هيمنة نظام “السيارة”: بدل النقل مثالًا


2023-06-22    |   

هيمنة نظام “السيارة”: بدل النقل مثالًا
موقف الجامعة اللبنانية- الحدث

“يُعطى الأجير عن كل يوم حضور فعلي إلى مركز العمل، بدل نقل يومي قيمته ستة آلاف ليرة لبنانية، وذلك نسبة لسنة واحدة ريثما يتم تفعيل وسائل النقل العام ويمكن تمديدها سنة ثانية في حال تعذّر ذلك خلال السنة الأولى”. بهذه العبارات أُقرّ مرسوم إعطاء مبلغ 6000 ليرة كبدل نقل يومي للأجراء في لبنان (2005) قبل أن يرتفع إلى 8000 ليرة في العام 2008 ويبقى نفسه لـ 13 عامًا حتى أيلول 2021 حيث ارتفع تحت وقع الأزمة إلى 24 ألف ليرة ثم 65 ألف ليرة بعدها بأشهر قليلة ثم 95 ألف ليرة في تموز 2022 وأخيرًا 450000 ليرة في نيسان 2023. ارتفاعات وتغيّرات ونقاشات حدثت لبدل النقل فيما الشرط الذي أُقر على أساسه بدايةً، أي تفعيل وسائل النقل العام خلال عام أو اثنين على أبعد تقدير، لم يطبق بعد مرور ما يقرب العقدين من الزمن وبقي حبرًا على ورق ليتحوّل التدبير الاستثنائي المؤقت، أي بدل النقل، إلى قاعدة أبدية وأداة تخرجها السّلطة في كل مرة تتحسّس أن عليها بيع الناس وهمًا جديدًا لا سيّما لمؤيدي أحزابها خلال الأزمة.

وعلى الرغم من محاولة إعطائه صبغة “إيجابية” والاكتفاء به كوسيلة لمواجهة تطوّر أزمة النقل، إلّا أن بدل النقل في الحقيقة إجراء سيّئ ينمّ عن سوء نيّة من السلطة الحاكمة في معالجة معاناة الناس بوجه فشل نظام النقل، أو بأحسن تقدير عن ضعف مقاربتها في إدارة وحوكمة قطاع النقل.

يحاول  هذا المقال إجراء شرح نقدي لبدل النقل ودلالاته بشأن مقاربة السلطة الحاكمة لمسؤوليتها في معالجة أزمة النقل وبشكل أعمّ لمسؤوليتها في معالجة مختلف الأزمات التي بات المجتمع يتخبط بها.

أداة ضعيفة بنيويًا

عوّدتنا السلطة في لبنان، منذ نهاية الحرب على الأقل، أن تحصر تدخّلها في قطاع النقل بالمنظار المصلحي الحامي لشبكة المصالح التي تنتفع منه. الأمثلة كثيرة ولكن يمكن اختصارها بسياسة “السيارة فقط”، مع ما يرافقها من سخاء نسبي في الاستثمار بالطرق والأوتوسترادات، مقابل إهمال النقل المشترك والسلس بشكل فاضح. وفي وقت لا يظهر قطاع النقل غالبًا ضمن الأولويات، ظهرت منذ عقدين تقريبًا بدعة اسمها “بدل النقل” لتصبح بمثابة أمر واقع حتى بداية الأزمة التي حوّلتها إلى مطلب شبه أساسي من جهة الناس وكأداة يتيمة من جهة السلطة. ولكن برغم ما يظهر من تلميع لهذا الإجراء وتمنين الناس به وصولًا حدّ إقناعهم (بسهولة) بصوابيته، يبقى بدل النقل أداة ضعيفة بنيويًا لأسباب عديدة نتناولها أدناه، وسيئة لدرجة أنها تعمّق أزمة النقل في لبنان بدل المساهمة في تخفيفها كالأمثلة التي يتناولها هذا المقال لاحقًا.

أولًا، ما معنى أن يتمّ إضافة مبلغ على الراتب بحجة تخصيصه لنفقات محددة مثل النقل؟ لو كان ذلك طبيعيًا، لمَ لا يتمّ إضافة حصص أخرى تحت مسمّى بدل كهرباء أو بدل صحة أو بدل طعام وما إلى ذلك؟ أليس النقل بندًا من نفقات الأسر كغيره؟ لماذا يتمّ تخصيصه ببدل منفصل عن الراتب؟ السبب بسيط، وهو أنه بالفعل ليس إلّا زيادة مبطّنة للمدخول من دون إدخالها في أساس الراتب لإعفاء الشركات والدولة من زيادة تعويض نهاية الخدمة، والتي تقدّر بحوالي 10 ملايين ليرة وسطيًا لكل فرد (قبل الأزمة). هذا الرقم يقدّره شربل نحاس، وزير العمل السابق، الذي اعتبر بدل النقل بالشكل المطروح غير قانونيً في عام 2012، رافضًا السير به ومطالبًا بـ “تحديد مفهوم الأجر وشروط حمايته وصونه “بدلًا من “تحديد قيمة بدل النقل”[1]، وصولًا حدّ استقالته من الحكومة ومواجهة ما يسمّى الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية ضمن هذه المعركة نفسها.

ثانيًا، عند احتساب بدل النقل، تكون ملفتة جدًا الدقة في تحديده: 8000 ليرة، 24 ألف ليرة، 65 ألف ليرة للقطاع العام و64 ألف ليرة للقطاع الخاص،… الّا أن هذه الأرقام غير مبنية على أساس علمي ولا تفسير لكيفية احتسابها. يقول البعض إنّها تعتمد على سعر صفيحة البنزين أو استهلاك الأسر للبنزين للتنقل، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

فيما يتعلق بسعر صفيحة البنزين، على سبيل المثال، إذا أخذنا مثلًا سعر البنزين بين عامي 2012 و2013 كان بين 25 و30 ألف ليرة للصفيحة، فإن بدل النقل حينها كان يشكل بين 25% و30% من سعر الصفيحة. وإذا نظرنا إلى أسعار المحروقات في تموز 2022 (عند رفع بدل النقل إلى 95 ألف ليرة)، فإن سعر البنزين كان حوالي 611 ألف ليرة، وبالتالي كان بدل النقل الجديد يشكّل 16% من سعر الصفيحة (12في أيلول 2021، 17% في كانون الثاني 2022).

أساسًا، ربط بدل النقل بسعر صفيحة البنزين يبيّن أن السلطة تعتبر أنّ جميع الناس يذهبون إلى أعمالهم بالسيارة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، حيث يشير مثلاً إحصاء أجريته عام 2018، أن شخصًا من كل اثنين يستخدم السيارة للذهاب إلى عمله بشكل منتظم، فيما يستخدم النصف الآخر وسائل النقل المشترك أو يسير على الأقدام[2].  وبالحديث عن النقل المشترك، يجب التذكير بأنه منذ تموز 2021 لم يتم إصدار أي تحديث لتعرفة بدل النقل رسميًا، وبالتالي لا يمكن للحكومة أن تأخذ النقل المشترك كمعيار لاحتساب بدل النقل، وإلّا ستظهر كمن يناقض نفسه ويؤكد مجددًا أنها ترى قطاع النقل فقط من منظور السيارة، وهذا ما سيتم التطرق إليه لاحقًا في متن هذا المقال.

ملحوظة يجب ذكرها: خلال الحديث عن “الباصات الفرنسية” وتشغيلها، كان لافتًا أنّ وزير النقل في حكومة تصريف الأعمال علي حمية كان يرغب في تحديد تعرفة الباصات بحيث تكون أقلّ من بدل النقل اليومي، من دون أن يأخذ في الاعتبار تكلفة التشغيل أو الدعم المطلوب أو عدد الركاب المحتملين أو الفعليين أو حجم تشغيل هذه الباصات… وتفضيله ربط تعرفتها بإجراء لا يستند إلى أي أساس علمي أو إحصائيات أو دراسات. يؤكد هذا الاقتراح كيف أنّ الاستثناء أصبح القاعدة، وكيف أصبح بدل النقل معيارًا.

أما فيما يتعلق باستهلاك الأسر، ففي غياب أرقام وإحصائيات دقيقة، يبدو أنّ هذا المعيار هو أيضًا غير دقيق تمامًا. تشير بعض الإحصائيات إلى أنّ الأسر تستهلك بين أربع إلى ستّ صفائح شهريًا (ومنهجية الاحتساب غير واضحة)، وبالتالي بدل النقل لا يتوافق مع هذا الاستهلاك. تقديرات أولية2 تشير إلى أنّ ثلثي التنقلات في لبنان ملزمة أو مقيّدة (للعمل أو الدراسة أو تنقلات لا غنى عنها) فيما الباقي لغير المقيّد. ولكن من الصعب التحقق من مدى دقة الأرقام هذه على أرض الواقع كما أنّه لا يمكن بتاتًا الاعتماد عليها، حتى ولو صحّت، حيث أنّها لا تعطي تفاصيل كافية تساعدنا في التمييز بين التنقّل للعمل (المتعلق ببدل النقل) والتنقلات غير المقيّدة (مثل الزيارات والتسوق والترفيه)، وبالتالي لا يمكن معرفة توزيع استهلاك الأسر. وهذا إذا تجاهلنا صعوبة تحديد الأسر والأفراد المعنيين ببدل النقل بشكل عام.

ثالثًا، في بعض الأحيان يتجاوز مجموع بدل النقل قيمة الراتب في العديد من الوظائف والأعمال، وهذا مؤشر خطير يظهر وكأن السلطة (وخلفها أصحاب العمل) يقولون للعمال والموظفين أن قيمة وصولهم إلى مكان العمل أهم من العمل الذي يقومون به، وهذا يعدّ إهانة لقيمة العمل والعامل نفسه ويظهر المنحى الرأسمالي المتوحش المتبّع في لبنان.

وحتى لو أردنا التغاضي عن هذه التساؤلات واعتبار بدل النقل هذا محقًا وطبيعيًا، فإنّ هناك عدة نتائج سلبية لهذا الإجراء على قطاع النقل تحديدًا. فيما يلي بضعة أمثلة.

تعزيز الاعتماد على السيارة، منفعة لكارتيل النقل

تنبع المشكلة الأساسية في نظام النقل في لبنان من اعتماد مفرط على استخدام السيارة، حيث يشكل أكثر من ثلثي حركة المرور. وتضاف إلى ذلك نسبة مرتفعة من امتلاك السيارات، تفوق الـ 80% من الأسر قبل الأزمة، وهو رقم يقارب تلك المسجلة في بعض الدول الأوروبية. يعزى هذا الاعتماد إلى عدة عوامل، منها القدرة المادية على اقتناء السيارة المتاح بشكل كبير من خلال الاقتراض أو الاعتماد على أموال الآخرين، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نصف السيارات المشتراة في لبنان تمت عن طريق الاقتراض أو الدين الشخصي أو قرض من المصرف أو بفضل أموال الآخرين (أهل، عمل، …).  فيما يشكّل أيضًا تثبيت سعر صرف العملة عاملًا مساعدًا لتحسين هذه القدرة المادية عبر السماح بالاستفادة من الدعم المبطّن للعملة لشراء واستخدام السيارة وبشكل خاص المحروقات. يشير تقرير صادر عام 2015 إلى أن 6% فقط من إجمالي الدعم للنقل يتلقاه أفقر ربع في لبنان بينما يتلقى الربع الأغنى 55% من إجمالي الدعم[3].

القدرة المادية في الوصول إلى السيارة يقابلها اقتطاع ما معدله 14% من ميزانيات الأسر لبند النقل فيما الحصة الأكبر منها (تفوق 70%) وفق بعض التقديرات تُخصص لشراء أو استخدام السيارة، وهو رقم مرتفع نسبيًا نظرًا لمستوى خدمة النقل المؤمّنة في لبنان. هذا المعدّل هو نفسه تقريبًا في فرنسا مثلًا رغم الفارق المهول في قطاعي النقل في البلدين.

إذًا، في ظل الاستخدام المفرط للسيارة وحقيقة أنّ أغلب ميزانية النقل مخصصة للسيارة، فإن بدل النقل يأتي عملياً كتمويل شبه مباشر للسيارة ونموذج النقل المعتمد عليها. لأي سبب؟ ببساطة لأن هذا النموذج هو “باب رزق” لكارتيل النقل: شراء واستخدام سيارة تعني مراكمة أرباح لمستوردي وتجار السيارات والمحروقات وقطع الغيار والكراجات، كما المصارف وشركات التأمين ومتعهدي الطرقات والمضاربين العقاريين عدا عن المنفعة المادية للدولة من ضرائب وجمارك وغيره…[4]  كلّما زاد امتلاك السيارات واستخدامها كلّما زاد هذا التراكم، والعكس صحيح وذلك أحد الأسباب الأساسية لغياب خدمات نقل مشترك لائق ومستدام.

تعزيز اللامساواة

يُسّجل أيضًا لهذا التدبير أنه يعمّق اللامساواة في قطاع النقل في لبنان. تنبع هذه اللامساواة أساسًا من كون نظام النقل معتمدًا على السيارة، حيث ينقسم إلى عدة فئات تعتمد على الفروقات بين أولئك الذين يستطيعون ويرغبون في استخدام سيارة لتأمين تنقلاتهم وبين الآخرين. وتنقسم هذه الفئات بحسب عدة عوامل أبرزها جغرافي (بين سكان المدن حيث يمكن العثور أكثر على بدائل للسيارة والآخرين) أو اجتماعي (بين الطبقات التي تواجه صعوبات اقتصادية وتتحمل عبء استخدام السيارة – أو عدمه- بشكل أكبر مما هي الحال بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بحالة اقتصادية أفضل)، أو الخصائص السكانية (هناك فئات عمرية لا تستطيع قيادة أو امتلاك سيارة – مثل الأشخاص الصغار أو كبار السنّ بشكل خاص – بالإضافة ذوي الاحتياجات الخاصة وأولئك الذين لا يمتلكون رخصة قيادة على سبيل المثال…).

يأتي بدل النقل لتعزيز هذه اللامساواة. في ظلّ نظام معتمد على السيارة ونسبة مرتفعة من التنقلات إلى العمل تتم عبر هذه الوسيلة حصرًا (أكثر من النصف)، فان بدل النقل سيكون كرافعة تدعم استمرارية  الاعتماد على السيارة وبالتالي دعم ما يُسمى بـ “نظام السيارة”[5]، أي جميع الخدمات والبنية التحتية المخصصة للسيارة والتي سيؤمّن جزء كبير من تمويل القدرة على استخدامها عبر بدل النقل هذا، ولكن من فئة من الناس (الأجراء المستفيدون من بدل النقل) ولخدمة فئة من الناس (مستخدمة السيارات حصرًا). وبالتالي كلما زاد عدد مستخدمي السيارة وخدماتها، زادت الفجوة بين الميسّرات المتاحة لمستخدمي السيارات وغيرهم [6]. العكس تمامًا يحدث في حالة تمويل استخدام وسائل أخرى وبشكل خاص النقل المشترك. إلّا أنّ الوضع المزري لهذا القطاع في لبنان وغياب الإطار التنظيمي الواضح له يحول دون الاستفادة من بدل النقل (وبشكل أوسع التعرفة أو كلفة التنقل) لتحسين خدماته حيث أنها تبقى مخصصة بالأولوية كمدخول للمشغلّين لا للاستثمار في مركباتهم وتحسين خدماتهم.

لتبسيط الفكرة، إذا أخذنا مجموعتين من الناس، الأولى تستخدم السيارة للذهاب إلى العمل، في حين تستخدم الثانية النقل المشترك الشعبي المتوافر اليوم في لبنان. إذا أعطينا كل فرد من المجموعتين بدل النقل نفسه، فسيستمر أفراد المجموعة الأولى في تمويل امتلاك واستخدام سيارة بدلاً من النقل، وسيخصص أفراد المجموعة الثانية بدل النقل لدفع تعرفة النقل للمشغّل. الفرق الجوهري يكمن في أن تمويل استخدام السيارة بشكل مباشر أو غير مباشر يؤدي إلى تسهيل استخدام الخدمات المخصصة للسيارة مثل الطرقات ومواقف السيارات والكراجات والمحطات وما إلى ذلك، مما يعزز الطلب عليها وبالتالي الحاجة المستمرة إليها ولتحسين نوعيتها مما يؤدي إلى زيادة رغبة المستخدمين في استخدامها أي الاستمرار في الاعتماد على السيارة مما سيؤدي إلى تعزيز الطلب مجددًا وجذب المزيد من المستخدمين الجدد. وهنا ندخل في دوامة لا نهائية: التمويل يؤدي إلى تحسين الخدمات، وتحسين الخدمات يؤدي إلى زيادة عدد المستخدمين، وزيادة عدد المستخدمين تؤدي إلى تحسين الخدمات، وهكذا دواليك. أمّا في حالة النقل المشترك، فإن تخصيص بدل النقل، أو جزء منه، لدفع تعرفة النقل للسائق (المشغّل) سيذهب غالبًا إلى تلبية الاحتياجات المعيشية لمشغلّي النقل المشترك (السائقين، أصحاب المركبات، إلخ) بشكل أكبر بكثير من تخصيصها لتحسين مركباتهم أو الخدمة المقدمة. بالتالي، تظل خدمات النقل المشترك على حالها دون تحسن يذكر، بينما تستمر خدمات السيارة في التحسن المستمر، مما يزيد من الفجوة بين مستخدمي السيارة وغيرهم من المتنقلين.

أيضًا بجوهره بدل النقل غير عادل فهو يميّز بين الفئات المجتمعية عبر معيار واحد غير عادل لتقييم عادات التنقل وإلزاميتها. هذا البدل يتم تقديمه للموظفين والعاملين كتعويض لتأمين وسيلة نقل بين منازلهم وأماكن عملهم، وبالتالي يستند إلى مبدأ ضرورة تأمين تنقل ملزم (لا يمكن إلغاؤه أو التخلي عنه)، ولكنه في لبنان يقتصر على الموظفين والعاملين والأجراء فقط، على الرغم من أنهم ليسوا الوحيدين الذين لديهم تنقلات ضرورية. فعلى سبيل المثال، هناك آخرون أيضًا:

– الطلاب والتلاميذ الذين عليهم إجراء تنقلات يومية ملزمة نحو مراكز التعليم، ولكنهم لا يستفيدون من بدل النقل. وبالتالي، تكلفة نقلهم تشكل ضغطًا إضافيًا على ميزانية أسرهم،

– أصحاب المهن الحرة أيضًا عليهم تأمين تنقلاتهم (الملزمة) للعمل، ولكنهم لا يستفيدون من بدل النقل أيضًا. وبالتالي، يحمّلون تكلفة النقل عبر زيادتها على حساب زبائنهم،

– القوى غير العاملة وباقي المجتمع.

هذه الفئات غير المستفيدة من بدل النقل تتحمل تكلفة النقل أكثر من الفئة التي تستفيد منه. وبالتالي، هذا شكلٌ آخر من عدم المساواة في التنقل والوصول.

صورة أخرى لعدم المساواة في بدل النقل تظهر في أن جميع المستفيدين يحصلون على نفس المبلغ بغضّ النظر عن المسافة المقطوعة للوصول للعمل أو الوسيلة المستخدمة أو الوقت والجهد المخصصين لهذا التنقل. على سبيل المثال، يحصل شخص قادم من زغرتا إلى بيروت للعمل على نفس بدل النقل الذي يحصل عليه شخص يأتي مشيًا على الأقدام إلى عمله. تؤكّد هذه العدم مساواة مرة جديدة أن النية من إقرار بدل النقل ليست تمويل تنقل الناس، بل إعطاؤهم زيادة مستترة على الراتب. هذه اللامساواة دفعت البعض إلى اقتراح إعطاء بدل النقل نسبة للمسافة من البيت للعمل ولكن تم التغاضي عنه، لربما لأن اتّباع هذه الطريقة يلغي أساس بدل النقل من منظور السلطة، أي رشوة مبطنة للناس وبالتالي عدم إعطائها للكل بالتساوي يفتح أبوابا واسئلة على هذه السلطة، من جمهورها بشكل خاص، هي بغنى عنها. بالإضافة إلى ذلك، فإنه عمليًا يصعب احتساب هذه الكيلومترات نظرًا لغياب الإحصاءات والمؤشرات الكافية (التقديرات تشير إلى أن المسافة الى العمل وسطيًا جماعيًا هي حوالي 8350 كلم سنويًا، أو 10 كلم وسطيًا جماعيًا بين المنزل ومكان العمل أو الدراسة)، عدا عن أن هذه المسافة قد تختلف بحسب الوسيلة (أو الوسائل) المستخدمة كما بطريقة استخدامها (عدد الركاب، نوع السيارة، سهولة الوصول لنقاط مرور النقل المشترك،…).

فرصة مهدورة لتمويل قطاع النقل

تتحجّج السلطات المتعاقبة منذ نهاية الحرب بعدم توفر التمويل لإقامة شبكات نقل مشترك أو تطوير قطاع النقل. هذه الحجج واهية. فلو تم تخصيص 1% مما تم صرفه منذ نهاية الحرب (حوالي 300 مليار دولار) لكنا موّلنا، على سبيل المثال، مشروع قطار بيروت-طرابلس (بناءً على دراسة مكتب إيجيس 2012)[7] أو 10 مشاريع باص سريع (مع شبكة نقل مشتركة متكاملة في بيروت الكبرى وتزويده بخطوط رافدة) مثل المشروع المعتمد لبيروت-طبرجا (بناءً على دراسة البنك الدولي 2017)[8]، أو 100 مشروع لتسهيل التنقل السلس في بيروت الكبرى (بناءً على دراسة بلدية بتمويل من منطقة إيل دو فرانس الفرنسية)[9]. ولكن حتى لو افترضنا أنه لم يكن هناك أموال كافية للنقل، فإن تمويل تطوير قطاع النقل بشكل عام والنقل المشترك بشكل خاص كان ممكنًا عبر تدبير بسيط يجبر شركات القطاع الخاص وخزينة القطاع العام على وضع الأموال المخصصة لبدل النقل المدفوع للأجراء والعمال في صندوق يُخصص لتمويل مشاريع النقل والتي يستفيد منها المجتمع بشكل عام بدلاً من فئة محددة. على سبيل المثال، في عام 2017، قدّرت “الدولية للمعلومات” حجم القطاع العام بـ 300 ألف شخص. إذا افترضنا هذا الرقم وأخذنا متوسط 20 يوم عمل في الشهر لكل فرد على مدى 10 سنوات اعتبارًا من عام 2008 (تاريخ إقرار بدل النقل بـ 8000 ليرة)، سيتم صرف حوالي مليون ونصف الدولار يوميًا (بسعر صرف 1500 ليرة للدولار)، أي أكثر من ثلاثة مليارات ونصف الدولار على مدى 10 سنوات على الأقل كبدل نقل للقطاع العام فقط، دون حتى احتساب ما يدفعه القطاع الخاص كبدل النقل علمًا أن حجم القوى العاملة في هذا القطاع (75%) أكبر مما في القطاع العام (25%). ماذا لو تم وضع هذه المبالغ في صندوق وطني للنقل؟ كنا حصلنا على نظام نقل متكامل ومتطور يستفيد منه المجتمع بشكل متساوٍ، ونقلل من الاعتماد على السيارة المكلف بشكل مهول على الأسر والمجتمع (حوالي 7% من الناتج المحلي في 2015 مثلًا. ولكن نظرًا لما يحتمه ذلك من صعوبة في الإدارة واتخاذ الخيارات وتفويت للأرباح على كارتيل النقل كان الخيار الأسهل بصرف هذا البدل مباشرة عبر زيادة مستترة على الراتب.

فكرة التمويل من الشركات والخزينة بهذا الشكل مطبقة في فرنسا، على سبيل المثال. وفقًا للقانون، يجب على كل مؤسسة عامة أو خاصة، التي يبلغ عدد موظفيها أكثر من 10 أشخاص، والتي تقع ضمن منطقة تنظيمية للنقل، دفع مساهمة تصل إلى 2.5% (ما بين 1.6% و2.95% في باريس) من حجم الرواتب السنوية كمساهمة لتمويل قطاع النقل والنقل المشترك داخل نطاق المنطقة.

وبالنسبة لصندوق النقل، يجدر بالذكر أنّ وزير النقل الحالي علي حمية قد اقترح في وقت ما، ضمن سلسلة اقتراحاته، إنشاء صندوق للنقل يتم تمويله من المخالفات المرورية وغرامات حوادث السير. على الرغم من عدم فعالية مثل هذا الاقتراح، نظرًا للمبالغ المحدودة، فإن الأمر المستغرب هو الرهان على تمويل النقل بحسب حجم الحوادث وغرامات السرعة. بمعنى آخر، يصبح لدينا مصلحة في زيادة عدد حوادث السير ومخالفات السرعة، وإلا فلن يتوفر تمويل للنقل. مذهل إلى أي حد يمكن أن تصل السلطة في إبداعاتها.

خاتمة

يواجه لبنان أزمة نقل نوعية تحتاج إلى مقاربة جذرية للحد منها، وإلّا فإنّ السلبيات ستتفوق على الإيجابيات، خاصة في حال وجود سوء النية من قِبَل السلطة تجاه المجتمع، بغرض خدمة قلة محدودة على حساب معاناة المجتمع بأكمله. وهذا بالضبط ما يحدث في قضية بدل النقل في لبنان. هذا النهج أدى إلى اقتراح حل مؤقت تحول بالنهاية إلى حل “أبدي” يسبب المزيد من الضرر بدل الفائدة.


[1] https://al-akhbar.com/Politics/65757 هكذا استقال الوزير المشاكس – جريدة الأخبار –

[2] EL ZEIN, Ali. La crise du système de déplacements au Liban : Une dépendance automobile systémique et coûteuse. 2020. Thèse de doctorat. Université de Perpignan. https://theses.hal.science/tel-02938134/

[3] MoE/UNDP (2015). Fossil Fuel Subsidies in Lebanon: Fiscal, Equity, Economic and Environmental

Impacts. Beirut, Lebanon.

[4]  كيف دُمِّر نظام النقل المُشترك في لبنان ولصالح من؟ – ليلى يمّين

https://thepublicsource.org/ar/public-transit-destruction

[5] Dupuy, G. (1999). La dépendance automobile : Symptômes, analyses, diagnostic, traitements. Anthropos.

[6] Dupuy, G. (1999). From the “magic circle” to “automobile dependence”: Measurements and political implications. Transport Policy, 6(1), 1‑17.

[7] EGIS. (2012). Etude de faisabilité d’un système de transport public de masse à Beyrouth (Rapport Final de Phase 2 110 241Z). Egis International

[8] ELARD, & EGIS. (2018). Environmental and Social Impact Assessment (ESIA) for the Bus Rapid Transit System between Tabarja and Beirut and Feeders Buses Services. ww.cdr.gov.lb/study/BRT/FINALESIAREPORTver1P1.pdf

[9] SITRAM, & EGIS. (2013). Plan des Déplacements Doux de la Municipalité de Beyrouth

انشر المقال

متوفر من خلال:

لا مساواة وتمييز وتهميش ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تحقيقات ، حرية التنقل ، نقل عام ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية