وصفة لبنانية لتعطيل المحاكم الدستورية: الربع المعطل


2013-06-17    |   

وصفة لبنانية لتعطيل المحاكم الدستورية: الربع المعطل

في 11-6-2013، وفيما كان اللبنانيون يتساءلون عما سيكون عليه موقف المجلس الدستوري بشأن الطعن في قانون تمديد ولاية المجلس النيابي، برزت مفاجأة من العيار الثقيل: فقد تغيب ثلاثة من أصل عشرة أعضاء في المجلس عن حضور جلساته، مما أدى الى تعطيل النصاب الذي لا يتوفر الا باجتماع ثمانية أعضاء وأوحى بإمكانية منع المجلس من اتخاذ أي قرار بهذا الشأن ضمن المهل القانونية. وقد فسرت صحيفة الأخبار تغيب هؤلاء غداة حصوله "بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط متفقان على تعطيل نصاب المجلس الدستوري من خلال الايعاز الى العضوين الشيعيين والعضو الدرزي الثالث بالتغيب عن حضور الجلسات كما حصل أمس". وهذا ما أكدته صحيفة السفير في افتتاحيتها الصادرة في اليوم نفسه تحت عنوان: "الدستوري يطعن نفسه: الأمرة لملوك الطوائف!" مضيفة بأن تأثير السياسيين لم يقتصر على الأعضاء الذين تغيبوا منعا لاتخاذ قرار بل أيضا على الأعضاء الذين حضروا بنية اتخاذ قرار موافق لمطالب مرجعياتهم. وقد كرر الأعضاء المتغيبون الكرة في اليوم التالي ويعتقد أنهم سيفعلون ذلك مجددا في الأيام القادمة حتى انتهاء المهلة القانونية للنظر في الطعن (أي 20-6-2013)، بحيث يحرم الطاعن من حقه بالتقاضي ويصبح قانون التمديد المطعون فيه صحيحا غير قابل لأي طعن آخر وفقا لأحكام قانون انشاء المجلس الدستوري ونظامه الداخلي. وهذا ما اعتبر نبيه بري وفق ما نقله عنه عدد من المواقع الالكترونية أنه أسهمبحماية البلد وأنه ينطلق من الحرص والتزام القانون والدستور درءا لوقوع الفتنة.
والواقع أن هذه الحادثة تشكل صورة كاريكاتورية جد بليغة لمدى تغول السياسة في القضاء (أقله المجلس الدستوري) في لبنان وخصوصا عند مقارنتها بالآليات المستخدمة في مصر لتعطيل المحكمة الدستورية العليا الحاصل منذ أشهر قليلة. فمع اقتراب هذه المحكمة من النظر في مدى دستورية تشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، بدا الحاكم الجديد وكأنه يبحث عن وصفة لتعطيلها الى ما بعد اجراء الاستفتاء على الدستور، على نحو يجعل قرارها من دون جدوى. ولهذه الغاية، لم يجد أفضل من دفع مناصرين له الى محاصرة مداخل المحكمة لمنع أعضائها من الولوج اليها. وبالطبع، وان بدت هذه الوصفة غير مثالية لما يترتب عليها من آثار سلبية، فإنها كانت الخيار الوحيد بالنسبة اليه لتفادي الأسوأ بالنسبة اليه، وقد سعى الى التخفيف من كلفة هذا التدخل من خلال بذل جهود استثنائية للتعجيل في انجاز مشروع الدستور وعرضه على الاستفتاء. ورغم هذه المحاذير، بدا تدخله على هذا الوجه وكأنه فتح أمامه أبواب الجحيم. فسرعان ما تكتل القضاة في نواديهم لجبه سياسة التدخل هذه، معلنين رفضهم المشاركة في الاشراف على الاستفتاء بل أيضا تعطيل المحاكم. وقد أدى ذلك الى اضعاف مشروعية الحاكم الجديد وتظهيره على أنه في صراع مع القانون والعدالة، أو على أنه في طور التحول الى دكتاتور جديد مع ما يستتبع ذلك من تراجع في مشروعيته. أما في لبنان، وإذ شاءت الصدف أن تستشعر جهات قوية في الحكم الحاجة نفسها لمنع المجلس الدستوري من أداء مهامه، فهي لم تضطر على ما يظهر الى دفع أتباعها لمحاصرة المحاكمة، بل استخدمت وصفة جديدة من نوع التدخل الناعم soft: فقد كان كافيا أن تتصل هذه القوى (وربما هاتفيا) بثلاثة قضاة محسوبين عليها طائفيا وسياسيا لمطالبتهم بالتغيب عن جلسات المجلس تعطيلا له. وهكذا، وبهدوء، ومن دون أي عنف أو جلبة، بات المجلس عاجزا عن القيام بمهامه. أما المواطنون الذين تداعوا للاحتشاد أمامه (وكانوا قلة قليلة) فقد أتوا ليس لمنعه عن العمل انما على العكس تماما للاحتجاج ضد امتناعه عن ذلك. وقد اتصلت شعاراتهم كما شعارات غالبية السياسيين عموما برفض التمديد للمجلس النيابي من دون أي إشارة الى استقلالية القضاء. وبذلك، بدت وصفة القوى السياسية اللبنانية أكثر فعالية: فتعطيل العدالة لا يتم هنا بالقوة أو بالضغط ولا يستتبع أي نقمة ضد السياسيين لاعتدائهم على استقلالية القضاء انما يتم بإحجام القاضي عن القيام بمهامه اذعانا منه وانسجاما مع الاعتبارات السياسية، وعلى نحو يؤدي الى مزيد من التقهقر في ثقة المواطنين باستقلاليته وبدوره. وبكلمة أخرى، فان نتيجة تعطيل المجلس تبدو هنا بالنسبة للقوى الحاكمة ليست غير مكلفة وحسب انما أيضا مجزية، فمن الطبيعي أن تزداد مشروعيته قوة بقدر ما تتراجع مشروعية القضاء، ترسيخا لثقافة تدخل القوى السياسية في القضاء، والتي تظهر وكأنها من طبيعة الأشياء.   
وبالطبع، هذا التدخل في أعمال المجلس الى درجة التماهي ليس أمرا منعزلا ولا أمرا غير عادي، بل بات جزءا من ذاكرته وطبيعة عمله. ولعل آخر الأدلة زمنيا على ذلك، صدور قانون الغاء القرعة التي كان يفترض أن تنتهي بموجبها ولاية نصف أعضاء المجلس وسط لامبالاة مريعة. فقد شكل هذا القانون في مفاعيله ما يشبه الرشوة، اذ أنه أدى الى ضمان بقاء أعضاء المجلس جميعا في مناصبهم لثلاث سنوات اضافية، محررا إياهم جميعا من شبح فقدان مناصبهم المجزية بالقرعة، وقد حصل ذلك برضاهم الكامل ومن دون أي اعتراض بدليل تأخر المجلس عن اجراء القرعة ليكون للمشرع الوقت الكافي لإلغائها. والملفت في هذا القانون ليس فقط مضمونه انما أيضا أسبابه الموجبة ومفادها الحؤول دون تعطيل المجلس الذي قد يحصل في حال اخراج أعضاء بالقرعة من دون اتفاق الطبقة الحاكمة على تعيين بدائل عنهم، وذلك بالنظر الى ضعف الديمقراطية فيه. فهذه الأسباب بنيت على معطيات غير صحيحة طالما أن قانون النظام الداخلي للمجلس نص صراحة على استمرار الأعضاء المنتهية ولاياتهم في أعمالهم حتى تعيين بدائل عنهم. لكن الملفت بدرجة أكبر، هو أن التعطيل الحاصل حاليا تم ليس بسبب انتهاء ولاية الأعضاء انما بسبب قرب هؤلاء من الطبقة السياسية والذي يحتمل أن يكون قد تفاقم تبعا لإلغاء القرعة، مما يجعل الغاءها سببا للتعطيل أكثر مما هي حائل دونه. كما نسجل في الاتجاه نفسه، عددا من القوانين التي دأب المشرع على اصدارها لتعديل قانوني انشاء المجلس الدستوري ونظامه الداخلي عند كل منعطف أو تحول سياسي بما ينسجم مع مقتضيات المرحلة الجديدة، وعمليا على نحو يعزز حظوظها في فرض مواقفها داخله أو يقلل حظوظ القوى المنافسة لها في ذلك. وهذا ما شهدناه مثلا في 1999 مع بدايات عهد اميل لحود مع تعديل شرط الأكثرية المطلوبة في المجلس لاتخاذ قرارات بإبطال الانتخابات النيابية من أكثرية سبعة أعضاء الى الأكثرية النسبية بما ينسجم مع سياسة النظام الجديد في اضعاف الزعامات السياسية ويولي الأعضاء المعينين منه وزنا أكبر مما لو بقيت الأكثرية المطلوبة على حالها قبل مجيئه؛ وقد ترافق ذلك مع منع الأعضاء من الإعلان عن آرائهم المخالفة حفاظا على هيبة قرارات المجلس (الصادرة بالأكثرية النسبية). وهذا ما عاد المجلس النيابي في 2006 (بعد انهاء فترة الوصاية السورية) ليعدل الأكثرية المطلوبة من جديد في الاتجاه المعاكس على نحو يعيد روحية التوافقية في اتخاذ القرارات القضائية مع إعادة حق القاضي بإبداء آراء مخالفة. وبالمقابل، عمد مشرع 2006 الى ادخال أحكام أكثر خطورة: فإلى عد ولاية جميع الأعضاء المعينين قبل صدور القانون منتهية مكرسا بذلك التطهير القضائي في حالة تطبيقية هي الأولى من نوعها في جمهورية ما بعد الطائف، اعتمد قواعد جديدة لتعيين الأعضاء الجدد قوامها تقديم ترشيحات واجراء مقابلات مسبقة. والواقع أن آلية الترشيح والمقابلة المسبقين تؤدي الى زعزعة الصورة المفترضة لدى أعضاء المجلس الدستوري، ومفادها أنهم حكماء يتحلون بفعل علمهم ونزاهتهم بمصداقية ومكانة ذاتية مكرسة اجتماعيا ومشهود لها دون حاجة لأي امتحان إضافي. وتوفر هذه المواصفات ليس مرغوبا فقط، بل هو شرط وظيفي يقتضي توفره أو على الأقل افتراض توفره لدى أعضاء المجلس لتبرير تعيينهم في وظائفهم السامية وأبرزها تقويم أعمال المجلس النيابي "الممثل مبدئيا للإرادة العامة" مع نقضها عند الاقتضاء. فبفرض الترشيح والمقابلة المسبقين، تمكن الحاكم ليس من اصطفاء قضاته فقط، انما أيضا من فرض قواعد مشروعية جديدة أيضا، مفادها أن سلطانهم مستمد من سلطانه، الأمر الذي يقوض طبعا مشروعيتهم في تقويمه. وفيما عاد مشرع 2008 تبعا لاتفاقية الدوحة وألغى المقابلة المسبقة، فانه أبقى الترشيح المسبق، لتكر على إثره التعيينات، علنا على قاعدة المحسوبية، من دون أن يلقى ذلك أي تكذيب أو اعتراض من أي من أعضاء المجلس المعينين آنذاك.
وبالعودة الى الحادثة الأخيرة، ومع التأكيد على أنها تنسجم الى حد كبير مع ذاكرة المجلس وتحديدا لجهة التغول الدائم للسلطة الحاكمة في أعماله، يبقى أن من شأنها أن تؤسس لمعطى جديد بالغ الدلالة. فتغول السياسة في هذه القضية لا يتبدى في تجاوب القضاة وانسجام أعمالهم القضائية مع اعتبارات المرجعيات السياسية التي يوالونها كما حصل في حالات كثيرة وحسب، بل أنه يذهب أبعد من ذلك من خلال لجوء هؤلاء القضاة الى أساليب سياسية محض لفرض خياراتهم. فللقاضي صاحب الرأي المخالف أن يتداول مع زملائه وأن يسجل مخالفته إذا أصروا على آرائهم (وهذا ما يسمح به القانون)، لكن أن يذهب الى حد التآمر مع سياسيين وقضاة آخرين لتعطيل نصاب المجلس، فذلك يعني ليس فقط تخليا عن استقلاليته انما قبل كل شيء تخليا عن وظيفته القضائية وطعنا فيها. فتعطيل النصاب يبقى أسلوبا سياسيا مشروعا أما في القضاء فانه يعني ببساطة استنكافا عن احقاق الحق، وهذا ما يتأكد في قانون انشاء المجلس الدستوري الذي ينص على أن تغيب العضو مرات ثلاثة من دون سبب مشروع يؤدي الى اعتباره مستقيلا حكما. ولكن، بالطبع، تظهر الأشياء مغايرة تماما عند قراءتها من منظار الواقع السياسي: فأن يعد هؤلاء مستقيلين يؤدي الى تخفيض عدد أعضاء المجلس الى سبعة مما يؤدي الى منعه من الانعقاد بشكل مطلق وتاليا الى تعطيله بالكامل، ولا سيما أن القوى التي تدعم هؤلاء قادرة مبدئيا أن تمنع تعيين بدائل عنهم في مجلسي النواب والوزراء والذي لا يتم عمليا الا بالتوافق. ومن هذه الزاوية، ساغ قراءة أبعاد الحادثة من منظار مختلف تماما مؤداه أقلمة نظام المجلس الدستوري مع مقتضيات النظام السائد: فأن يعجز المجلس عن النظر في طعن بسبب تغيب متعمد من ثلاثة من أعضائه، انما يعني عمليا ليس فقط تعميم ثقافة التدخل السياسي في القضاء وتشريعها، انما أيضا وقبل كل شيء فتح الباب لرواج ثقافة التوافقية داخل القضاء (أقله بما يعنينا هنا المجلس الدستوري)، فلا قرار قضائي ولا بت لنزاعات في حال الربع المعطل. ونؤكد هنا الربع (3 من أصل 10) وليس الثلث زائد واحد كما في الحكومة (أحد عشر من ثلاثين)، مما يعني أن التوافقية مرجحة أن تبلغ هنا درجة أعلى مما هي عليه في مجالس الحكم. وبهذا المعنى، يظهر عمل هؤلاء بمثابة مؤشر على تطور فهم مغاير لأصول العمل القضائي والوظيفة القضائية، فهم يصهر هذه الوظيفة في بوتقة النظام اللبناني ويسخرها لخدمته بدل أن تكون ضابطا أو مطورا له.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية