وزير العدل التونسي يحصد الخيبة: هيئة معطلة، قضاء يحتج في الشارع


2013-11-18    |   

وزير العدل التونسي يحصد الخيبة: هيئة معطلة، قضاء يحتج في الشارع

 أدى اصرار وزير العدل التونسي على فرض تعيينات رفضت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي وهياكل القضاة اجراءها لعدم شرعيتها الى ايجاد حالة احتقان غير مسبوقة في الوسط القضائي التونسي. ودفعت التعيينات القضاة مجددا للاحتجاج فكان ان اضربوا بشكل انذاري عن العمل يوم 07 نوفمبر 2013 ولكن نجاح اضرابهم وتوحدهم خلف هيئتهم لم يمنع رئيس الحكومة التونسية من اعلان مساندته الكاملة لعضو حكومته بعد ان اختار ان يوقع في ذات اليوم الذي كان فيه القضاة مضربين، امرين بتعيين قاضيين من جملة السبعة التعيينات التي طلب وزيره اجراءها.

خلطت مساندة رئاسة الحكومة لوزير العدل اوراق القضاة الذين كانوا يأملون ان تمارس الحكومة دورا تعديليا بين الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي والوزير ينتصر لمبادئ استقلالية القضاء ويفرض على الجميع الخضوع لقانون الهيئة. وعاد وزير العدل للظهور مجددا ليعلن عن عزم حكومته التمديد للوكيل العام لمحكمة الاستئناف بتونس بعد بلوغه سن التقاعد القانوني وانتهاء مدة استفادته من تمديد اول أثار في حينه احتجاج القضاة وتعهد بعده رئيس الحكومة التونسية لرئيسة جمعية القضاة التونسيين بعدم ممارسة التمديد مجددا احتراما لاستقلالية القضاء. إلا انه تراجع عن ذلك ليمضي قرار التمديد ارضاء لوزيره ويضيف له امر تمديد ثانيا لقاضية لم تبلغ بعد سن التقاعد وسبق امر التمديد لها ذلك بخمسة أشهر كاملة فيما بدا ترتيبا متسرعا للبيت القضائي قبل الاستقالة المنتظرة للحكومة.

دفع تسلط الحكومة وإصرارها على المضي في تعيينات وتمديدات تحوم الشبهة حول علاقتها بالولاء السياسي القضاة للخروج الى الشارع للتعريف بعدالة قضيتهم بعد ان سعت السلطة للتعتيم عن حقيقة النزاع وعملت على تصوير نزاعهم معها كما لو كان فصلا من فصول الصراع بين السلطة والمعارضة. فتوقف العمل بالمحاكم يوم 14 نوفمبر 2013 لساعتين نظمت اثناءها جمعية القضاة التونسيين وقفة مساندة للهيئة الوقتية للقضاء العدلي امام محكمة التعقيب التونسية. وعاد القضاة بدعوة من جمعية القضاة للتجمع احتجاجيا يوم 16 نوفمبر بساحة الحكومة بالقصبة حيث رفعوا شعارات تطالب برفع وصاية العدل على القضاء وتؤكد على تمسك القضاة بهيئة القضاء التي استهدفتها السلطة منذ نشأتها فحجبت عنها وسائل العمل وعطلت نشر حركتها وانتهت الى السطو على اختصاصاتها. وبشكل مواز، الزم اصدار اوامر التعيين الهيئة الوقتية للقضاء بالنظر مجددا في طرق مواجهة الهجمة التي تتعرض لها خصوصا وان عضوين منها سحب منهما الامران صفتهما في عضويتها واستبدلهما بغيرهما ممن قبل تعيينات الوزير وبات يطالب بعضوية الهيئة لغاية التأثير في قراراتها. ووجدت الهيئة نفسها في سياق الدفاع عن استقلاليتها ان تقرر تعليق نشاطها مؤقتا لحين انهاء الهجوم المسلط عليها.

نجح الوزير في دفع القضاة الى الشارع مجددا. كما توفق الوزير في تعطيل عمل هيئة وصفها في حديثه بالمجلس الوطني التأسيسي بالبناء الفوضوي ولو الى حين. وكانت تلك ثمار قراراته. تمسك وزير العدل بحق الوزارة في تعيين سامي القضاة واعتبر التعيينات عنوانا لسلطته وقدر ان سحبها سيفقده القدرة على التحكم في وزارته. وواصلت الحكومة تجاهلها لمطالب القضاة فأعلنت عودتها للتمديد الذي ارتبط تاريخ استعماله بشراء ذمم القضاة الذين يرغبون في مواصلة العمل بعد نهاية مدة عملهم القانونية. وأدت القرارات الحكومية التي لا يدعي الطرف الرسمي انها عمل اصلاحي للقضاء وإنما يتمسك بها في إطار دفاعه عن حقوق يدعي انه ورثها عن حكومات ما قبل الثورة لمحاولة فرض تصور يجعل من بعث هيئة القضاء العدلي مجرد تدخل تجميلي يخفي حقيقة تواصل استعمال السلطة للمؤسسة القضائية.

رفض القضاة السيناريو المقترح رغم حملات التخوين التي طالتهم وسعت لتشويه موقفهم لدى الرأي العام. ودفعهم رفضهم لمعاودة الاحتجاج. كما بات تعنت الحكومة ينذر بانهيار هيئة القضاء العدلي اهم مكسب ثوري تحقق في سياق اصلاح القضاء هيكليا بعد الثورة. قلبت منازعة التعيينات تصورات سابقة للقضاء التونسي فكشفت عن قضاء له قدرة على المقاومة لفرض استقلاليته بعد ان تشبع بمبادئ الاستقلالية واعتقد اعضاؤه في قيم الثورة كما كشف ذات الصراع عن ميل السلطة التلقائي للتحكم في القضاء وان كانت شرعية وترفع لواء تحقيق استحقاقات الثورة في شعاراتها. وبات الالتجاء الى حكم القضاء الاداري بوصفه حامي الشرعية امل القضاء في تحقيق القطيعة مع التدخل التسلطي في مجالهم غير ان قضية القضاة وهيئتهم استحالت تلقائيا الى قضية حريات عامة يستدعي الدفاع عنها ايمان المجتمع بعدالتها لكيلا يستعمل القانون مستقبلا الى اداة تشرع للتدخل في القضاء. و قد يكون تبعا لذلك في خروج القضاة للشارع طلبا منهم لسند شعبي وحقوقي في دفاعهم عن قضاء بات يرفض ان يستعمل في غير اقامة العدل احتراما لتضحيات شهداء وجرحى الثورة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية