وزير الداخلية يعمم مخالفات البناء ويتراجع عنها: البناء العشوائي سلاح أخير لتعزيز شبكات الزبائنية والفساد


2020-09-22    |   

وزير الداخلية يعمم مخالفات البناء ويتراجع عنها: البناء العشوائي سلاح أخير لتعزيز شبكات الزبائنية والفساد
رسم رائد شرف

فعلها محمد فهمي قبل مغادرته الوزارة. ففي 21 أيلول 2020 أصدر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي تعميماً يجيز فيه لرؤساء البلديات (والقائمقامين في القرى حيث لا توجد بلدية) منح تصاريح بناء ضمن مساحة إجمالية لا تتعدى 150 م2، أو لإضافة طبقة واحدة بالمساحة نفسها على بناء موجود، أو بإضافة ثكنة قرميد فوق بناء موجود، وذلك ضمن مهلة شهرين من صدور التعميم.

وعقب تداول وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الخبر، سارع مكتب الوزير إلى إصدار بيان في 22/9/2020 أكّد فيه أن “الكتاب المتداول به لم يسلك مجراه الإداري بعد ولم يتمّ تعميمه على الإدارات المعنيّة، وقد تمّ توقيف العمل به ريثما يصار إلى تأمين النصوص القانونية البديلة والموافقات الإستثنائية الإدارية اللازمة لجهة إعفاء بعض رخص البناء من الرسوم بهدف تسهيل أمور المواطنين”. وطبعاً إن أكّد بيان مكتب الوزير على شيء فعلى انعدام الأساس القانوني السليم للتعميم “المرتقب” العمل به. كما ومن غير المفهوم ماذا يعني تماماً “وقف العمل به” فيما يعتبر البند الأخير منه صراحة أنه يُعمل بالتعميم من تاريخ التوقيع عليه، وأنّه تضمّن إشارة تبليغ نسخة عنه لكل من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والمديرية العامة للإدارات والمجالس المحلية. لا بل أنه نما إلينا أن العديد من البلديات سارعت إلى إبلاغه لأبنائها منذ ليل أمس. فهل صدر قرار موازٍ بوقف العمل به أو بإلغائه على اعتبار أنه غير قانوني؟ هل يفهم من الأساس القانوني السليم أن ثمة نية في صناعة تشريع على قياس التعميم وتغطية له بعدما اتضح أنه غير قانوني؟ كلها أسئلة ننتظر الإجابة عليها في الأيام القادمة.

بانتظار ذلك، يجدر التذكير بأن هذا التعميم ليس الأول من نوعه. فلقد استعاد من خلاله وزير الداخلية المستقيل “عرفاً” غير شرعي سبقه على تكريسه وزراء داخلية متعاقبون من خلال تعاميم يُعتبر التعميم الحالي استنساخاً لها. فيذكر مثلاً أن الوزير السابق نهاد المشنوق أصدر تعاميم أربعة[1] تباعاً في الأعوام 2014، 2015 و2016 و2017 كما سبقه على ذلك الوزير مروان شربل عام 2013[2]. وأكّد التعميم الجديد المخالف للدستور والقوانين على أن السجلات المتعلقة بمنح التصاريح بموجب هذه التعاميم السابقة تبقى محفوظة[3] لدى المحافظن والمخافر الأمنية، وفتح سجلاً جديداً لتصاريح البناء الممنوحة بموجبه.

وكانت “المفكّرة” قد استعادت في مقال سابق الدورات المتعاقبة ضمن حلقة مفرغة تتكرر منذ عقود (منذ العام 1964) قوامها “تشريع” المخالفات في مرحلة أولى و”تسويتها” في مرحلة أخرى، وذلك من قبل السلطات نفسها أو حتى الأشخاص أنفسهم في بعض الأحيان[4].

وآخز قانون سوى مخالفات البناء هو القانون 139 الصادر عام 2019 والذي شمل المخالفات المرتكبة بين 13/9/1971 و31/12/2018 أي طوال ما يقارب نصف قرن.

فتحت إذاً حلقة جديدة في هذه الحلقة المفرغة.

ويوضح التعميم الجديد أن أحكامه لا تطبّق ” داخل نطاق مراكز المحافظات والأقضية والمدن الكبرى، كما (…) في كافة العقارات الواقعة غربي الأوتوستراد الساحلي الممتد من حدود نهر الأولي إلى حدود جسر المدفون وضمن عمق كيلومتر واحد شرق الأوتوستراد (…) وكذلك في المناطق المصنفة أثرية أو تراثية أو سياحية”. بمعنى آخر، يصيب التعميم خصوصاً المواطنين في الأطراف والأرياف، ويعتبر باباً مشرّعاً لإعادة إحياء الولاءات من خلال الزبائنية.

واللافت أنه جاء في أسبابه الموجبة، إلى جانب التذرّع بالأوضاع الإقتصادية والظروف التي تمرّ بها البلاد، أنه يأتي نتيجة “كثرة المراجعات من الفعاليات السياسية والأهلية” التي وصلت إلى الوزارة بشأن تمديد العمل بالتصاريح الممنوحة (وفي ذلك استعادة للأسباب الموجبة لتعاميم المشنوق)، و”حرصاً من الوزارة على تيسير أمور المواطنين” ورغبة منها للحدّ من “تفشي ظاهرة مخالفات البناء دون أي ضوابط أو معايير، ومعالجتها في حدّها الأدنى”.

فهكذا يكون وزير الداخلية والبلديات المستقيل قد رأى في هذه الاعتبارات أساساً كافياً لوضع النظام القانوني والدستوري جانباً، ولتنصيب نفسه كشيخ صلح ل”سيسرة أمور الناس” ووضع بعض من التنظيم “حبّياً” في مخالفات البناء القائمة والمتزايدة. ويعمد التعميم إلى “إلغاء كل نص يخالف أحكامه”.

كما وينشئ نظاماً رقابياً وعقابياً جديداً قوامه دعوة البلديات والقائمقاميات إلى وضع “برنامج دوري لاستمرار الرقابة” وإجراء كشف للتأكّد من مطابقة البناء المشيّد مع التصريح على أن يتم في حال المخالفة، سحب التصريح وإلغاء مفاعيله وإيقاف الأعمال المخالفة وتسجيل إشارتها على الصحيفة العينية للعقار. كما يكلّف القطعات الأمنية المختصة إجراء الرقابة الدورية والتنسيق مع االبلديات والقائمقاميات في هذا الشأن. كما يقضي التعميم بتوقيع صاحب الطلب تعهداً لدى كاتب العدل (يسجل على الصحيفة العينية للعقار) يقضي بتحمله “كافة الأضرار المادية والمعنوية والجزائية مع عدم ترتب أية حقوق عينية أو مادية له”، وتنازل عن حقّه بمقاضاة أو مساءلة الدولة أو البلدية أو أي شخص مادي أو معنوي أو المطالبة بأية تعويضات لأي سبب كان ناتج عن البناء المشاد بموجب هذا التصريح”.

ويشكّل هذا القرار مخالفة صريحة للدستور القوانين ولأسباب عدّة أبرزها الآتية:

  • أنه يمنح البلديات والقائمقاميات إمكانية تجاوز جميع قوانين البناء واتخاذ قرارات تخرج قانوناً عن صلاحياتهما وتعدّ من هذه الوجهة بحكم غير الموجودة،
  • أنه صادر عن وزير الداخلية والبلديات خارج صلاحياته القانونية،
  • أنه صادر عن وزير داخلية وبلديات تنحصر صلاحياته بتصريف الأعمال بال”معنى الضيق” كما جاء في المادة 64 من الدستور. ومن المعلوم أن مفهوم “تصريف الأعمال”[5] مرتبط بالقرارات الضرورية لتسيير الأعمال اليومية والتي لا تعدّل بشكل كبير أو نهائي القانون ساري المفعول. فمن هذا المنطلق يعتبر التعميم مخالفاً للدستور إذ ينشئ حقوقاً مكتسبة جديدة خارج أي صلاحية للوزير بذلك.

وبالطبع يبقى رهان التعميم على تسوية “قانونية” لاحقة تأتي على غرار القانون 139/2019 الذي سوى الأوضاع الناتجة عن رخص صادرة بالطرق غير القانونية “أياً كان المرجع الذي أعطى الموافقة”، أي ضمناً البلديات والقائمقمايات التي كانت تعاميم وزراء الداخلية قد منحتها هذه الصلاحية الوهمية. ولاقى القانون عند صدوره اعتراضات واسعة أبرزها أنه لا يعطي التنظيم المدني إلا صلاحية إستقبال تصريحات المخالفات بحيث حّول هذه المؤسسة إلى مجرد قلم لتسجيل هذه التصريحات من دون أي صلاحية للبت بإمكانية رفض تسويتها، وأنه قضى بتخفيض الغرامات المترتبّة عن التأخير في السداد الكلي أو الجزئي للرسوم والغرامات المتوجّبة على المخالفات بموجب آخر قانون تسوية سبقه، أي القانون 324/94، وذلك بنسبة 80%. واللافت أن هذه الإعفاءات الواسعة في الغرامات أتت بعد إقرار الأسباب الموجبة للقانون بأن “معظم مخالفات البناء أصبحت أمراً واقعاً ويستحيل أو يتعذّر إزالتها”، أي بعد إقرار القانون بعدم وجود أي رغبة بتنفيذ القانون لناحية إزالة المخالفات. بمعنى آخر، الرهان على قانون تسوية جديد لا بدّ أن يأتي، لتكريس الأمر الواقع الذي شرّعه وزير الداخلية محمد فهمي.

 

 

 

الأوّل ورقمه 613/ص.م. صدر بتاريخ 5/5/2014، الثاني ورقمه 770/ص.م. صدر بتاريخ 9/10/2015، الثالث ورقمه 735/ص.م. صدر بتاريخ 28/7/2016، الرابع ورقمه 353/ص.م. تاريخ 24/20/2017 [1]

رقمه 483 بتاريخ  2013/5/30  [2]

[3] ولكن لا يذكر إلا ثلاثة منها

وكان نقيب المهندسين جاد تابت قد أكّد في حديث للـ”المفكرة” أن تعاميم الوزير المشنوق ليست فريدة، بل أصبحت بمثابة عُرف في وزارة الداخلية، فـ”كل وزير يأتي، يصدر هكذا تعاميم”. ولا علم لدينا بخروج وزير داخلية عن هذا النهج، إلاّ الوزير زياد بارود الذي أصدر تعميماً يحمل الرقم 14780 بتاريخ 25–8–2010 أوقف  بموجبه جميع تراخيص البناء الصادرة عن البلديات في المرحلة السابقة خلال فترة توليه للوزارة”. [4]

[5] Le contenu de la notion d’expédition des affaires courantes est celui retenu en droit français par le Conseil d’État pour les gouvernements démissionnaires (CE Ass. avril 1952, Quotidiens d’Algérie, Lebon 210, JCP 1952. II. 7138, note Vedel, RD publ. 1952. 1029, note Waline, S. 1952. 3. 49, concl. Delvolvé). Voir également CE 19 oct. 1962, Brocas, Lebon 553, AJDA 1962. 612, note de Laubadère, D. 1962. 702, concl. Bernard, RD publ. 1962. 1181, concl. ; pour le gouvernement de la Polynésie française, V. CE 4 févr. 2005, req. no 273727, Temaru, Lebon 25 ; RFDA 2005. 138, concl. Mitjavile.

انشر المقال

متوفر خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *