وزارة العمل تنأى بنفسها في قضية الجامعة الأميركية: تحكيم حول الصرف الجماعي


2020-07-22    |   

وزارة العمل تنأى بنفسها في قضية الجامعة الأميركية: تحكيم حول الصرف الجماعي
من صفحة الصحافي سلمان العنداري على تويتر

في 29 حزيران 2020، تقدّمت الجامعة الأميركية إلى وزارة العمل بطلب تشاور بهدف صرف زهاء 1000 من موظفيها وذلك وفق المادة 50 فقرة “و” من قانون العمل، وهي المادة الناظمة لحالات الصرف الجماعي لأسباب اقتصادية. بعد أيام من ذلك، تقدّمت نقابة العاملين في الجامعة الأميركيّة للوزارة بطلب وساطة. وإذ فشلت الوساطة، اتّفقت النقابة مع الجامعة الأميركية على تعيين مُحكَّم “مطلق” أي مُحكَّم يصدر قراره بالإستناد إلى مبادئ العدل والإنصاف، ومن دون التقيد بحرفية القانون. أبرز ما تضمّنه القرار، هو أن لا يتعدّى عدد المصروفين 850 موظّفاً في الجامعة فضلا عن قيمة التعويضات التي يجدر تسديدها. وعليه، سارعت الجامعة الأميركية بتاريخ 17 تموز 2020 (أي في غضون أقلّ من شهر من كتاب التشاور) إلى تطبيق هذا القرار من خلال إبلاغ 850 شخصا في الجامعة قرار صرفهم وفق أصول التعويض المحدّدة في القرار التحكيمي. بالمقابل، لم تقمْ الوزارة بأيّ إجراء من أي نوع كان، وكأنها تنأى بنفسها عن قضية الصّرف التي بدت بمثابة مسألة داخلية بين الجامعة ونقابة العاملين فيها. وتعليقاً على ذلك، نُبدي المُلاحظات الآتية:

أولا، حين تنصّلت الوزارة من موجبها في قضايا الصرف الجماعيّ لأسباب اقتصاديّة

أول ما نلحظه هو تنصّل الوزارة من الصّرف الجماعيّ، وذلك بخلاف القانون الذي يفرض عليها إجراء التشاور مع الجامعة تنفيذا للمادة 50 فقرة “و” من قانون العمل. وهنا، يجدر التذكير بأن هذه المادة تفرض على المؤسسة الراغبة بالصرف لأسباب اقتصادية أن تبلغ وزارة العمل “رغبتها في إنهاء تلك العقود قبل شهر من تنفيذه” وأن تتشاور معها “لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء تراعى معه أقدمية العمل في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي وأخيرا الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم”.

فبفعل تطور الأمور من وساطة إلى تحكيم، بدت الوزارة وكأنها استقالت من دورها تماما في هذا الخصوص، فلم تتحقق من الوضع الإقتصادي للجامعة ولا من مراعاة أقدمية الأجراء واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي، ولا حددت الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للإنتقاد، هو أن وزارة العمل كانت أعلنت منذ نهاية 2019 تكوين خلية طوارئ للتعامل مع طلبات التشاور. وإذ تشير الأرقام التي أمكن رصدها داخل الوزارة إلى أن طلب التشاور المُوجَّه من الجامعة الأميركيّة هو الطّلب الذي هدف إلى صرف العدد الأكبر من الأجراء في السنة الأخيرة، نستشفّ من تنصّل الوزارة من هذا الملف إشارات سلبيّة حول كيفية تعاملها مع سائر ملفّات الصرف الجماعي والتي تقلّ عنها من حيث الأهمية، أقله من حيث الحجم. 

ثانيا، إجراء تحكيم في مسائل تتصل بالنظام العام وتؤدي إلى الفرز بين الأجراء

يبقى القرار التحكيمي باطلاً من زاويتين:

الأولى، أنه من المُتّفق عليه أن التحكيم لا يكون جائزاً ويكون القرار الناتج عنه باطلا في حال اتّصل بمسائل تدخل ضمن النظام العامّ سندا للمادة 800 من قانون اصول المحاكمات المدنية. وهذا الأمر ينطبق على مسألة الصرف الجماعيّ لأسباب اقتصاديّة وأصول التشاور، وهي مسألة لا يمكن أن يقررها “محكّم” بل يتعين على أجهزة الدولة ممارسة أدوارها التامة بشأنها والإحاطة بها بالنظر إلى أبعادها الاجتماعية الخطيرة. ولا يُسعنا هنا إلا أن نُعبّر عن دهشة حيال تضمين القرار التحكيميّ عدد الأُجراء الذين يمكن للجامعة صرفهم جماعيّا (وهو 850) على أن يترك لإدارة الجامعة تحديد أسمائهم، كل ذلك من دون أن يقوم المحكّم (كما الوزراة) بأي جهد للتثبت من أوضاع الجامعة المالية وتاليا من توفر أسباب الصرف الاقتصادية.

وما يضاعف من مخاطر هذه المخالفة، أن التحكيم جرى بين النقابة والجامعة بمعزل عن الوزارة (النائية بنفسها) وأن المُحكّم المعين نظر في القضية وفق مبادئ العدل والإنصاف أي من دون التقيد بأحكام القانون وأنه غير قابل لأيّ استئناف أو اعتراض وفق إرادة الطرفين.

الثانية، أنّ النزاع المعروض على الحكم لم يتمحور حول مصلحة جماعية للأجراء (أي تفسير القانون أو الأنظمة أو العقد الجماعي أو سواه). ومؤدى ذلك هو إخراج النزاع عن مفهوم النزاعات العمالية (الجماعية) القابلة للتحكيم بمفهوم قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم. والدليل الأبرز على ذلك هو أن القرار التحكيمي أدى عمليا من خلال تحديد عدد المصروفين ليس إلى تحقيق مصلحة جماعية بل إلى فرز بين أجراء الجامعة: ففيما يرفع الغطاء من قبل النقابة عن الذين تحدد الجامعة هوياتهم، تضمن الجامعة عدم اللجوء إلى الصرف الجماعي بالنسبة إلى سائر الأجراء. وبكلمة أخرى، المصلحة المعنية بهذا الحكم ليست مصلحة جماعية إنما هي مصلحة فئة ضد فئة، بما يمنع تطبيق مجمل قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم ويبطل جميع الأحكام التحكيمية الصادرة على أساسه.

من هاتين الزاويتين، يكون القرار التحكيمي، بما سمح به أو لم يسمح به، قابلا للإبطال.

ثالثا، أن الصرف الحاصل هو تعسفيّ محض تبعا للإخلال بالإجراءات الجوهرية للصرف التعسفي

أخيرا، من البين أن الصرف الحاصل هو تعسّفي بفعل الإخلال بالإجراءات الجوهريّة للصرف الجماعي، وأهمها حصول الصرف الجماعي في غضون أقل من شهر من تاريخ تقديم طلب التشاور. ولا يغيّر من ذلك وجود قرار تحكيمي. فعدا عن كون هذا القرار باطلا، فإنه بدا بمثابة مسعى للإلتفاف والتحايل على أحكام النظام العام وتحديدا على دور وزارة العمل في هذا المجال. وهذا ما كانت محكمة التمييز كرسته في عدد من قراراتها.

من هذه الزوايا كافة، شكلت عملية إنهاء عقود العمل في الجامعة الأميركية مسعى للتحايل على النظام العام والإلتفاف على أحكامه وسابقة خطيرة وبخاصة في الحقبة الحاضرة حيث تتضاعف فيها حالات الصرف الجماعي. سابقة خطيرة بلغت أخطر مراحلها مع انتشار القوى الأمنية على مخارج الجامعة، استباقا وردعا لأي احتجاج قد يصدر عن الأجراء المصروفين أو المتضامنين معهم.

انشر المقال

متوفر خلال:

تحقيقات ، حقوق العمال والنقابات ، قطاع خاص ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *