وفاة 3 سجناء خلال أسبوعين: هل قتلهم الإهمال الطبي؟


2023-09-27    |   

وفاة 3 سجناء خلال أسبوعين: هل قتلهم الإهمال الطبي؟
رسم رائد شرف

ضغط، سكري، زائدة دودية، وحتى السرطان. أمراض غالبًا ما يكون من الممكن السيطرة عليها شرط توفير العلاج في الوقت المناسب، لكن في السجون اللبنانية، تحولت هذه الأمراض إلى حكم إعدام صامت، حيث يتم حرمان السجناء من الرعاية الصحية الفورية فضلاً عن ظروف الاحتجاز اللاانسانية. فتوفّي كلّ من عماد قاسم، سعيد النمري، محمد سعيد في الأسبوعين الماضيين فيما يرقد ذو الفقار ربيح في غيبوبة بعد انفجار الزائدة.

في هذا التقرير، الذي نستكمل من خلاله توثيق النتائج القاتلة لانهيار الرعاية الصحية للسجناء وتدهور ظروف احتجازهم، ننقل قصص ضحايا جدد، واستغاثات زملائهم من داخل زنازينهم، وصرخات الأهالي أمام موت أبنائهم من دون الرعاية الصحية الكافية، وحتى من دون محاكمات في معظم الحالات.

عماد قاسم: 9 أشهر في سجن القبّة ولم يسمع صراخه أحد 

في منزل شديد التواضع في منطقة الرفاعية في طرابلس، تتقبل أسرة عماد قاسم التعازي بفقيدها، فيما يمتزج الحزن مع الغضب في عيون أفرادها، الذين يؤكدون أن الزوج والأب لـ 6 أبناء قضى نتيجة “جريمة إهمال طبي ارتكبتها إدارة سجن القبة”. وعماد، الذي كان موقوفًا منذ 16 شهرًا من دون محاكمة، توفّي يوم الثلاثاء 19 أيلول عن عمر 51 عامًا، بعد حوالي العام من المعاناة مع أعراض متنوّعة وبعد 3 أشهر من إجراء الفحوصات اللازمة له والتي بيّنت إصابته بالسرطان في مراحله الأخيرة. 

تروي الأسرة تفاصيل من المعاناة التي عاشتها مع عماد منذ بدء أوجاعه في خريف العام الماضي، حتى التثبت من إصابته بالسرطان في تموز الفائت. تروي الزوجة نرفين أنّ شكوى زوجها من عوارض متنوّعة لم يكن يلقى آذانًا صاغية لدى إدارة السجن، التي لم تقدّم له صيدليّتها إلّا بعض الحقن التي تسكّن الآلام وتساعد على النوم: “كان السرطان ينهش جسد زوجي فيما إدارة السجن تكتفي بتنويمه”. وتتابع: “لدى كل زيارة، كان ينظر عماد في عينيّ ويقول لي: أنا مريض، جسدي منهك، أشعر بالاختناق، لكن صيدلية السجن هنا تكتفي بالمسكّنات في كلّ مرة أشكو فيها”.

في تموز الماضي، كانت دمعة (24 عامًا)، ابنة عماد، تزور أبيها، حين وقع أرضًا أمامها وأغمي عليه: “حينها فلتت أعصابي على الرائد والعناصر، دخلت إلى مكتب مسؤول السجن وهدّدته بالإعلام إذا لم ينقل أبي فورًا إلى المستشفى”. تستعيد دمعة هذه اللحظات فتتغيّر معالم وجهها: “وقفت في ملعب السجن أصرخ بأعلى صوتي، أنتم تقتلون أبي، حينها فقط وافقت الإدارة على نقله إلى المستشفى الحكومي، حيث اكتشفنا إصابته بالسرطان، بعد 9 أشهر من الأوجاع المهملة”.

إدخال عماد المستشفى فتح فصلًا جديدًا من المعاناة بعد أن “اكتشفوا إصابة زوجي بالسرطان، مؤكّدين أنّ المرض بات في مراحله الأخيرة، وقد فتك بالكبد والرئتين”، تقول الزوجة، لتضيف بأنّه حتى في أيامه الأخيرة لم يكن هناك طبيب سرطان يتابع حالة زوجها، ما اضطرّها إلى اللجوء إلى طبيب خاص طلب صورة أشعة (ct scan) وزرع (biopsy) لم تكن في مقدور الأسرة. “ظلّ زوجي على المصل في المستشفى شهرين حتى مات.. ضحية إهمال وراء إهمال وراء إهمال”، تختم بأسى.

بدوره يؤكد جميل (23 عامًا) ابن عماد عزمه تحقيق العدالة لوالده: “سأدّعي على المسؤولين عن الإهمال الطبي بحق والدي”، فيما تبدو أخته دمعة أقلّ تفاؤلًا: “القضاء الذي رفض طلبات إخلاء سبيل والدي في أيامه الأخيرة، رغم تقرير من الطبيب يؤكد أنّ أيامه معدودة ومن الأفضل له أن يموت بين أسرته، لن يحقق العدالة لوالدي بعد موته”. يؤكّد جميل “والدي واجه ظلمًا فهو موقوف من دون محاكمة، فضلًا عن تهمة الترويج للمخدرات التي ترمى على كل من يستخدمها من دون أي إثبات أو دليل على قيامه بالتجارة بها”. 

تقول مصادر طبية من داخل مستشفى طرابلس الحكومي إن عماد “وصل من السجن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبقاؤه حيًا شهرين في المستشفى معجزة”. فيما يشدد المحامي محمد صبلوح، رئيس لجنة السجون في نقابة محامي طرابلس، على ضرورة التحقيق في وفاة عماد قاسم، مشيرًا إلى أنّ “معظم الوفيات في السجون هي نتيجة استهتار إدارات السجون بحجّة عدم توفّر السيولة المالية وعدم تغطية الدولة”، وكاشفًا عن متابعته لـ”عشرات حالات الوفيات التي كان التقصير سببها”. 

وفاة سعيد النمري ومحمد سعيد في رومية: الإهمال الطبي مجدّدًا

في سجن رومية، وعلى بعد أيام فقط من الحرية، لفظ سعيد النمري أنفاسه الأخيرة. في اللحظات الأخيرة من حياته، كان مثلّث الإهمال الرسمي والفقر والسباق مع الوقت يكتب السطور الأخيرة من قصة حياة الرجل الأربعيني، الذي دخل سجن رومية بحكم مدّته 5 سنوات ليخرج منه جثة بعد أن حدد ثمن إنقاذ حياته بـ 200 دولار هي رسوم دخول المستشفى، تسابق الأهل على تأمينها لكن سيف الوقت كان أمضى.

وفيما يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي العميد جوزيف مسلّم إن تحقيقًا فتح في وفاة سعيد، تؤكّد رئيسة لجنة أهالي الموقوفين رائدة الصلح أنّ صحة سعيد كانت في تدهور مستمرّ نتيجة صعوبات في تأمين أدوية ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب مع انقطاعها المتكرّر في صيدلية السجن. وهي الصيدلية التي انتظر فيها سعيد في يوم 13 أيلول حتفه محدّقًا برفوفها الفارغة من الأدوية. يؤكّد أحد زملاء الزنزانة: “منذ فترة انقطع الإنسولين لأسبوعين، وأدوية الضغط في انقطاع دائم مثلها مثل سائر الأدوية”. 

وسعيد الذي من المفترض أن تنتهي محكوميته في 29 أيلول الجاري، كان مصابًا بارتفاع ضغط الدم وتصلّب الشرايين، وقد خضع سابقًا لعملية قسطرة لتوسعة الشرايين. تصبح هنا ظروف السجن عاملًا إضافيًا في تدهور صحته، بسبب الحر والرطوبة بين جدران نظارة دائرية في مبنى الأحداث قطرها 15 مترًا يحشر فيها 110 من السجناء.

في المبنى دال، مأساة أخرى، لمريض السكري ذي الـ 40 عامًا محمد سعد الذي قضى يوم الجمعة 22 أيلول، بعد أن تدهورت صحته نتيجة نقص الأدوية. تشبه قصة محمد قصة سعيد، زملاؤه يقولون إن صحّته كانت تتدهور تباعًا، بسبب “الانقطاع المتكرّر للأدوية، إضافة إلى ظروف السجن غير الآدمية”. يروي هذا السجين الساعات الأخيرة من حياة محمد: “حيث اشتدّت الأعراض عند الساعة 11:00 من ليل الخميس، حتى ضجّ السجن بصرخاته، من دون أيّ تدخّل من العناصر الأمنية. فكان علينا أن ننتظر حتى الساعة 10:00 من صباح اليوم التالي، حينما وصل طبيب يتبع لإحدى الجمعيات أوضح ضرورة نقل محمد فورًا إلى المستشفى نظرًا للحالة الحرجة التي كان فيها، إذ كان يصارع الموت”. يتابع السجين شهادته: “على الرغم من هذا التحذير شديد الوضوح، تمّ تأجيل الأمور حتى وصول طبيب السجن عند الساعة 12 ظهرًا. وللأسف، استغرق الطبيب وقتًا إضافيًا حتى أكمل تقريره في الساعة الواحدة والنصف ظهرًا. وفي النهاية، وصل محمد إلى مستشفى الحياة جثة هامدة، تاركًا خلفه صرخات اليأس والحزن، ورعب الموت المحدق بنا جميعًا في ظلّ الإهمال”. وتقول رئيسة لجنة أهالي الموقوفين رائدة الصلح إنّ تأخيرًا إضافيًا حصل لإدخال محمد إلى المستشفى جرّاء البحث عن أهله لدفع مبلغ مالي مسبقًا، أما في مستشفى الحياة، فنفت الإدارة “العلم بهكذا حالة”، طالبة مهلة 48 ساعة لمراجعات سجلّاتها. 

ومستحقات المستشفيات، حكومية وخاصة، على الدولة، متراكمة منذ ما قبل الأزمة، ما دفع عددًا من المستشفيات إلى عدم تجديد عقودها، فيما “ترفض المستشفيات الأخرى استقبال المرضى حتى بالحالات الطارئة، إلّا في حال تأمين مبلغ يدفعه الأهل سلفًا قبل دخول المستشفى، ما يعدّ انتهاكًا لحق الأفراد في الوصول للرعاية الصحية” بحسب ما تؤكده  سحر مندور، الباحثة المختصة بلبنان في منظمة العفو الدولية.

وثق تحقيق لمنظمة العفو الدولية بالفعل تضاعُف عدد الوفيات في الحجز منذ بدء الأزمة، حيث ارتفعت الأرقام من 14 في 2015 إلى 18 في 2018 و34 في 2022: “يصل المساجين المرضى إلى المستشفيات موتى أو على شفير الموت، بسبب الإهمال الطبي والاستهتار الذي تواجهه شكاواهم الصحية من قبل إدارات السجون”، تقول الباحثة مندور، وتلفت إلى أنّ المنظمة وثقت “حالات إهمال عدّة، حيث تغافل العسكر عن أوجاع المساجين، أو استخفّوا بها، أو اكتفت صيدلية السجن بإعطاء مسكّنات، إذا ما توافرت، وهي كثيرًا ما تكون مقطوعة. في المقابل، لم نوثق أي حالة محاسبة للمسؤولين عن حالات إهمال طبي في السجون، خصوصًا أنّ بيانات وزارة الداخلية تعتبر الوفاة طبيعية ثم تشير إلى فتح تحقيقات لا نعرف نتائجها”. تشكك الباحثة مندور في شفافية هذه التحقيقات كما آليات الشكوى والمحاسبة.

“مرضى السكري والقلب والضغط مشاريع موتى”

توفّي سعيد وبعده محمد، فيما يشهد سجن رومية أزمة خاصّة، فوق أزماته، وسط إضراب للأطباء يشمل سجني رومية وزحلة، يدخل شهره الرابع خلال أيام، من دون بوادر للحل، بينما تتلكّأ الحكومة عن تلبية مطالبهم بتحسين بدلات زيارات السجون (تبلغ اليوم 600 ألف ليرة عن كل يوم عمل) فضلًا عن شملهم بـ “المساعدات الاجتماعية” التي أقرّتها للمتعاقدين في القطاع العام. 

وإضافة إلى انقطاع الأدوية، وغياب الأطباء، والإهمال الطبي وغياب المحاسبة، تحذّر الباحثة من منظمة العفو الدولية من أنّ بيئة السجون في لبنان بدورها مسببة للأمراض: “ففضلًا عن تدهور نوعية الغذاء، تعتبر نوعية المياه سيّئة ويتردّى مستوى النظافة، وقد وثقنا انتشار أمراض جلدية، وفي بعض الحالت تطوّر المرض إلى التهاب ثم وفاة بفعل الإهمال”. 

يرسم يوسف، أحد السجناء، لوحة مريرة للواقع الحالي، حيث أصبح السجين معتمدًا بالكامل على نفسه وأسرته لتوفير احتياجاته الأساسية ويقول: “يبقى أن ندفع تكلفة الإقامة في الزنزانة ورسوم الحراسة للعساكر وقوى الأمن”. يجد يوسف نفسه يعوّل على ما تستطيع أسرته الفقيرة تأمينه له في سجنه، وهو يتحدث عن انهيار الصحة النفسية لدى السجناء.

تؤكد رئيس لجنة أهالي الموقوفين أنّ الأهالي القادرين على تأمين احتياجات أولادهم من غذاء وماء وطبابة لا يتعدون الـ10%، فيما الأغلبية يعجزون حتى عن تأمين مصاريف المواصلات لزيارة أبنائهم دوريًا. يقول يوسف “نحن نموت بصمت، الدولة تقتلنا، والجمعيات غائبة تقديماتها محدودة، السياسيون لا يتذكّروننا إلّا ضمن المكايدات السياسية التي تعطّل بعضها، كما في قضية العفو العام مثلًا، أهالينا مغلوب على أمرهم، ونحن ينتشر بيننا الموت والأمراض نتيجة الرطوبة والتلوّث وسوء التغذية”.

يتحدث يوسف عن أنّ هناك سجناء يعانون من آلام الأسنان لفترات طويلة، حتى يتمكّنوا من تأمين ثمن إبرة البنج كشرط لإجراء عملية خلع ضرس بسيطة، بدوره يقول سجين آخر من زملاء سعيد: “بتنا ننظر إلى مرضى السكري والقلب والضغط على أنّهم مشاريع موتى، بواقعية، في ظلّ انقطاع الأدوية وصعوبة الدخول إلى المستشفى”، ليسأل: هل حقوق الإنسان تقول بأنْ نحكم بالإعدام على سجين يؤدي محكوميته أو موقوف ينتظر المحاكمة، بسبب أمراض يتعايش معها المقتدرون ماديًا أو من هم خارج السجن مدى الحياة وبشكل شبه طبيعي”. 

فيما تكتب هذه السطور، يرقد سجين آخر هو ذو الفقار ربيح في مستشفى الحياة في غيبوبة، بعد أن تأخّر نقله إلى المستشفى يوم الأحد الماضي، إثر انفجار الزائدة الدودية، وتباطؤ إدارة سجن رومية عن الاستجابة لاستغاثاته بحسب أحد السجناء الذين رافقوه. أما الحجّة فهي “أنّ الأحد يوم عطلة، فلم تفتح أبواب الزنزانة إلا بعد 5 ساعات من الاستغاثات، ثم تم انتظار وصول طبيب لمعاينته قبل تحويله إلى المستشفى، التي وصلها بحالة كوما”، وفقًا للسجين نفسه.

تلفت رئيسة لجنة الموقوفين رائدة الصلح إلى أنّ ما لا نعرفه عن مآسي السجون يبقى أكثر ممّا نعرفه، “حيث الوصول محدود جدًا في سجون النساء، وفي المناطق”. رغم هذا، تبقى قصص عماد قاسم وسعيد النمري ومحمد سعد، بمثابة شهادات موثقة تؤكّد الحاجة الملحّة لخطة حكومية طارئة تنقذ المساجين من شباك الموت والإهمال. هؤلاء الأفراد هم وفقًا للقانون من مسؤولية الدولة التي عليها أن تكفل لهم حقوقهم بالغذاء والدواء والطبابة والاستشفاء المجاني، وصولًا إلى المحاكمات العادلة والسريعة كي لا يبقى أكثر من 80% منهم غير محكومين. وهم حتمًا يستحقّون العدالة بدل قسوة اللامبالاة. فحياة من هم داخل سجوننا مهمّة، ولا ينبغي أبدًا التضحية بحقهم في الحياة على مذبح الإهمال.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، فئات مهمشة ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية