وزارة الصحة لا تغطي التكاليف غير الاستشفائية: جرحى التفجير يدفعون الملايين من جيوبهم لتجنّب الإعاقات


2021-01-22    |   

وزارة الصحة لا تغطي التكاليف غير الاستشفائية: جرحى التفجير يدفعون الملايين من جيوبهم لتجنّب الإعاقات
عائلة حنان مجتمعة قبل أن يشتت التفجير شملهم

كان الرابع من آب 2020 موعداً للفرح في روزنامة عائلة بظاظا التي استأجرت مطعماً في الجميزة للاحتفال بخطوبة ابنها. ككلّ ضحايا تفجير مرفأ بيروت لم ولن ترتّب العائلة صور الخطوبة في ألبوم جميل، إذ تحوّلت ذاكرة ذلك النهار إلى ألبوم يوثّق المأساة التي عصفت بكلّ اللبنانيين، وبخاصّة أهالي أكثر من 200 شهيد و6500 جريح، وحنان بظاظا واحدة من هؤلاء.   

“ما بيروح من بالي هداك النهار، كل ما بنام بشوف أختي ميّتة حدّي بالسيارة، بعدني عايشة بهيديك اللحظات، وما بعرف أيمتى بطلع منها”، هذا ما ترويه حنان عن “النكبة”، كما تسمّي انفجاراً ما زالت تعاني منه نفسيّاً وجسديّاً لغاية اليوم “وبعتقد كلّ حياتي رح ضلّ”، تضيف.

إثر التفجير وقع جدار المطعم، حيث كانوا يحتفلون، على ساقها: “طرت بالهواء”. عندما استيقظت لم تتمكن من الوقوف أو تحريك رجلها “سحبوني وطلعوني عالطريق وأخذتني سيارة إسعاف أنا وإختي هي وغايبة عن الوعي”. في الطريق إلى مستشفى هارون لم تكن حنان تعلم أنّها ترافق جثة شقيقتها التي قضت مباشرة “حاول وعّيها وإحكيها، ما عارفة إنّي عم بحكي مع جثة، وإنّه هالمشوار رح يكون آخر مشاويرنا سوا”. في المستشفى افترقت الأختان إلى الأبد، ولم يخبرها أحد بذلك إلّا بعد عودتها إلى البيت بعدما خضعت لعمليةٍ جراحيةٍ في ساقها على نفقة وزارة الصحة. غير صدمتها والعائلة، اكتشفت حنان أنّها ضحية خطأ طبي، إذ أعلمها طبيبها أنّ ساقها لن تتعافى إلاّ بعد ستة أشهر، لكنّ ما حصل هو أنّ حالها راحت تسوء تدريجياً، وزادت الأوجاع وصعوبة المشي. عندها استشارت حنان 3 أطباء أكّدوا لها وجود خطأ طبيٍّ فادحٍ قد يؤدّي إلى عطبٍ دائمٍ ما لم تجر لها عملية  سريعة. وعليه، لم تعد إلى طبيبها الأول، معتبرة أنّ رأي 3 أطباء كاف. أجرت حنان عمليتها الثانية على نفقة الضمان الاجتماعي وأمّنت هي وعائلتها 5 ملايين ليرة هي فارق 10% لا يشملها الضمان ولم تغطّها وزارة الصحّة، برغم اتّصال الناطق الرسمي باسم لجنة أهالي ضحايا تفجير المرفأ إبراهيم حطيط بوزير الصحّة حسن حمد الذي أكدّ استحالة الأمر كون تقديمات الوزارة لا تغطّي المرضى المشمولين بالضمان الاجتماعي.

حنان واحدة من آلاف الجرحى الذين يجدون صعوبة بالغة في تأمين تكلفة استكمال علاج جراح سببّها لهم تفجير المرفأ الذي تتحمّل السّلطة مسؤوليته، وبالتالي يجب أن تقوم بعلاجاته كافّة. اليوم، لا يكفي هؤلاء أوجاعم الجسدية والنفسية وخساراتهم البشرية والمادية، بل عليهم السعي لتأمين الأموال اللازمة لتكاليف متابعة علاجاتهم، من معاينات الأطبّاء إلى الفحوصات المخبرية والصور الشعاعية، وحتى العمليات الجراحية وغيرها.

وعود وزارة الصحة والزعماء لا تنفّذ

عند التفجير دعت وزارة الصحة، كالعادة لدى أيّ كارثة وطنية، جميع المستشفيات إلى استقبال المصابين على نفقتها، وهو ما حصل. لكن لدى خروجهم من المستشفيات لم تلتفت الوزارة ولا الجهات الضامنة إلى من احتاجوا متابعاتٍ طبيّةً عدّة، بل أقفلت ملفاتهم على نفقة الوزارة وبات عليهم دفع كل التكاليف الجديدة من جيبهم الخاص. أمّا من يحتاجون لعملياتٍ جراحية فكان عليهم مراجعة الوزارة ليبنى على الشيء مقتضاه، وهو ما دفع بلجنة أهالي الضحايا إلى رفع الصوت مطالبةً بالنظر في تكاليف متابعة علاجاتهم. وفي زيارةٍ للّجنة إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي اتّصل الأخير شخصياً، على مسمع الوفد بالوزير حمد حسن والمدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محمد كركي، لافتاً إلى ضرورة النظر في المسألة، وفق حطيط. إثر ذلك، أصدر وزير الصحة تعميماً في 4 أيلول 2020 يقول إنّ وزارة الصحّة “تَكفَل بموجب كتب، بعلاجات الجرحى الذين تتوجّب متابعتهم بعد فترةٍ زمنيةٍ نتيجة إصابتهم بالتفجير، وتستلزم حالتهم إجراءات طبيّة متلاحقة أو فحوصاتٍ مخبرية وشعاعية”.

لكن، وبرغم هذا التعميم استمرّت المستشفيات بمطالبة الجرحى بالمستحقّات الجديدة المتوجّبة عليهم، واستمرّ هؤلاء بتحمّل تكاليف علاجاتهم، حتى أنّ كثيرين ممّن كانت حالتهم تتطلّب إجراء عملياتٍ جراحيةٍ توسّطوا لدى وزير الصحة لاستقبالهم.

يقول مدير العناية الطبية في وزارة الصحة الدكتور جوزيف الحلو لـ”المفكرة القانونية” إنّ على المستشفيات “استقبال الجرحى الذين يحتاجون إلى عملياتٍ جراحيةٍ كمتابعةٍ لحالتهم الصحيّة على نفقة الوزارة، شرط أن يقوموا بتخليص ملفاتهم في الوزارة أولاً، ثم يقدمونها إلى المستشفى عينها التي أدخلوا إليها بُعيد التفجير”. لكن الحلو اعتبر أنّه لا يمكن تغطية تكاليف الفحوصات والصور الشعاعية وغيرها من النفقات لأنّها “بحاجة إلى قانونٍ يفصّل ويشرح المستلزمات الواجب تغطيتها من قبل الوزارة”، شارحاً: “في الوقت الحالي ليس هناك رموز رسمية يمكن اعتمادها لتصنيف هذه الاحتياجات ووضع ميزانيةٍ لصرف الأموال لها”.

يؤيّد نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون كلام الحلو، معتبراً أنّ المستشفيات “تقوم بالفعل بمتابعة واستقبال جرحى التفجير الذين يحتاجون إلى عملياتٍ جراحيةٍ، لأنّ هناك آلية واضحة لتحمّل الوزارة نفقاتهم، أما المرضى “الخارجيين” الذين لا تتطلّب حالتهم الصحية استشفاء، فـ”ليس هناك آلية واضحة لمعالجتهم على نفقة الوزارة”، وبالتالي، “لا يمكن لنا تحرير فواتير لن يتم الاعتراف بها أو القبول بها في الوزارة، الأمر الذي سيحمّل المستشفيات خسارةً كبيرةً” وفق هارون. من هنا تصبح المستشفيات “مجبرةً” على إلزام المواطنين الجرحى بدفع مستحقّات فحوصاتهم الطبيّة والصور الشعاعية والمراجعات وغيرها. ويؤكّد هارون أنّ أيّ جريح تفجير بحاجة إلى عمليةٍ ثانيةٍ كمتابعة لحالته، فإنّ المستشفيات ملزمة بإجرائها على نفقة الوزارة، إذا كانت أوراقه وملفاته سليمة، داعياً الجرحى الذين يتعرّضون لمضايقاتٍ من هذا النوع إلى إبلاغ الطبيب المراقب الموجود في المستشفيات، وتقديم شكاوى بحق المرتكبين في الوزارة.

جرحى التفجير لا معوناتٍ طبيّة ولا حتى إنسانية

بعد 5 أشهر ونصف على تفجير المرفأ، يغرق الجرحى وذووهم في متاهة وعود المسؤولين وكلامهم المعسول، من دون آلية عمل واضحة لاعتمادها لضمان علاج الجرحى من دون التوسّط هنا أو هناك أو السعي لجمع المال ودفعه من جيبهم الخاص، حيث باتوا متروكين لمصائرهم،  وسعيهم كي لا يصابوا بإعاقات بسبب أخطاء طبية ارتكبت بحق بعضهم، أو لعجزهم عن تأمين تكلفة العلاجات اللازمة.

يجمع عشرات من جرحى التفجير ممّن قابلتهم “المفكرة” على أنّهم منذ خروجهم من المستشفيات وهم يتحمّلون تكاليف علاجاتهم كاملة. أمّا من احتاجوا إلى عملياتٍ جراحيةٍ فقد سووا أمورهم بطريقٍة فردية. ويمكن القول إنّ معظمهم لم يكونوا على علمٍ بوجود تعميمٍ لوزارة الصحة يقول بتكفّلها بتحمّل متابعة علاجاتهم، ولا بضرورة تخليص ملفاتهم في الوزارة لتقديمها للمستشفيات. وهنا يتساءلون كيف لهم، ومعظمهم ما زال عاجزاً عن الحركة، وتحت وقع الصدمة، أن يلتفتوا لمتابعة القرارات والتعاميم الصادرة؟ وكيف لهم وهم في هذه الحالة أن يقصدوا وزارة الصحة وينتظروا دورهم لحين تسوية ملفاتهم؟ هم الذين حرموا من أيّ تعويض رسمي من أيّ جهةٍ كانت، فيما حصل البعض على مساعداتٍ سواء مادية أو عينيّة إثر تدخّلاتٍ شخصية للنظر في حالة الجريح التي غالباً ما تكون حرجة، وإما بسبب تواجده في النطاق الجغرافي للمنطقة المتضرّرة مباشرة بالتفجير حيث السكّان مشمولين تلقائياً بجدولٍ للمساعداتٍ.

ويؤكّد اللواء الركن محمد خير، الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة، أنّ الهيئة تكفّلت بدفع مساعدات لأهالي الشهداء فقط، وليس للجرحى. في المقابل، نصّ القانون رقم 196 تاريخ 3 كانون الأول 2020، الذي ساوى شهداء التفجير بشهداء الجيش، على استفادة جرحى التفجير ممن أصيبوا بإعاقات، من تقديمات الضمان الاجتماعي. وعليه، يؤكّد رئيس مصلحة القضايا في الضمان صادق علويّة لـ”المفكرة” أنّ تغطية الضمان تشمل 90% من تكلفة الاستشفاء، فيما يتحمّل المضمون 10% ، وأنّ وزارة الصحة تكفّلت إثر التفجير بتحمّل نسبة الـ10% عن الجرحى المضمومين، “لكنّ فور خروجهم من المستشفى عاد الوضع إلى ما كان عليه”. وفيما خص القانون 196، يعتبر علويّة أنّ كلّ قانون بحاجةٍ إلى مراسيم تطبيقية لتنفيذه، وهي لم تصدر بعد.

فوق حسرته على شقيقه يسعى وراء العلاج

كان  حسين صوّان (30 عاماً) وشقيقه علي يقصدان المرفأ يومياً لصيد السمك لتأمين دخلٍ إضافيٍّ لعائلتيهما. يحوز الشقيقان على تصريح من القوى الأمنية يجدّدانه كلّ ثلاثة أشهرٍ للصيد في المنطقة، وغالباً ما يفضّلان الصيد ليلاً بعد دوامهما النهاريّ في محلٍ للمفروشات. “منسهر بالليل ومنتصيّد على رواق”، وفق حسين.

 في 4 آب وصل حسين وعلي إلى المرفأ عند السادسة تقريباً، وشرعا بتحضير صنّاراتيهما بينما اندلع الحريق قبالتهما، فشعرا بأمرٍ غير طبيعي لم يستطع حسين شرحه، وقرّرا مغادرة المكان. ذهب علي لإحضار السيارة بينما كان حسين يلملم  العدّة، لكن التفجير الأوّل كان أسرع منهما، فقذفه مسافةً في الهواء، ومع التفجير الثاني غاب عن الوعي.

بقيّ حسين على الأرض إلى أن وجده المسعفون منتصف الليل، وكان يهذي ويسأل عن شقيقه علي، وفق ما أخبروا العائلة. لدى نقله إلى مستشفى في جل الديب تبيّن إصابته بجروح بليغة في رأسه ويديه (حيث بُتر اصبع منها) وبحروق شديدة في رجليه إضافة إلى تضرّر أذنيه وتضرّر سمعه. مت حمى حسين من الموت كان تواجده خلف إحدى البواخر الراسية في المرفأ، في حين كان شقيقه في موقعٍ مكشوفٍ تماماً لمكان التفجير، فحمله ضغط التفجير مع السيارة ورماه بعيداً حيث تم انتشاله بعد عشرة أيّام مع سيارته الغارقة من الماء، وهو ما زال في داخلها.

بعد خروج حسين من المستشفى إثر شهرين من العلاج،  أُقفل ملفّه وأصبح يعامل كمريض جديد لا تشمله تغطية جرحى التفجير. بات عليه تحمّل تكاليف مراجعات الأطباء، والصور الشعاعية والفحوصات المخبرية، كذلك عمليات زرع يحتاجها اصبع إحدى يديه، وترميم اصبع ثان مهدّد بالبتر. ولم يستطع لغاية اليوم تأمين تكلفة جلسات العلاج الفيزيائي التي يحتاجها لعدم قدرته على تحمّلها. لا يعلم حسين وأشقاؤه الذين يساعدونه في المعاملات أنّ عليهم التوجّه إلى وزارة الصحة لتخليص ملفّه، هم الذين يرهقهم الحزن على شقيقهم علي وحال حسين، ويعتبرون أنّ الطريقة التي يتمّ التعامل بها مع الجرحى مذلّة، “مين فاضي يركض عالوزارات والمؤسّسات ليخلّص أوراق وملفّات، نحن لي فينا مكفّينا”.

في الوقفات الاحتجاجية لأهالي ضحايا التفجير يقف حسين قبالة المرفأ. يشير للحاضرين إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل التفجير، تدمع عيناه عندما يتذكّر علي، “10 أيام ضلّ بالماي، وأنا إنزل قلّهم ودلّهم على المطرح لي تركته فيه، يقولولي ممنوع حدا يقرّب في شريط أصفر، بعدين لقيوا سيارته غرقانة بالماي، الشريط الأصفر بهالبلد أهمّ من شهدائنا”.

ياسر ديب لا يستطيع العودة إلى العمل بسبب إصابته

نجا من التفجير فهل يموت جوعاً؟

كان ياسر ديب (سوري الجنسية) في عمله في صيانة إحدى البواخر في المرفأ. أثناء الحريق التقط هاتفه وراح يصوّر، وما هي إلّا لحظت إلّا أغمي عليه ووقع أرضاً بسبب الهواء الملوث بالدخان والمواد المشتعلة التي أصابته بالاختناق، كما يرجّح، لذا لا يذكر أيّ شيء عن لحظة التفجير. تقول زوجته، فاطمة ديب، أنّها علمت بالتفجير من التلفزيون، وشاهدت على إحدى المحطّات المسعفين ينقلون ياسر على شِباك الصيدٍ، وتعرّفت إليه من ملابسه “كان لابس كنزة خضرا، شفتهم حاملينه، بس ما عرفت لوين نقلوه”. بعدها تنقلت فاطمة وصاحب عمله من مستشفى إلى أخرى بحثاً عنه بلا جدوى “كنت مأكّدة إنّه طلع من المرفأ، وإنّه مش مفقود”. في اليوم الثاني قصد صاحب العمل مستشفى الزهراء حيث وجد جريحاً مجهول الهوية، لم يعرفه إلّا من الوشم في ذراعه، كان ياسر.

لدى وصوله إلى المستشفى توقّف قلب ياسر فأنقذوه بالصدمات الكهربائية، ليبقى أسبوعاً في الكوما “كانت حالته كثير صعبة، توقّف قلبه ويعاني من مشاكل في الرئتين والكليتين، إضافة إلى تقطّع أوتار رجله اليمنى”، وفق فاطمة.

مكث ياسر في المستشفى نحو شهرين على نفقة وزارة الصحة، لكنه وفور خروجه، بدأ بتحمّل تكاليف علاجه من مراجعات الأطباء، إلى الصور والفحوصات، وجلسات العلاج الفيزيائي على نفقته. لا يزال ياسر عاطلاً عن العمل، يتنقّل على العكّازات، ويعتاش مع زوجته من مساعدات الأصدقاء، وبعض تقديمات “معلّمه”، وبرغم سكنهم في برج حمود التي اعتبرت من ضمن محيط الانفجار، إلاّ أن الجمعيات تساعد جميع أهل الحي إلاّ هم، وفق زوجته فاطمة “والله ما بعرف ليه هيك، منشوفهم بيعطو جيراننا مساعدات، عفش بيت ومواد غذائية وغيره ونحن ما حدا بيدق بابنا”.

ياسر ديب لحظة وقوع التفجير

نسي كل شيء إلاّ اسم حبيبته

يحاول محمد اسماعيل (18 عاماً) التركيز على دراسته، بعدما ضربته آفة النسيان إثر إصابته في 4 آب في رأسه وأثّرت على ذاكرته، فيعجز أحياناً حتى عن تذكّر تفاصيل يومية.

يوم التفجير كانت والدته تحضّر الغداء، فيما أنهى أباه استحمامه، وجلس الجميع بانتظار وصول الشقيق الأكبر من الجامعة للاجتماع حول المائدة. هزّ التفجير الأول باب المنزل بقوّة، فظن محمد والقاطنون أنّ سائق الدليفيري يقرع الباب، فأسرع  لفتحه وبيده المال. لكن الزائر كان ضغط التفجير الثاني الذي لم ينتظر إشارة الترحيب ولا حتى الاستقبال، بل اجتاح المنزل وجسد محمد مخلّفاً إصاباتٍ بليغة عدّة.

لا تتذكر غادة اسماعيل، والدة محمد، من ذلك النهار سوى أنّها في مستشفى الزهراء تبكي ابنها المصاب بنزيفٍ في رأسه والتواءٍ في فكّه، عدا عن كسور يده: “إبني بقي 3 أيام بالكوما، كانت حالته كتير خطرة، كان راسه مفتوح”. بقي محمد في المستشفى 20 يوماً على نفقة الضمان ووزارة الصحة، ليخرج بعدها فاقداً الذاكرة جزئيّاً “إذا بتسأليه شو أكل عالغذاء بقلّك ما بعرف”، فوصف له الطبيب دواءً بـ400 دولار، يؤمّنها الأهل شهرياً كونه غير مدرج ضمن جدول الأدوية المشمولة بالضمان، ويحتاج أيضاً إلى جلسات علاجٍ فيزيائيٍ لفكّه ويده المصابة.

محمد إسماعيل مع استعادته لوعيه بعد دخوله في الغيبوبة

تتنفّس الأم عميقاً وهي تتحدّث عن تكاليف علاجه والدواء، ثم تستدرك أنّ محمد حيّ يرزق و”هذا الأهم”، لتبرر أنّها تأخّرت في تقديم فواتير الضمان “بتعرفي بدّي روح وأنطر دوري، إرجع انطر لأقبض، ما كنت قادرة أعمل كلّ هالشي، هلّق عطيونا موعد بشهر خمسة لنروح نقبض”.

ينسى محمد تفاصيل يوميّة، وخصوصاً إنجاز الواجبات، لكن التفجير أنساه كل شيء إلاّ إسم حبيبته. أصبح اليوم “دلوع المنزل” بكلّ ما للكلمة من معنى، مسرور كون شقيقه الأكبر بات حريصاً على سعادته وعدم إغضابه “ما بقى عم نتخانق أبداً”. كذلك تغمره والدته كل الوقت بالقبل والاهتمام. أمّا بالنسبة إلى دراسته فيؤكّد أنه يحاول جاهداً التركيز والتغلّب على النسيان كونه يريد تخطّي المرحلة الثانوية والوصول إلى الجامعة، لكن غالباً ما تخونه الذاكرة، وهو يراهن على الوقت لاستعادة عافيته بعدما أعلمه الأطباء “إنّه لي بيتعرّض لضربة عالرّاس بيرجع أذكى من قبل”.   

 

كلارا “تطمّنت عليي السفارة الفرنسية وما حدا سأل من دولتنا”

كانت كلارا ستزّف عروساً في 10 آب 2020، لكن كلّ المشاريع المستقبليّة تغيّرت في الرابع منه. وككلّ عروسٍ قبل زفافها، كانت كلارا منهمكة بترتيب منزلها الجديد في “أبراج سما بيروت” في الأشرفية برفقة خطيبها. مع رؤيتها للحريق وقفت العروس بجوار النافذة تنظر إلى المرفأ، ومع التفجير تحطّم الزجاج وجزء من جدران المنزل فغابت كلارا عن الوعي مباشرةً، إثر إصابتها برأسها وظهرها “حملني خطيبي ع مستشفى جبل لبنان، وبقيت يومين غايبة عن الوعي، مع كسور عدّة في سلسلة الظهر والرقبة”. لم يستطع الأطباء إجراء عمليات جراحيةٍ لها، بل انتظروا التئام الكسور لوحدها مع خضوعها للمراقبة الدائمة.

 تعمل كلارا كمدرّبة رياضة، وهذا ما ساعدها على تحمّل كلّ الكسور “لأن جسمي رياضي قدرت أزمط وإلاّ ما حدا بيتحمّل الضربة”. مكثت أسبوعاً واحداً في المستشفى لتخرج وتعي أنّها لم تعد تريد شيئاً من هذه البلاد. لا تريد الزواج، ولا العودة إلى العمل، تريد فقط مغادرة لبنان. تحمل كلارا الجنسية الفرنسية، وتقول إنّ أحداً في لبنان لم يحترم إنسانيّتها، ولا حتى جراحها وجراح غيرها “كل يوم والتاني بيتّصلوا من السفارة الفرنسية وبيسألوا عنّي، هون ما حدا تلفن قال كيفك، ما بدنا شي منهم بس يحسّسونا إنّهم شاعرين بوجعنا”. نقمة كلارا على الزعماء والطبقة السياسية الحاكمة يقابلها الامتنان والفخر بأبناء بلدها الذين بذلوا ما في وسعهم لمساعدة جميع المتضرّرين “الشي الوحيد لي بيكبّر القلب وخلّاني إبكي أنه لما كان بدّي حدا يوقف معي ما لقيت غير شباب بلدي، هنّي نظفوا البيوت والطرقات، الكلّ يعرض مساعدته، تلقيت آلاف الرسائل الداعمة”. تعتبر كلارا أن ما يسارع في شفائها النفسي هو حرصها على تكرار سرد الرواية حتى أصبحت تفاصيلها مألوفة، إضافة إلى سماع معاناة مصابين آخرين “شوف مصيبة غيرك بتهون عليك مصيبتك”.

غطّت وزارة الصحة نفقات علاج كلارا في المستشفى، ثم أكملت علاجها خارجاً على نفقتها الخاصة، “بس في كتير أطباء رفضوا ياخدوا أتعابهم تضامناً منهم مع جرحى التفجير، كذلك كرّست المعالجة الفيزيائية وقتها وتطوعت لمعالجة العديد من الجرحى بشكلٍ مجانيّ “هيدا الشي الوحيد إلّي كان عم يفرّحني إنّه الناس حاسة ببعض”.

 سكريّة: الفساد والمحاصصة ينخران القطاع الطبي

يعتبر النائب السابق إسماعيل سكريّة، رئيس الهيئة الوطنية الصحّية – الاجتماعية، أنّ التفجير شكّل اختباراً للمستشفيات الخاصّة ووزارة الصحة، وهو اختبار فشلوا جميعهم في إدارته بطريقةٍ سليمة، على حدّ قوله. وبعدما وضّح الأسباب التاريخية لما آلت إليه الأمور في القطاع الصحي اليوم، اعتبر أنّ المشكلة الأولى تكمن في منطق المستشفيات الخاصة القائم على أساس كسب المال العام الدائم من خلال وزارة الصحة والجهات الضامنة كافة (صندوق الضمان الاجتماعي، والتعاونيات، المؤسسات العسكرية)، التي تقوم كل منها مسبقاً بتحديد سقف من ميزانيتها للمستشفيات، وتقوم وزارة المالية بتحويل الأموال لها. ولكن ما يحدث، وفق سكرية، أنّ المستشفيات غالباً ما تتخطّى هذه الأسقف، وبرغم ذلك هي مجبرة على الاستمرار في استقبال جرحى الطوارئ وبالتالي تحرير الفواتير على الجهات كافة، لكن هذه الفواتير المستجدّة غير مشمولة بميزانيتها الأساسيّة، فتتكدّس المستحقات المالية المتوجب دفعها للمستشفيات من قبل الجهات الضامنة، وغالباً ما يتمّ إجراء تسوية عامّة بين الطرفين لنيل المستحقات. وبما أنّه لم يتمّ إجراء هذه التسوية ولم يتمّ دفع مستحقات المستشفيات منذ العام 2012، هنا بالتحديد مكمن الفساد بالنسبة لسكريّة من قبل الجهات كافة، فبدلاً من “أن يكون هناك آليّة فعّالة وجدّية للمراقبة والمحاسبة تنظر في صحّة الفواتير، يتم الاكتفاء بتحديد سقف للميزانية وتسوية الأوضاع على الطريقة العشائرية”. ويؤكد سكرية انه بناءً على مراجعاته وقراءاته للعديد من القضايا “وجود تلاعب كبير في هذه الفواتير الوهميّة والمضخمّة”، كاشفاً وجود فواتير يطلق عليها اسم “فواتير نهاية الأسبوع”، حيث “تقوم مستشفيات عدّة بالاحتفاظ بصور إخراجات قيد مرضى، يسجّلهم موظفوها دخولاً وهمياً على حساب وزارة الصحة، وغالباً ما يكون الدخول نهار السبت والخروج نهار الاثنين أو الأحد لغياب الرقابة المشدّدة خلال نهاية الأسبوع، من دون علم صاحب إخراج القيد”. وبهذا تتكدس المستحقات على وزارة الصحة، وغالباً ما تحدث هذه التجاوزات “بالتواطؤ مع الأطباء المراقبين وحتى بعض الموظفين النافذين من الوزارة” على حد قول سكرية.

 ويسلّط النائب السابق الضوء على التقاسم الطائفي والمحاصصة في القطاع الصحي، شارحاً أنّ لكل مستشفى سقفها المالي، ويتم تقاسم المستشفيات مناطقياً وطائفياً، وبالتالي زيادة وتضخيم السقف المالي لها بحسب الجهة السياسية التي ترعاها “مستشفى النبطية لفئة معينة إلها سقف مالي هالقد، مستشفى عين وزين للطائفة والزعيم الفلاني إلها سقف مالي هالقد”.

ويعتبر سكريّة أنّ منطق الفساد مستمرّ في المراحل والمحطّات كافّة، ليشير إلى أنّ هناك تضخيماً في علاجات جرحى التفجير لتحصيل أكبر قدرٍ ممكنٍ من المساعدات والهبات الدولية، معتبراً أنّ رفض المستشفيات متابعة علاج هؤلاء على حساب الوزارة يعود إلى العلاقة المأزومة التي تحكم الطرفين”، ليعود ويهاجم المستشفيات الخاصّة التي لطالما حققت أرباحاً طائلةً عن طريق الغش، معتبراً أنه كان الأجدى بالمستشفيات أن تقف وقفةً وطنيةً “الحدث حدث وطني، شي مرة هالمستشفيات تثبت وطنيتها، مش كل شي لازم تحقق فيه أرباح كبيرة، خاصة أنها سبق وربحت ارقاماً مهولة في السابق”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *