ورشة تعديل قانون ضمان الحصول على المعلومات: المشكلة في مكان والحلول في مكان آخر


2024-02-13    |   

ورشة تعديل قانون ضمان الحصول على المعلومات: المشكلة في مكان والحلول في مكان آخر

كان الأردن أول دولة عربية تقرّ قانون لضمان الحصول على المعلومات في العام 2007 ، إلا أن الانتقادات  رافقت إقراره وتطبيقه سواء من ناحية إجراءات التطبيق أو من ناحية نصوص القانون التي يبدو أنها تفرض قيودا إضافية على الحصول على المعلومات لم تكن موجودة فيل صدور القانون. وبحسب التصنيف الدولي لحق الحصول على المعلومات[1] (The Right to Information (RTI) Rating)، حصلت الأردن على المركز 125 من أصل 139، الأمر الذي يدل على ضعف فاعلية هذا القانون في تحقيق الفائدة المرجوة منه، وينعكس ذلك بالضرورة على ترتيب الأردن بالمؤشرات الدولية الأخرى المتعلقة بالشفافية وحرية التعبير. محاولات تعديل القانون كانت عديدة إلا أنها لم ترَ النور. ففي العام 2012 قامت الحكومة بإرسال مشروع قانون معدّل إلى مجلس الأمة بقي حبيس الأدراج حتى عام 2018 عندما قام رئيس الوزراء في حينه، عمر الرزاز، بسحبه وارسال مشروع آخر يفترض أنه تمّ إعداده بالتشاور مع المجتمع المدني. إلا أن المشروع الثاني ركد في الادراج أيضا ولم يتم مناقشته.

في آب 2023، قام ملك الأردن بتوجيه الحكومة إلى مراجعة قانون ضمان حق الحصول على المعلومات، بما يكفل حقّ الجميع في الحصول على المعلومات الصحيحة والدقيقة وبشكل سريع مما يساهم في الردّ على الإشاعات والأخبار الكاذبة. ومع نهاية عام 2023، اقرّ مجلس الوزراء المشروع المعدّل (الثالث) للقانون، وتمّ ارساله إلى مجلس النواب لغاية مناقشته وإقراره، وبالفعل بدأت مناقشة بنود القانون مع بداية عام 2024.

أبرز الانتقادات للقانون الحالي

من أبرز الانتقادات للقانون الحالي، الآتية:

  • هيمنة السّلطة التنفيذية على مجلس المعلومات، وهو الجهة المشرفة التي تضمن تزويد المعلومات إلى طالبيها، والنظر في الشكاوى المقدّمة من طالبي الحصول على المعلومات. حيث يترأس المجلس وزير الثقافة، ونائبه مفوض المعلومات، وهو نفسه مدير عام دائرة المكتبة الوطنية. أما أعضاء المجلس فهم أمين عام وزارة العدل، أمين عام وزارة الداخلية، أمين عام المجلس الأعلى للإعلام، مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، مدير عام مركز تكنولوجيا المعلومات الوطني،  مدير التوجيه المعنوي في القوات المسلحة، والمفوض العام لحقوق الإنسان.
  • تعزيز سرية المعلومات. تورد المادة 13 من القانون الحالي 7 حالات تمنع فيها الحصول على المعلومات، أبرزها الاسرار والوثائق المحمية بموجب أي تشريع آخر، الوثائق المصنفة على أنها سرية ومحمية، الأسرار الخاصة بالدفاع الوطني أو أمن الدولة أو سياستها الخارجية. يضاف إليها المعلومات التي تتضمن تحليلات أو توصيات أو اقتراحات أو استشارات والتي يجدر أن تقدم للمسؤول قبل أن يتم اتخاذ قرار بشأنها، ويشمل ذلك المراسلات والمعلومات المتبادلة بين الإدارات الحكومية المختلفة حولها. كما تمنع المادة 10 من القانون الحالي طلب الحصول على المعلومات التي تحمل طابع التمييز الديني أو العنصري أو العرقي أو التمييز بسبب الجنس أو اللون. وبالتالي، إذا طلب باحث عدد اللاجئين أو عدد المسيحين أو بدو الوسط في الأردن، يمكن رفض طلبه على أساس ان هذه المعلومات تحمل طابعا تمييزيا.
  • بحسب المادة 7 من القانون الحالي، فإن حقّ الحصول على المعلومات هو فقط للأردني على أن يكون له مصلحة مشروعة أو سبب مشروع، وبالتالي فإن طلب الحصول على معلومات تتعلق بالشأن العام يخرج عن نطاق أحكام القانون. وبالرغم من أن تطبيقات القضاء الإداري للقانون محدودة، نجد أنه في الغالب كانت المحكمة تردّ الدعوى لعدم توفر المصلحة الشخصية لمقدّم الطلب حتى وإن تعلق الأمر بشأن عام، كما هو الحال عند طلب الحصول على نسخة من الاتفاقية المبرمة بين شركة الكهرباء الوطنية وشركة نوبل إنيرجي لتزويد المملكة بالغاز، بعد ان اعتبرت وزير الطاقة والثروة المعدنية أن هذه الاتفاقية سرية[2]. علما بأن هذه الاتفاقية تم توقيعها في العام 2016 ودخلت حيز التنفيذ مع بداية عام 2020، من خلال شركة (NBL Jordan Marketing Limited) ذات المسؤولية المحدودة والمسجلة في جزر الكايمان. وتمثل هذه الشركة تآلف شركات أمريكية اسرائيلية لحقل ليفياثان للغاز (Leviathan Gas Field) الواقع شرق البحر الأبيض المتوسط ويبعد حوالي 130 كيلومترا من ميناء حيفا. وقد تكرر هذا التوجه في حكم لاحق للمحكمة الإدارية العليا، إذ جاء في القرار “وحيث أننا نجد وكما استقر عليه الفقه والقضاء بأن دعوى الإلغاء ليست من دعاوى الحسبة وإنما يشترط لقبولها أمام القضاء الإداري توافر شرط الصفة والمصلحة وإلاّ لكانت تلك الدعاوى عبءا على القضاء الإداري وأداة لتعطيل السير والعمل بالمرافق العامة إذا كانت تلك الدعاوى متاحة لكل شخص دون توافر شرطي الصفة والمصلحة الشخصية بالطاعن”[3].
  • ومن الناحية العملية تلزم المادة 14 من القانون الحالي الدوائر الحكومية فهرسة وتنظيم المعلومات والوثائق التي تتوافر لديها وتصنيف ما يتوجب اعتباره منها سريا ومحميا حسب التشريعات النافذة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة اشهر، إلا أنه بعد مرور 17 عاما على سريان أحكام القانون، لم تقمْ العديد من الدوائر الحكومية بعملية التصنيف، بالرغم من وجود برتوكول لتصنيف المعلومات وآخر خاص بإجراءات الحصول على المعلومات مقرين من مجلس الوزراء. ضعف التزام الجهات الحكومية بهذا القانون يعود لغياب أية عقوبات او إجراءات يمكن اتخاذها بسبب تقصيرها.

ما هي التعديلات المقترحة على القانون؟

بحسب الحكومة، فإن الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل هي الانسجام مع الاتفاقيات الدولية والممارسات الفضلى وتعزيز ثقافة حق الحصول على المعلومات وإعادة تشكيل مجلس المعلومات. والملفت للنظر أن مبررات التعديل لم تتطرق لأغلب الانتقادات السابقة. وفيما يلي أبرز التعديلات المقترحة على القانون، التي يفترض أن تنسجم مع الأسباب الموجبة للتعديل.

  • توسعة نطاق تطبيق القانون

بحسب القانون الحالي، فإن القانون يطبق على الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية والشركات التي تتولى إدارة مرفق عام. التعديل المقترح يوسع من ولاية القانون ليشمل النقابات والأحزاب وأيّ جهة تتلقّى تمويلا جزئيا أو كليا من الموازنة العامة أو من أي جهة أجنبية. ويبدو أن المقصود بالجهات التي تتلقى تمويلا أجنبيا الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وهذه يمكن اجبارها على الالتزام بأحكام قانون ضمان الحصول على المعلومات من خلال الوزارة المختصة وسجل الجمعيات بموجب أحكام قانون الجمعيات، وكذلك الأحزاب من خلال قانون الأحزاب والهيئة المستقلة للانتخابات، كما يمكن إلزام النقابات العمالية من خلال وزارة العمل، في حين تبقى الوزارات والمؤسسات العامة والنقابات المهنية خارج نطاق المساءلة. وفي جميع الأحوال تبقى السلطة التشريعية والقضائية خارج نطاق تطبيق القانون.

  • استثناء المعلومات الشفوية

يُعرّف القانون الحالي المعلومات على أنها أي بيانات شفوية أو مكتوبة أو سجلات أو إحصاءات أو وثائق مكتوبة أو مصورة أو مسجلة أو مخزنة إلكترونيا أو بأي طريقة وتقع تحت إدارة المسؤول أو ولايته. التعديل المقترح شطب عبارة “شفوية”. ومن المؤكد أنّ هذا التعديل سيؤدّي إلى تراجع الأردن في التصنيف الدولي الخاص بحقّ الحصول على المعلومات، لأن من معايير التقييم أن يتمكن الفرد من الحصول على كافة أشكال المعلومات حتى لو كانت شفوية. كما تمّ حذف عبارة المعلومات الشفوية من تعريف الوثائق المصنفة.

  • تشكيل مجلس المعلومات

بحسب التعديل المقترح، تم إضافة نقيب المحامين ونقيب الصحفيين وممثلين اثنين عن مؤسسات المجتمع المدني يسميهم رئيس الوزراء إلى عضوية مجلس المعلومات. يبدو هذا التعديل لتلافي الانتقاد السابق وهو هيمنة السلطة التنفيذية على تشكيل مجلس المعلومات، إلا أن هناك شكوكا حول جدوى هذا التعديل، فبداية الممثلون عن المجتمع المدني يتم اختيارهم من قبل رئيس الوزراء من دون معايير واضحة، كما أن نسبة تمثيل الأعضاء غير الحكوميين ما زالت قليلة مقارنة بالأعضاء المرتبطين بالحكومة أو الجيش ارتباطا مباشرا. وقد أضاف التعديل المقترح إلى عضوية المجلس أمين عام وزارة الاتصال الحكومي و أمين عام وزارة الاقتصاد الرقمي.

  • سلب صلاحية أعضاء مجلس المعلومات

يلغي التعديل المقترح حقّ 4 من أعضاء مجلس المعلومات بطلب عقد اجتماع لمناقشة أمور محددة.

  • تعديل مهام مفوض المعلومات

تم تعديل مهام وصلاحيات مفوض المعلومات بحسب مشروع القانون المعدل وذلك بإضافة مهمة إعداد إشعار استلام طلبات الحصول على المعلومات الذي يتضمن تاريخ تقديم الطلب، نوع المعلومة، الفترة اللازمة للرد على الطلب المحددة في القانون وطرق التظلم أو الطعن.

  • السماح لغير الأردني بالاستفادة من القانون

يسمح التعديل المقترح لغير الأردني المقيم تقديم طلبات الحصول على المعلومات. كما يمكن ممارسة هذا الحق من قبل الشخص الطبيعي أو الاعتباري.

  • الإفصاح الاستباقي

يلزم التعديل المقترح الجهات التي يخضع لها هذا القانون بتقديم معلومات متعلقة بالهيكل التنظيمي والتشريعات المتعلقة بها، والمعلومات المتعلقة بموازنتها، ونتائج التدقيق على حساباتها والعجز المالي الذي تعاني منه إن وجد وأسبابه وكذلك الفائض المالي إن وجد، والتقارير السنوية والدورية والعطاءات التي تطرحها. كما يمكن لمجلس المعلومات الطلب من الهيئات نشر أي معلومات يراها ضرورية. وتمّ استثناء القوات المسلحة والمخابرات العامة والأمن العام من هذه المادة. وفي إطار ما تمّ ذكره سابقا، يمكن تطبيق هذه المادة على منظمات المجتمع المدني، الأحزاب والنقابات العمالية، في حين لن يكون هناك مساءلة للجهات الحكومية والنقابات المهنية.

  • صلاحيات تقديرية لمجلس المعلومات

منح التعديل المقترح مجلس المعلومات تقدير مدى توفر المصلحة العامة للكشف عن المعلومات التالية: (1) المعلومات التي يتم الحصول عليها باتّفاق مع دولة أخرى وتم الاتفاق من قبل الجانبين على أن تبقى سرية، و(2) المعلومات التي قد تلحق الضرر بالدفاع الوطني أو أمن الدولة أو سياستها الخارجية، و(3) المعلومات التي تؤثر على موقف الاردن في المفاوضات مع الدول الأخرى، و(4) التحقيقات التي تجريها النيابة العامة أو الضابطة العدلية أو الأجهزة الأمنية. وبحسب ما استقر عليه القضاء الإداري في الأردن، فإن الإدارة المعنية غير ملزمة عند ممارسة الصلاحيات التقديرية ببيان أسباب القرار ويعتبر القرار صحيحا ومستهدفا للصالح العام.  

  • عدم جواز الاحتجاج بالسرية

منع التعديل المقترح  الاحتجاج بسرية المعلومات اذا تعلقت المعلومات المطلوبة بانتهاكات حقوق الانسان وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية. وبالتأكيد سيكون مثيرا للاهتمام مراقبة كيف يتم التعامل مع هذا النص خاصة في إطار انتهاكات حقوق الانسان، لكن السؤال الذي يثور من الذي سيحدد إذا كنا أمام هذا الشكل من أشكال الانتهاك، بالتأكيد مجلس المعلومات، ويمكن الطعن بقراره أمام القضاء الإداري.

جاء مشروع تعديل قانون ضمان الحصول على المعلومات في إطار تعديل حزمة تشريعات خاصة بالإصلاح السياسي شملت قانون الانتخاب، قانون الأحزاب وقانون الهيئة المستقلة للانتخابات، إلا أنه في حالة هذا القانون لم يطرأ تعديل على النصوص التي شكلت عائقا أمام حق الحصول على المعلومات، منها ضرورة توفر شرط مصلحة مشروعة أو سبب مشروع لمقدم طلب الحصول على المعلومات، وهو السبب الرئيسي في رفض طلبات الحصول على المعلومات، كما أن سلطة الإدارة بإضفاء السرية على المعلومات ما زالت موجودة، وما زال هناك غياب لآلية فعالة تهدف إلى إلزام الجهات الحكومية بإجراء تصنيف للمعلومات الأمر الذي سيضعف تطبيق القانون، بالمقابل سيشكل القانون المعدل عبءا إضافيا على مؤسسات المجتمع المدني على اعتبار أنها تتلقى تمويلا أجنبيا وبالتالي تندرج ضمن ولاية القانون. وحتى إعادة تشكيل مجلس المعلومات لم يؤثر على هيمنة السلطة التنفيذية، وفي الوقت نفسه تمّ الحدّ من صلاحيات أعضاء المجلس بطلب اجتماعات لمناقشة أمور محددة، وهي من الصلاحيات التي كان من الممكن للأعضاء المستقلين ممارستها.   


[1]  التصنيف العالمي لحق الوصول إلى المعلومات يقيس فاعلية الإطار القانوني لحق الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها السلطات العامة اعتمادا على 61 مؤشرًا منفصلًا مقسمة إلى سبع فئات رئيسية: حق الوصول، والنطاق، وإجراء الطلب، والاستثناءات والرفض، والطعون، والعقوبات والحماية، والتدابير الترويجية.

[2] الحكم رقم 87 لسنة 2018 – المحكمة الإدارية العليا

[3] الحكم رقم 381 لسنة 2023 – المحكمة الإدارية العليا

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، الأردن ، تشريعات وقوانين ، الحق في الوصول إلى المعلومات ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية