وقفة حرّية


2023-07-03    |   

وقفة حرّية

تُصدِر مجلة “المفكرة القانونية” لبنان اليوم عددها 69 الذي نخصّصه لتوثيق أهمّ المستجدّات القانونية والاجتماعية التي حصلت خلال فترة إعداده وتحليلها. وبذلك، تكون المفكّرة قد عدلتْ عن التوجّه الذي اعتمدته ابتداء من نيسان 2018 في تخصيص أعدادها الدورية لموضوع محدّد لتعود إلى روحية أعدادها الـ 53 الأولى الأكثر تنوّعًا. هذا مع العلم أنّ “المفكّرة” كانت أوقفتْ إصدار مطبوعَتِها في أعقاب انتشار وباء كورونا وما استتبعَه من صعوبات في التوزيع بنتيجة الإغلاق العام.  

وما حفّز عودة “المفكرة” المطبوعة إلى الصدور هو مواجهة الترسانة التي رمت مؤخرًا إلى إلقاء ظلال كثيفة من العتمة على نظام العدالة، وذلك من خلال الاعتداء على حرّيات المحامين والقضاة، وتقييدها على نحو يمسّ بجوهرها. وقد استهلّ مجلس نقابة المحامين في بيروت هذا الاعتداء من خلال التعديلات التي أدخلها على نظام آداب المهنة وصولًا إلى إخضاع حرّيات المحامين للرقابة المسبقة (وهي التعديلات التي نخصّص لها ملفًّا كاملًا داخل هذا العدد). وقد تواصلت مساعي التّعتيم على عمل العدالة في تعميميْ وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري الخوري الصادرين في 26 نيسان 2023 واللذيْن هدفا إلى إسكات القضاة وعزلهم. وفيما شكّل قرار النقابة تهديدًا لنموذج المحامي المُناصر للقضايا الاجتماعية (أو محاميّ الحراك) الذي نشأ بمناسبة حراك صيف 2015، استهدف تعميما وزير العدل نادي قضاة لبنان ومعه نموذج القاضي المنفتح على قضايا المجتمع أو القاضي المستقلّ حامي الحقوق والحرّيات. وقد تكلّل كلّ ذلك بخطاب سريالي هدف إلى شيطنة الحرّية والتركيز على سلبيّاتها مع تغييب أيّ من إيجابياتها. وقد عبّر عن هذا الخطاب في أكثر من مناسبة نقيب محامي بيروت ناضر كسبار في صيغة سؤال بالغ الدلالة: “كم من الجرائم ترتكب باسم الحرّية؟” وقد انخرط فيه وزراء العدل والثقافة محمد مرتضى والداخلية بسام المولوي في ندوة جمعتهم مع النقيب كسبار على منبر النقابة، حيث بدت كلمة السرّ: “لا تتذمّروا من تقييد الحرّية” حيث أنّه ضروري لمواجهة الفوضى الحاصلة. ولم تتأخر الهيئة المختلطة لدى محكمة استئناف بيروت (وهي مختلطة لأنّها تضمّ إلى قضاتها الثلاثة عضوين من أعضاء مجلس نقابة المحامين) في تبنّي الخطاب نفسه في قرارها الصادر بالإجماع في تاريخ 12 أيار 2023 بردّ الطعون المقدّمة على تعديلات النقابة. وعليه، ها هي النقابة التي طالما فاخرت أنّها نقابة الحرّيات تتحوّل إلى منبر لتظهير مخاطرها، منذرة بتحوّلها من قوّة تناضل للدفاع عن الحرّية إلى قوّة تجهد من أجل شرعنة تقييدها، توجّسًا من الفوضى. وعليه، يأتي هذا العدد ومعه عودة مطبوعة “المفكرة” بمثابة وقفة حرّية درءًا للانزلاق في هذا المنحدر. 

والحرّية التي ندافع عنها هنا هي نفسها الحرّية التي بنتْ منها وعليها “المفكرة” عالمها. هي الحرّية التي لا تبهرها المقامات أو تكبحها المسلّمات ولا تغشّها الأقنعة. هي الحرّية التي تتجاوز الخطوط الحمراء التي تحول دون معرفة الحقيقة أو الوصول إلى العدالة. هي حرّية المحامي في الدفاع عن القضايا الحقوقية أمام القضاء ولكن أيضًا في الفضاء العام كلّما استشعر حاجة للاحتكام إلى الرأي العام لفضح تدخّل أو تجاوز أو تعطيل في عمل المحاكم. وهي حرّية القاضي في استهجان الضغوط والتدخّلات التي تمارس عليه وعلى زملائه، في قطع مع عقود من الصمت والعزلة ضمانًا لمنعته واستقلاليّته. وهي حرّية الإعلام وكلّ مواطن في مساءلة كلّ ذي نفوذ عن الانتهاكات المرتكبة منه. بكلمة أخرى، الحرّية التي ندافع عنها هنا هي الحرّية التي تضيء على الحقيقة وتعلّي الصوت ضدّ الافتئات عليها وعلى العدالة. وهي تحديدًا الحرّية التي يكرهها كلّ من يكره  العدالة. وعليه، وكما ترى “المفكرة” أنّ التمتّع بالحرّية ضرورة لوضع حدّ للفوضى الكبرى المتمثلة في انهيار نظام المحاسبة برمّته وسواد شريعة الغاب، يرى مناوئو العدالة أنّ تقييد الحرّية هو ضرورة لتحصين جدار الإفلات من العقاب الذي ينذر أي مسّ به بـ “الفوضى” التي يخشونها.

 وليس من المستغرب تاليًا أن يتمّ الانقضاض على حرّية المهن القانونية في سياق يواجه فيه أعيان النظام الحاكم تحدّيات كبيرة مع نظام العدالة والقانون، والذي بات يتهدّد العديد منهم. فلم يجدْ هؤلاء حرجًا في التعبير عن تبرّمهم الشديد من مباشرة القضاة الأوروبيين إجراءات غير مسبوقة في التحقيق في قضايا الفساد في لبنان في منتصف كانون الثاني. وقد تمّ ذلك وسط حملات إعلامية ممنهجة تحذّر من مخاطر المسّ بالسيادة الوطنية. ولم تنقضِ أيام من جلسات الوفد الأوروبي حتى شهدنا ما جاز تسميته “الانقلابات الكبرى” التي تلاحقتْ ضدّ القضاء في أخطر القضايا الاجتماعية. الانقلاب الأوّل بادر إليه النائب العامّ التمييزي غسان عويدات في 25 كانون الثاني ردًّا على قرار المحقق العدلي في قضية تفجير المرفأ طارق بيطار في متابعة عمله بعد توقيفٍ قسريّ استمرّ أكثر من 13 شهرًا.  وقد بلغ الانقلاب حدّ قلب الأدوار بين عويدات وبيطار. ففيما ادّعى الأوّل على الثاني بجرم الاستيلاء على السلطة لا لسبب إلّا لأنّه اجتهد لتجاوز توقيفه عن العمل لأجل غير مسمى، لم يجد الأوّل حرجًا في الاستيلاء جهارًا على سلطة المحقق العدلي وصولًا إلى الإفراج عن جميع الموقوفين في هذه القضية خارج أيّ صلاحية.   

وكما درجت العادة، لم يقتصرْ الانقلاب على قضيّة المرفأ بل امتدّ ليشمل قضايا المصارف بهدف منع النائبة العامّة في جبل لبنان غادة عون من الولوج إلى الأسرار المصرفية المتّصلة بقروض منحَها مصرف لبنان إلى عدد من المصارف بعد 17 تشرين بهدف تحويلها إلى الخارج ووصلت قيمتها إلى 8.3 مليار دولار أميركي. وقد قاد هذا الانقلاب هذه المرة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى حدّ الحلول محلّ القضاء في تفسير النصوص القانونية وتحريض الضابطة العدلية على عدم تنفيذ مذكراته بما يناقض تمامًا مبدأ فصل السلطات. 

واللافت أنّ الانقلابيْن ارتَكزا إلى المادة 751 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تحوّلت إلى أداةٍ تخوّل أيّ مدّعى عليه توقيف أيّ إجراءات ضدّه بمجرّد مخاصمة الدّولة على خلفية عمل القاضي الذي يجريها لأجل غير مسمّى، وتاليًا إلى مرادف لنظام الإفلات من العقاب. يحصل ذلك تلقائيًا وفق هذه المادة بمجرد تقديم دعوى المخاصمة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز مهما كانت الدعوى واهية وتعسّفية، ولا ينتهي تعليق الإجراءات إلّا بعد تدقيق الهيئة في دعوى المخاصمة، وهو أمر مستحيل حصوله بفعل تعطيل نصابها بقرار سياسيّ. وإذ شكّلت تاليًا هذه الممارسة أحد تجليّات نظام الإفلات من العقاب، جاء الانقلابان ليعكسا انخراطَ رأسيْ الحكومة والنيابة العامّة في تحصينه ضدّ أيّ قاضٍ تجرّأ أو قد يتجرّأ على فتح ملفات قضائية في وجه أصحاب النفوذ. وبذلك، عبّرت السلطة الحاكمة عن عميق توجّسها من “الشطط” القضائي و”الفوضى” التي قد يتسبّب بها. وهو توجّس سرعان ما وجد تجليات أخرى في ضبط حرّيات المحامين والقضاة.     

فكما يكره نظام الإفلات من العقاب القضاء المستقلّ وحكم القانون، كذلك تراه يكره الحرّية التي من شأنها، وحدها أحيانًا، أن تزعزع الأسس التي يقوم عليها. 

لتحميل العدد بنسخة PDF

انشر المقال

متوفر من خلال:

مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية