا في نهاية شهر آب 2020. ولتسريع انتهاء المحاكمة وكون المحكمة لا تفضّل التأخير في قضايا الشأن العامّ، وفق ما قالته القاضية الحاج دياب، قرّرت إرجاء الجلسة إلى 27 آب 2020، “على أن يصدر في غرفة المذاكرة قرار بتكليف خبير أو لجنة خبراء للكشف على معامل الشركات المدعى عليها وأخذ العينات اللازمة وبيان ما إذا جرى تركيب نظام التهوئة والتصفية وفحص العدادات على المياه الداخلة والخارجة والتأكد من دقتها وزوال الروائح”.

حكم بحقّ “تندر بول”: غرامة ماليّة وغرس أشجار كتعويض عن التلوّث

وفي السياق نفسه، أصدرت القاضية لميس الحاج دياب حكمها بحقّ شركة “تندر بول” وهو مسلخ دجاج مسجل في السجل التجاري في العام 1981، وتبلغ النفايات الصناعيّة السائلة فيه معدّل 6000 متر مكعب في اليوم، “وتعالج المياه الصناعية العادمة التي تخرج منها في حفرة ترسيب غير مطابقة للمواصفات وغير فعّالة ومسبّبة للتلوّث”. قرّرت المحكمة حبس الضيقة 3 أشهر وغرامة 100 ألف ليرة لبنانيّة، واستبدلت الحبس بغرامة 400 ألف ليرة لبنانيّة، وألزمته بغرس 500 شجرة صنوبر على ضفاف الليطاني في قرية بدنايل، وإعادة تأهيل مجرى نهر الليطاني الموازي لشركة “تندر بول” وذلك على طول 500 متر تحت إشراف الخبير طلال درويش، بالإضافة إلى تركيب عدّادات على المياه الداخلة إلى محطّة التكرير والخارجة منه. وصدر في القرار إجراء فحص سنويّ للمياه التي تخرج من محطّة التكرير “بإشراف وزارة الصناعة والمصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني وذلك في شهر آب من كلّ عام”. وألزمت المحكمة الضيقة دفع مبلغ مليون و500 ليرة لبنانيّة كتعويض عطل وضرر للمصلحة الوطنيّة لنهر الليطانيّ.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، المرصد القضائي ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، لبنان ، محاكم جزائية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *