وكالات التصنيف السيادي تجرّ تونس إلى صندوق النقد الدولي


2021-03-11    |   

وكالات التصنيف السيادي تجرّ تونس إلى صندوق النقد الدولي

تلقت تونس، خلال الأسبوعين الماضيين، ضربة موجعة أصابت اقتصادها المعتل أساسا. فبمجرد صدور تقرير وكالة موديز الثلاثاء 23 فيفري الماضي وإقرارها خفض التقييم السيادي للبلاد من ب2 إلى ب3 مع آفاق سلبية متوقعة للنمو الاقتصادي، تواترت البيانات والتصريحات من قبل مسؤولي صندوق النقد الدولي مطالبين بالمرور إلى السرعة القصوى في تنفيذ برنامج الإصلاحات. ضربة، قد تُترجم بإجراءات موجعة في حق الطبقتين الفقيرة والوسطى حد سحقهما تماما إذا لم تجد الدولة التونسية سبلا لفرض شروطها في التفاوض وخلق وسائل أخرى لتسوية موازناتها المالية. 

لم يأت تقرير وكالة موديز بجديد من حيث توصيف الوضع الاقتصادي وتشخيص الأزمة. فالمؤشّرات التي تضمنها التقرير سبق وأن وردت في تقارير وزارة المالية أو المعهد الوطني للإحصاء وكانت محل تحذير الخبراء والمختصين في الاقتصاد. لكن الجديد في الأمر هو رصاصة الرحمة التي أطلقتها وكالة موديز على هامش التفاوض لدى الدولة التونسية عند الخروج إلى السوق المالية من أجل الاقتراض لتمويل الميزانية. فتخفيض الترقيم السيادي إلى ب3 برّرته الوكالة في تقريرها بضعف حوكمة الأزمات الاجتماعية المتصاعدة علاوة عن الأزمة المحتدمة بين مكونات الساحة السياسية التونسية وتعثر كل حوار قد يفضي إلى المرور إلى تنفيذ برنامج الإصلاحات المتفق عليه مسبقا مع صندوق النقد الدولي. 

 

تقييم موديز: ضربة قاصمة للظهر.. متوقعة

لم يكن لتقرير الوكالة، أثر المفاجأة لدى الطرف الحكومي أو البنك المركزي، بل على العكس تماما. فقد صرح وزير المالية علي الكعلي عقب تخفيض التقييم السيادي بأن “البلاد تفادت الحط إلى درجات أكثر انخفاضا، وأن الوضع الحالي لتونس شبيه بوضع أوكرانيا وباكستان اللذين تمكنا من الخروج إلى السوق المالية العالمية والحصول على قروض برغم تقييمهما السلبي”. فيما اعتبر المسؤول عن إدارة التمويل والدفعات الخارجية بالبنك المركزي التونسي عبد الكريم الأسود أن “موديز” رسمت صورة سوداء عن تونس، مشيرا إلى إمكانية تحسين التقييم السيادي إذا ما نجحت السياسة النقدية للبنك في تحقيق نتائج إيجابية خلال السنوات الثلاث المقبلة. 

وقد يبدو للوهلة الأولى، أن عملية التخفيض نتيجة طبيعية لما تعيشه البلاد، وأن وضع تونس في ترتيب الدول عالية المخاطر مسألة “شكلية” الهدف منها تنبيه البلاد كما مقرضيها إلى درجة الوهن الاقتصادي التي أصابتها إضافة إلى “تحذيرها” من مغبة مواصلة السياسات ذاتها، ما قد يودي بها إلى الحط مجددا من ترقيمها السيادي إلى ”ج أ” ما يعني أنها عاجزة تماما عن سداد أقساط القروض والتصرف في الدين العمومي.

بيد أن المسألة أبعد من ذلك بكثير. فتخفيض الترقيم السيادي له انعكاسات خطيرة على الدول كما على مواطنيها. إذ عامة ما تتحول عمليات “التنبيه والإنذار حول حالة الدين العمومي والقدرة على التصرف فيه والإيفاء بالالتزامات” إلى عمليات تنبيه للدول المتنفذة اقتصاديا ولمؤسسات التمويل الدولي وكبار المستثمرين بوجود أرض خصبة للقروض عالية الفوائد ومجحفة الشروط. وبات جليا أن الدول التي تشهد تخفيضا لتقييمها السيادي، عادة ما تخضع لابتزاز المانحين وتقبل بكل الشروط مقابل إنعاش موازناتها والحصول على قروض. 

 

وكالات التقييم في خدمة كبار المرابين والدائنين

في هذا السياق، اعتبرت الخبيرة المستقلة المعنية بآثار الديون الخارجية للدول وما يتصل بها من التزامات مالية دولية أخرى في التمتع الكامل بحقوق الإنسان الصينية يوافين لي في تقريرها الصادر في 17 فيفري الماضي (الصفحات 8- 19) والمعروض على مجلس حقوق الإنسان، أن تراجع قدرة الدول على التصرف في الديون الخارجية أمر منطقي في ظل أزمة كورونا التي ألقت بظلالها على اقتصادات أغلب الدول، وخاصة الدول في طريق النمو. 

وأضاف التقرير أن مؤسسات التقييم بدل أن تلعب دور الجسر بين الدائنين الدوليين والمدينين، أضحت لا تركز اهتمامها إلا على مصالح الدائنين وأهلية الدول الفقيرة أو التي تمر بصعوبات مالية للتداين الخارجي ويبلغ ذلك حد تقديم آرائها وأحكامها حول الأوضاع السياسية والاقتصادية. ونتيجة لذلك، وفق الخبيرة المستقلة، فإن خيارات الاقتراض ستتقلّص بالنسبة إلى هذه الدول، علاوة عن ارتفاع حجم الفوائد وسعر الدين الخارجي. 

ولفتت في التقرير ذاته، إلى أن مؤسسات التقييم الثلاث التي تحتكر هذا المجال وتحظى بدعم وتفخيم دولي “ستاندارد أند بورز، فيتش، موديز” كثيرا ما تصدر تقييمات ذات بعد أيديولوجي معاد للدول المحافظة على نموذج حمائي، وتتدخل في السوق الإقتصادية، وتفضّل تلك التي تنفذ إجراءات تقشفية. 

 

لا مهرب إلا لصندوق النقد وحبل إضافي في جيد تونس

بلا مواربة، فإن تحركات الدولة التونسية إثر التخفيض من تقييمها السيادي ستصبّ في هذا المنحى أي البحث عن تمويلات للميزانية لخلاص القروض وفوائدها. وأمام الإرباك الذي سببه هذا التصنيف، انحسرت قائمة الحلول وتلخصت في التوجه نحو صندوق النقد الدولي. وكان وزير المالية علي الكعلي قد صرح الأسبوع الفارط اعتزامه التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بداية شهر أفريل من أجل التفاوض والنقاش المعمق مع ممثلي الصندوق حول برنامج الإصلاحات الذي تعتزم الحكومة تنفيذه في الفترة المقبلة، في سبيل إبرام اتفاق قرض جديد.

وكان الصندوق قد جدد، الشهر الماضي، دعوته الحكومة التونسية إلى تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها سابقا والمتعلقة بمراجعة منظومة الدعم والضغط على كتلة الأجور وتشجيع الاستثمار. وأعلن “كريس جيريغات” رئيس فريق صندوق النقد الدولي للمهمة المنفذة في تونس، في تصريح صحفي غرة مارس، أن البلاد تحتاج إلى رؤية اقتصادية جديدة مختلفة عن تلك التي قادتها خلال العشرية الماضية. وأبرز أن البلاد بحاجة إلى مخطط إصلاح ينقل الاقتصاد نحو وجهات جديدة، على أن تتمّ صياغته من قبل التونسيين وبحوار اجتماعي معمق. ودعا في هذا الصدد إلى عقد حوار تقدم فيه جميع الأطراف تنازلا من أجل “عقد اجتماعي”. وذكر المسؤول عن المهمة المنفذة في تونس لدى صندوق النقد بضرورة خفض كتلة الأجور، ومراجعة الدعم الطاقي وتركيز هيئة تتصرف في المؤسسات العمومية من أجل إعادة تأهيلها. 

 

إصلاحات الصندوق السابقة: برامج وتسويات زائفة

تسود تخوفات لدى فئة واسعة من التونسيين، من أن تحمل حزمة الإصلاحات الجديدة القديمة أعباء جبائية إضافية تُحمل على عاتق الطبقتين الوسطى والفقيرة. فيما يطرح كثيرون السؤال عن جدواها سيما وأنه سبق لتونس خلال السنوات 2012-2016 التعهد ببرامج إصلاح في سبيل إنقاذ الاقتصاد لم يتضح إلى اليوم أثرها الإيجابي. 

وكانت تونس تعهدت أمام الصندوق بموجب اتفاق أعلن عنه في الخامس عشر من شهر أفريل 2016 بمراجعة تشريعاتها المتعلقة بالحوكمة والاستثمار لقاء قرض قيمته 2.8 مليار دولار يصرف على أربع دفعات بالتوازي مع تقدم تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل الذي انطلقت النقاشات حوله منذ سنة 2013. 

واشتمل البرنامج على إقرار قانون جديد للبنك المركزي، وقانون لرسملة البنوك العمومية، وآخر متعلق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص ومجلة الاستثمار. وهو ما تمّ فعلا في فترة وجيزة. وشملت المراجعة أيضا القوانين المتعلقة بالصناديق الاجتماعية حيث تمّ سنّ قانون للتقاعد الاختياري وآخر متعلق بالتمديد الوجوبي في سن التقاعد، في إطار إصلاح الصناديق الاجتماعية وحوكمة الدعم الموجه لها لسدّ عجزها. وتمّ وضع المنظومة القانونية لمكافحة الفساد والحكم المحلي، علاوة عن وقف الانتدابات في الوظيفة العمومية لمدة أربع سنوات، واعتماد سياسة التقشف.

ولم تكن الإصلاحات المذكورة ذات أثر جليّ على الاقتصاد الوطني المتهاوي بل عمّقت أكثر الأزمة الاجتماعية. فالتعجيل في سن هذه القوانين جعل أغلبها غير فعّال ومنقوصا. ولم تضِفْ قوانين رسلمة البنوك انتعاشة على البنوك العمومية الثلاثة رغم ضخّ موارد مالية هامة لرأسمالها وإعادة هيكلتها. كما ظل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص غير قابل للتطبيق ما دفع لتنقيحه. أما القانون المتعلق بالتقاعد الاختياري فلم يلقَ ترحيبا من الموظفين باستثناء عدد من الموظفين الأعلى درجة، الذين ساهم خروجهم في إضعاف المرفق العام أكثر فأكثر، ودعت الحكومة في أكثر من مناسبة الموظفين العموميين للتفكير في هذه الفرضية، في سبيل تحصيل أكبر عدد من المغادرين ما سيساهم في تقليص كتلة الأجور وتخفيف العبء عن صندوق التقاعد. 

وصرفت تونس على دفعات أقساط القرض، إذ تحصلت بادئ الأمر على 314 مليون دولار سنة 2016، وسحبت في 2017 قسطا ثانيا بنفس قيمة الأول، فيما تحصلت في بداية العام 2018 على 257 مليون دولار، وقسط رابع بقيمة 250 مليون دولار في شهر جوان، وآخر بقيمة 245 مليون دولار في سبتمبر من السنة ذاتها. ولم تتمكن الحكومة التونسية خلال العام 2019 من إقناع الصندوق بصرف بقية أقساط القرض التي تناهز 1.1 مليار دولار بعد قرار هيئته المديرة تعليق صرف الأقساط و تعليق التفاوض في قرض جديد لعدم تقدم الحكومة في إجراء المراجعات المتبقية وتعثر تنفيذ النقاط المتبقية من الاتفاق والمتعلقة بتجميد كتلة الأجور والرفع التدريجي للدعم على الطاقة وإعادة جدولة نفقات التنمية بإلغاء النفقات المرتبطة بالمؤسسات غير ذات الأولوية الاقتصادية وامتناع البنك المركزي عن التدخل في سوق الصرف مع الإبقاء على صلاحيته في مراقبة تطور الودائع والأمانات. 

 

صندوق النقد ليس مؤسسة خيرية

تستهدف هذه الإجراءات في أغلبها الطبقة الوسطى كما الفقيرة. فهي المعنية أساسا بمنظومة الدعم، حتى وإن حالت منظومة الفساد دون تمتعها بها وتم توجيهها لغير مستحقيها. وهي المعنية أيضا بالترفيع في أجور القطاع العام حتى تتلاءم مع نسبة التضخم المرتفعة وانهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار. ومن غير المتوقع أن يفكر صندوق النقد الدولي في هذه الفئات، فكل ما يشغله هو تحرير السوق كليا وتراجع دور الدولة اقتصاديا واجتماعيا وضمان سلاسة استرجاع الأقساط وفوائدها المجحفة حتى زمن الأزمات العالمية. 

من جانبها، تعتبر أستاذة الاقتصاد فاطمة مراكشي في حديث لـ”المفكرة القانونية” إن الإجراءات محل تعهد تونس زمن الاتفاق السابق، كانت لتكون ذات طابع ملموس لو تم تطبيق كامل برنامج الإصلاح. فالحكومات المتعاقبة اتّجهت نحو تطبيق جزئي ما أفقده نجاعته. وأحالت إلى أن جلّ القوانين التي تمّ سنّها في هذا السياق، تضمنت نقائص ما يجعلها مستحيلة التطبيق واستوجب ذلك سن أخرى جديدة معدّلة لها، وحتى تلك المتكاملة لم يتم استصدار الأوامر التطبيقية اللازمة من أجل تفعيلها. وبينت ذات المتحدثة أن المسألة لا تتعلق بإملاءات من الصندوق، بقدر ما ترتبط بضرورة تحديث المنظومة التشريعية لتلائم مقتضيات المرحلة. 

وشرحت مراكشي لـ”المفكرة القانونية” أن البلاد في حاجة إلى 18.5 مليار دينار لدعم ميزانيتها، وهو مبلغ مرتفع مقارنة بالسنوات الماضية، ما يجبر تونس على الخروج إلى السوق المالية العالمية. وأردفت أن الصندوق لن يسد كامل العجز المالي ولن يتجاوز حجم مساهمته 2 مليار دولار ولكنه ضمان يدعم صورة تونس أمام المانحين الدوليين كدولة قادرة على سداد ديونها. 

وفي تقدير الأستاذة فاطمة مراكشي، فإن تشخيص أزمة المالية العمومية والحلول معلومة للطرف التونسي. لكن بطء الإصلاح وغياب نجاعة المنجز سبب مباشر لتفاقم المديونية. وفسرت أن تعثر مراجعة منظومة الدعم التي يستفيد منها غير مستحقيها، والضغط على كتلة الأجور زيادة عن تعطل إصلاح المنظومة الجبائية عمقت ضعف الموارد الداخلية ودفعت نحو الاقتراض لسد عجز الميزانية، مضيفة أن خلق الثروة والتخطيط لمدى متوسط وطويل ورفع الإنتاجية تعدّ الحل الأمثل للوضع الذي تشهده البلاد. 

وبصرف النظر عن تاريخ صندوق النقد القاتم مع تونس، إذ لم يردّ بعد على مراسلة هيئة الحقيقة والكرامة الموجهة له منذ سنة 2018 المطالبة بالتعويض عن مسؤوليته  خلال فترة ما قبل ثورة 2011 في إملاء شروط مجحفة ساهمت في انتهاك حقوق الانسان والإضرار بالاقتصاد الوطني، وشطب الديون غير الشرعية، فإن النقاشات المستقبلية قد تعيد السيناريو ذاته في ظل تقلص هامش التفاوض والمناورة من الجانب التونسي. 

 ويقول الباحث في السياسات الدولية يوسف الشريف لـ”المفكرة القانونية” في هذا السياق، إنه من المؤكد أن صندوق النقد لا يفكر في الشعوب المقهورة وإنما يعلي الصفة الربحية للسوق والمصالح الاقتصادية للدول الكبرى. وشدد على أن جل الطبقات باستثناء الميسورة ستتضرر قطعا بمجرد الانطلاق في تنفيذ هذه الاصلاحات “العميقة والجذرية”. وستدوم الصعوبات الاقتصادية ما يفوق العقد من الزمن إلى أن تبدأ ثمار الإصلاح في الظهور. ونبّه الشريف إلى أن تونس على غرار اليونان وبقية الدول التي وجدت نفسها في تبعية كاملة للمقرضين الخارجيين ستكون أدواتها التفاوضية ضعيفة جدا ما سيدفعها للقبول بكامل شروط المانحين. ولفت ذات المتحدث إلى أن الهشاشة السياسية وغياب الرؤية الاستراتيجية ستضعف أيضا من قدرة البلاد في التفاوض مع الصندوق. ويتشابه وفق الباحث في السياسات الدولية المانحون العرب مع بقية المقرضين في رغبات الهيمنة والأطماع وارتهان سيادة الدول المدينة. 

وإزاء ضرورة التوجه للصندوق التي بدا واضحا أنه لا مناص منها ولا مخلص، أضحى البحث عن حلول أخرى طويلة المدى لا ترقيعية أمرا حتميا وفي مقدمتها عودة الإنتاجية إلى مستوياتها القصوى في المنشآت العمومية وهيكلة الاقتصاد الموازي والتشجيع على المنافسة والاستثمار وإرساء أسس جباية عادلة. وحتى لا يعيش التونسيون ما عاشه نظراؤهم في مصر والأردن ولبنان من “وضع يد” على اقتصادهم وصعوبة بالغة في تأمين حاجياتهم اليومية بعد خضوع الحكومات لشروط الصندوق التقشفية، يقتضي الأمر اليقظة خلال كامل مراحل التفاوض والضغط في اتجاه الحدّ من انعكاسات هذه الإملاءات على معيشتهم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، تونس ، سياسات عامة ، مصارف ، منظمات دولية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *