وفاة مضربين عن الطعام في سجن تونسي: هل يمهد “انتحارهما” لاصلاح العدالة الجزائية؟


2012-11-20    |   

وفاة مضربين عن الطعام في سجن تونسي: هل يمهد “انتحارهما” لاصلاح العدالة الجزائية؟

بعد شهرين من إحداث السفارة الأميركية بتونس التي تمثلت وقائعها في مهاجمة عناصر سلفية يوم 14 سبتمبر 2012 لمقر السفارة، عاد اثنان منهما (بشير القلي ومحمد البختي) ليحتلا المشهد العام ليس بصفتيهما متهمين وإنما بعد اعلان وفاتهما نتيجة إضرابهما عن الطعام لمدة خمسين يوما احتجاجا على ظروف اعتقالهما وأسبابه. وحوّل إعلان وفاتهما من سجينين يحمّلهما الرأي العام والمشهد الحقوقي مسؤولية الإضرار بالسلم الاجتماعي في تونس وبالمصالح التونسية الدبلوماسية  إلى ضحيتين يطلب ذات المشهد البحث في أسباب وفاتهما تحديدا للمسؤوليات مع رغبة بعض الجهات في استثمار الحادثة في إطار التجاذب بين المعارضة والسلطة.
فاجأ الاعلان عن وفاة السجينين الرأي العام الذي لم يطلع قبل تاريخه عن خبر الإضراب وحيثياته. واتهم المتحدثون باسم التيار السلفي أطراف الطيف السياسي والحقوقي بالوقوف وراء هلاكهما بعد ان اعتبر ايقافهما نتيجة للحملة الاعلامية التي حرضت على استهداف المنتمين للفكر السلفي دون أن تستند الى أدلة ادانة واضحة مما يفسر احتجاجهما العنيف.
وذكرت المصادر الرسمية أن الادارة السجنية بذلت مجهودات لاقناع المتهمين بفك اضرابهما واستعانت بوزارة حقوق الانسان وعائلة الفقيدين، الا أن اصرارهما على الاضراب وممانعتهما في تلقي أي شكل من أشكال التغذية الاصطناعية حال دون نجاح المساعي. والواقع أن نفي الجهات الرسمية للتقصير في هذا المجال يتعارض ظاهريا مع ما ذكره مصدر طبي من أن الهالكين نقلا للمستشفى بعد أن ساءت حالتهما الصحية بشكل كبير وبات من الصعب انقاذهما.
ويكشف تضارب البيانات الرسمية حالة الإرباك التي نجمت عن الواقعة. فوفاة متهمين في السجون التونسية بعد الثورة بسبب العجز عن ثنيهما عن مواصلة إضرابهما أو التدخل في الوقت المناسب لتوفير عناية طبية تمنع هلاكهما، تعد مؤشرا على فشل المؤسسة السجنية والقضائية في حماية المتهمين بالشكل المفترض حال احتجازهم القانوني. واذا كانت السلطة ممثلة برئيس الجمهورية قد أعلنت مسؤوليتها الأدبية عن الحادثة وتعهدت إجراء تحقيق لغاية كشف ملابساتها، فان النظر في وضعية السجون التونسية يبين أن أسباب الفشل قد تكون موضوعية متصلة بوضعية السجون التونسية، وتحتاج الى تدخل من هذه الزاوية لمنع تكرار الواقعة.
فهذه السجون تعاني من اكتظاظ يتجاوز طاقتها على الاستيعاب بما يمنع فعليا توفير العناية الصحية والنفسية للمساجين في تونس، كما يذكر أن الإدارة السجنية اعتادت خلال الحقبة الاستبدادية أن تواجه التحركات الاحتجاجية للمساجين ولو كانت إضرابات سلمية عن الطعام باستعمال قوة القمع الأمني ووجدت هذه المنظومة نفسها بعد الثورة غير مؤهلة معرفيا لمواجهة التحركات بوسائل بديلة تضمن احترام القيمة الإنسانية للسجين مع نجاعة التدخل، وهو ما قد يكون من أسباب الفشل الحاصل في إقناع السجينين بفك إضرابهما وبالتدخل في الزمن الملائم لإنقاذهما.
ويفسر اكتظاظ المؤسسات السجنية في جانب منه بما يذكر من إفراط القضاة في اللجوء إلى الإيقاف التحفظي (التوقيف الاحتياطي)، وهو أمر جعل السجون عاجزة عن حسن التواصل مع نزلائها. وتفيد المصادر الرسمية أن قرابة نصف المساجين المودعين بالسجون التونسية هم من الموقوفين تحفظيا، وأن نسبة هامة من بينهم من الذين تنسب لهم جرائم لا تستدعي محكومية طويلة الأمد، بما يعني أن الإطارات السجنية تستنزف جهودها اليومية في نقل موقوفين إلى المحاكم، وفي تسريح من صدرت في شأنهم أحكام بالإخلاء، وفي استقبال موقوفين جدد، بما يمنع من حسن تأطيرها لمن يبدو إيقافهم مبررا ويحتاجون لرعاية خاصة. وتؤدي الظاهرة عينها الى ازدحام في غرف السجون بما يعيق حسن تصنيف المساجين حسب ميولهم، ومدى خطورة الجرم المعزو اليهم. وقد كان من أسباب إضراب المتهمين السلفيين عن الطعام رفض الإدارة تمييزهم بغرف إيقاف خاصة لا تضم متهمين من المدخنين.
وحرص رئيس الجمهورية الدكتور منصف المرزوقي بمناسبة تناوله لواقعة وفاة المتهمين على ذكر أنه لا مجال لأي كان بإبتزار الدولة عبر إضراب جوع متواصل للإفلات من المحاسبة خاصة في إطار دولة ما بعد الثورة، وما تضمنه من محاكمة عادلة وشفافة. ولا مجال مطلقا لترك مثل هذا الباب مفتوحا لأي كان ومهما كانت الظروف والمبررات، لأن الأمر يعني الدخول في مسلسل خطير قد يؤدي إلى انهيار مفهوم العدالة ومصداقية المحاكم ومن ثمة مصداقية الدولة ككل. ويبدو مقال الرئيس في مضمونه ودلالته رسالة تطمين تضمن النأي بالقضاء عن التجاذبات السياسية التي تحاول دوما أن تتدخل في العمل القضائي للتأثير في أعماله واستقلاليته باستغلال قدرتها على توجيه الإعلام والرأي العام لجعله أداة تضغط من أجل جعل الأحكام القضائية تتلاءم مع ما يطلبه السياسيون.
غير أن الحرص على استقلالية القرار القضائي وهيبة مؤسسات الدولة لا يجب أن يكون سببا لمنع البحث في عمق الحادثة تمهيدا لتحويلها الى بوابة تنطلق منها فعليا ورشة إصلاح المنظومة القضائية والسجنية على نحو يضمن حماية حقوق السجين ويكفل عدم التعسف في الإيقافات حماية لدور العقوبة السجنية الإصلاحي.
ولدت الثورة التونسية يوم انتحر محمد البوعزيزي فكان الانتحار فعل ولادة صنع الحرية، وتحدث رجال الدين عن فعل الراحلين بشير القلي ومحمد البختي بنفسيهما فقالوا انه انتحار محرم شرعا. ولكن، بمعزل عن التوصيف الديني والأخلاقي لفعلهما، هل يشكل "هذا الانتحار الثاني" بداية انطلاق ورشة اصلاح جدية للعدالة الجزائية، تضمن حماية المتهم ومحاكمته في آن؟

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية